Minbar Libya

  بقلم جلال خشيب

هذه الورقة تعتمد على الدور المحوري لعامل الجغرافيا كمتغيّر تفسيري مستقل في تحليل الجذور العميقة لهذه الثورات أو الانتفاضات الشعبية .

الجزء الثاني

ثانيا: الجذور العميقة للثورات العربية: تبصُّراتٌ من الجيوبولتيك الكلاسيكية

كما ذكرنا، فإنّ هذه الورقة تريد المحاججة بالأهميّة المحورية لعامل الجغرافيا في تفسير جذور “ثورات الربيع العربي” والمنحى المتباين الذّي أخذته، مُجادلةٌ بأنّ الجيوبوليتيك الكلاسيكية قادرة على تقديم تبصّراتٍ جيّدةٍ في هذا الصدد.

أـ تونس ومصر، عقلية الدولة المتأصلّة

لقد بدأ “الربيع العربي” من تونس في الأسابيع الأخيرة من سنة 2010، لم يكن من الصدفة بمكان أن ينطلق من تونس تحديداً لأسبابٍ عديدة، فتونس تُعتبر أكثر الدول العربية قرباً لأوروبا من الناحية الجغرافية، وقد كانت في معظم تاريخها مرتبطةً بعلاقةٍ متبادلةٍ بصقلية الإيطالية.

صحيح أنّ المغرب الأقصى أكثر قرباً لإسبانيا من قرب تونس لإيطاليا، إلاّ أنّ إيطاليا كانت قلب أوروبا النابض منذ القدم، بهذا المعنى فإنّ تونس أقرب جغرافياً إلى قلب أوروبا من المغرب إليه، أي أكثر الدول العربية “أورَبةً” إن صحّ التعبير.

يُؤكّد الجيبوليتيكي الأمريكي روبرت كابلان أنّ الرغبة في تحصيل مستوى فهمٍ عميقٍ لما يحدث في أيّ بلدٍ أمرٌ مرتبطٌ بمدى قدرتنا على دراسةِ جغرافيا هذا البلد بتفاصيلها ودراسة تاريخها المتأصّل أساساً في جغرافيتها تلك.

لقد أُسّست تونس كما هو معروفٌ من طرف القرطاجيين القدماء والرومان، فالمتجوّل بالقسم الشرقي الشمالي من تونس سوف يلحظ آثاراً لطرقٍ رومانيةٍ وبيزنطيةٍ قديمة، بمعنى آخر، فقد كانت تونس دولةً حقيقيةً، تكوّن لديها تاريخياً منطقُ وعقلية الدولة بمفهومها الحديث، لقد كانت تحوز مؤسّساتٍ حقيقيةٍ تُؤدّي وظائفها البيروقراطية والسياسية،

أي كان لها خاصيةٌ حاسمةٌ من خصائص الحوكمة، على غرار المكاتب البيروقراطية، الخدمات الزراعية، المجاري المياه وما شابه، في وقتٍ لم تكن فيه كثير من دول العالم تحظى بذلك، وقد احتفظت بذلك في المراحل التاريخية اللاحقة ما بعد القرطاجيين، في مرحلة البيزنطيين، الوندال، العثمانيين، الحفصيين وغيرهم.

في سنة 202 قبل الميلاد، دمرّ القائد الروماني سكيبيو أفريكانوس (Scipio Africanus) قرطاجة، وقام بترسيم خطٍّ (لما يُشبه الحدود السياسية للدولة) بين منطقة طبرقة شمال غرب تونس على المتوسط إلى الجنوب نحو منطقة قابس، ثمّ يعود الخطّ شرقاً ويتجّه شمالاً إلى المتوسط ثمّ يصل طبرقة من جديد.

كانت هذه المنطقة منطقةً مركزيةً للتطوّر الذّي عرفته تونس عبر التاريخ إلى اليوم، كانت منطقة تطورٍ للإقتصاد والمؤسسات، المنطقة التّي ترتكز فيها كثافةٌ سكانيةٌ أعلى،

أمّا المنطقة الواقعة خارج هذا الخطّ فهي أقل تطوّراً وفقراً (ولا تزال)، فالجنوب الشرقي والجنوب الغربي للبلاد لا يزال فقيراً وقريباً حقّا من أفريقيا الفقيرة لا من أوروبا كالشمال.

لذلك، لم يكن الأمر صدفةً إذا علمنا أنّ محمد البوعزيزي (شرارة الربيع والثورة) كان يقطن في منطقةٍ تقع خارج خطّ منطقة التطوّر المركزية قليلاً المسمّاة بمنطقة سيدي بوزيد وسط تونس إلى الجنوب قليلاً، فهي منطقةٌ محرومةٌ، على القرب من منطقة التطوّر الحضاري التاريخي المتطلّع إلى أوروبا.

قرب تونس الجغرافي من قلب أوروبا وارتباطها التاريخي بها جعلها عبر الزمن عُرضةً لرياح الحداثة والتنوير القادمة من هناك، لقد بدا ذلك واضحاً في حقبتها الحديثة منذ السنوات الأولى للاستقلال.

