Minbar Libya

  بقلم جلال خشيب

هذه الورقة تعتمد على الدور المحوري لعامل الجغرافيا كمتغيّر تفسيري مستقل في تحليل الجذور العميقة لهذه الثورات أو الانتفاضات الشعبية .

الجزء الثالث

إذا كان للجغرافيا دوراً فاعلاً في تفسير ما حدث في تونس ومصر باعتبارهما حضاراتٍ قديمة استمرت في الحفاظ على عقلية الدولة كما قلنا، فماذا عن دولٍ كاليمن أو العراق مثلاً والتّي عرفت بدورها حضاراتٍ ضاربةٍ في القدم؟

بخصوص اليمن، فقد كانت بالفعل حضارةً قديمةً أيضاً، لكنّها ظلّت مُقسّمةً جغرافياً بشكلٍ حادٍ إلى نصفين بسبب سلسلة الجبال الضخمة هناك، فلا الأتراك العثمانيون ولا البريطانيون استطاعوا حكمها من الداخل، واكتفوا بإدارتها من الساحل والأطراف لا من العمق، لذا لم يصل أثرهم الفكري، السياسي والإداري إلى عمق المجتمع وتفكيره.

إنّ التكوين الطوبوغرافي الجغرافي لليمن المليء بالجبال يجعل كلّ سفحٍ ومنطقةٍ جبلية تحت حكم قبيلةٍ ما بدلاً من حكم الدولة المركزي، حتّى عبد الله صالح في أحسن أيّامه كان يدير على الأكثر 60% من بلاده فقط بسبب ذلك.

بخصوص العراق فقد أبعدته جغرافيته الشرقية عن الأفكار الديمقراطية القادمة من أوروبا، كما هيمنت عليه منذ القدم عقلية الرجل الحاكم المخلّص فضلاً أن تشظيه المذهبي بسبب تموقعه الجغرافي الحرج قد جعل من إمكانية تشكّل عقلية الدولة والمؤسّسات به أمراً صعباً للغاية.

مُحصّلة القول إنّ الجغرافيا كانت بمثابة العامل الأساسي المتحكّم في تشكّل عقلية الدولة ثمّ محاولة استرجاعها عبر الثورة في أماكن بعينها وأيضاً في إعاقة حدوث ذلك في أماكن أخرى بالتوازي.

ج ـ الجزائر، انتصار الحتمية الجغرافية

استمرارا في المحاججة بالأهميّة القصوى لدور عامل الجغرافيا في تفسير أسباب حدوث “الثورة” أو إعاقتها، تُعتبر الجزائر مثالاً جيّداً لتأكيد ذلك.

تشهد الجزائر اليوم وضعاً جديداً في تاريخها المعاصر، هذا البلد وبالرغم من التشابه القائم بينه وبين تونس فيما يخصّ قربه الجغرافي من أوروبا ومعرفته لحضارةٍ قديمةٍ كانت موازيةً لحضارة القرطاجيين والرومان أي حضارة النوميديين العريقة، إلاّ أنّه ظلّ بلداً محكوماً بالاستبداد وتخلّفت عنه موجات الديمقراطية كثيراً مقارنةً بجيرانه على الأقل،

لعلّ الأسباب الكامنة وراء ذلك كثيرة لكنّ أهمّها في نظرنا هو عامل الجغرافيا دوماً، فالجزائر من حيث تركيبتها الجغرافية متكوّنةٌ من شمالٍ محدودِ المساحة كثيف السكان، وجنوبٍ ذي صحراءٍ شاسعةٍ جدّاً غير صالحةٍ للعيش الآن تُمثّل أكثر من 80% من المساحة الإجمالية للبلد وهي المصدر الرئيسي للدخل القومي هناك (97%) منذ الاستقلال لما تتميّز به من موارد باطنية ثريّة تكتنزها هذه الجغرافيا.

إنّ التموضع الجغرافي المتميّز الذّي يحظى به شمال البلاد (ساحل بحري طويل، مناخ متوسطي منعش، غابات وجبال..) جعله عبر التاريخ محطّاً لأطماع الغزاة القادمين من أوروبا الذّين استوطنوا المنطقة، همشّوا واستعبدوا سكانها الأصليين الذّين ظلّوا منذ فجر التاريخ يخوضون حروب مقاومةٍ ضدّ كل الأجانب الذّين أرادوا حكم هذه الجغرافيا بالقوة منذ انتهاء عصر دولة النوميديين إلى أن أخرجوا آخر الغزاة الفرنسيين سنة 1962.

لقد قضى الاستيطان الفرنسي بالأخصّعلى عقلية الدولة والمؤسّسات في الوعي الجمعي لهذه الجغرافيا، نظراً لاعتباره الجزائر قطعةً فرنسيةً محضةً متوضعةً جنوب المتوسط، بل مُجرّد مصدر خامٍ للجند والحديد يُشحن لفرنسا وقت الحاجة.

بعد الاستقلال رأى صنّاع القرار الجزائريون أنّ دولةً فتّيةً هدّمها الاستيطان الفرنسي تحتاج إلى حكم رجلٍ قويّ حتّى تنهض، فحُكمت الجزائر في مراحلها الأول بعقلية الرجل الواحد لا عقلية الدولة والمؤسّسات أي مرحلة الرئيس هواري بومدين