فبالرغم من النظرة السوداوية التّي يحملها كثيرٌ من التونسيين اليوم عن حقبة بورقيبة ثمّ بن علي باعتبارها حقبة الدكتاتورية، الظلم، والاضطهاد السياسي، فقد كان لها تأثيرٌ إيجابيٍ على البلد من جهةٍ أخرى في بلوغه المسار الذّي وجّه إلى الثورة ومنع البلاد من الانزلاق الى العنف المسلّح في آن،

فرغم سلبيات هذه الحقبة إلاّ أنّها كانت الحقبة التّي حافظت فيها تونس نوعاً ما على نقاط التماس التاريخية الحضارية بين قرطاج القديمةتونس وروماأوروبا (بالأخصّ حقبة بورقيبة) أي الفترة التّي أحيَت فيها تونس من جديد عقلية الدولة كما كانت في القدم.

لقد سمحت تلك الحقبة لأفكارٍ إيجابيةٍ كثيرةٍ بالتدفق والاستمرار في التدفق إلى الوعي الجمعي التونسي عبر التعليم والإعلام وما شابه من المؤسّسات على غرار الأفكار الداعية إلى الحريّة، الحقّ الإنساني، علمنة الدولة، التعدّدية السياسية، نبذ الطائفية، المجتمع المدني، الدولة المدنية، دولة المؤسسات وغيرها،

رغم الجدل الذّي أحدثته في المجتمع بين المُثل التّي تعكسها هذه المبادئ وانتقائية تجسيدها على أرض الواقع من قِبل النظام السياسي أو بين رؤية كلٍّ من التيارات المحافظة والحداثية لها هناك، إنّها جميعاً أفكارٌ يُعاد اليوم إنتاجها بطريقةٍ أكثر مراعاةٍ ربّما لخصوصية المجتمع التونسي الحديث.

باختصار، لقد كانت الثورة في تونس محاولةً للعودة إلى التاريخ المتأصّل في جغرافيتها وتحدّي هذا الواقع المزرى المزيّف والمخالف لمسار تاريخها الطبيعي، لقد دفعت الجغرافيا البلد دفعاً نحو مصيره الحتمي المتأصّل في تاريخه العريق.

يتشابه الوضع في تونس مع بلد آخر بالمنطقة وهو مصر التّي كانت ثاني بلدٍ ينتقل إليه “عدوى الثورة التونسية” ولم يكن ذلك أيضاً مصادفةً في نظر كابلان، فمصر عرفت بدورها حضارةً ضاربةً في عمق التاريخ، حضارة النيل، فتكوّن لديها على غرار تونس ذهنية الدولة ومنطق رجل الدولة أيضاً،

صحيحٌ أنّ كلا البلدين يعرف مشكلاتٍ سياسية داخلية، فتونس تتأرجح بين حكومة ضعيفة وأخرى، في حين تقبع مصر تحت نظامٍ أوتوقراطي عسكري، رغم ذلك فإنّ هناك مؤسساتٌ قائمةٌ تمارس عملها في نهاية المطاف، المؤسسة العسكرية ذاتها هي مؤسّسةٌ تمارس مهمّة الحوكمة وتدير البلاد بشكلٍ مستقرٍ من الناحية الأمنية والسياسية على الأقل.

هذه إحدى الأسباب التّي جعلت الثورة في تونس ثمّ في مصر لا تذهب الى العنف المسلح وتغرق في حروبٍ عسكريةٍ داخليةٍ كما حدث في ليبيا مثلاً.

ب ـ ليبيا، سوريا، اليمن والعراق، تشكيلاتٌ جغرافيةٌ مُصطنعة

الوضعية التّي عرفتها تونس ومصر لا تتشابه مع تلك التّي عرفتها أو تعرفها دول على غرار ليبيا، سوريا، اليمن والعراق، فهذه المناطق لم تكن لمدةٍ طويلةٍ دولاً بل كانت تعبيراتٍ جغرافيةٍ مائعةٍ عن الدولة أو امتداداً طبيعياً لدولٍ أخرى حقيقية كما يُحاجج كابلان.

مثلاً فإنّ طرابلس التّي تقع غرب ليبيا وتتمركز فيها حكومة الوفاق ما هي إلاّ امتدادٌ تاريخيٌ لقرطاجة القديمة، أمّا بنغازي شرق ليبيا التّي يهيمن عليها حفتر فما هي إلاّ امتدادٌ للإسكندرية وحضارة مصر القديمة.

لم تكن هناك أبداً دولةٌ اسمها ليبيا إلاّ في العصر الحديث، لذلك، نرى بأنّ النقاش بين الليبيين يتعدّى اليوم مجرّد مسألة من يدير ليبيا إلى طرح أسئلةٍ مُقلقةٍ عن مدى استمرار وجود دولةٍ اسمها ليبيا من الأساس في المستقبل المنظور.

يصف كابلان مناطق مثل سوريا، ليبيا، العراق بالمناطق الاصطناعية من الناحية الجغرافية، فأنظمة سياسية على غرار النظام في مصر وتونس قد تكون أنظمةً أوتوقراطيةً بالفعل لكنّها أقلّ بكثير عن النظم في ليبيا، سوريا أو العراق التّي تحكم دولاً من صنع الغرب وبريطانيا في الأساس.

يتبع في الجزء التالي

***

جلال خشيب ـ كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بجامعة مرمرة، إسطنبول/تركيا.

__________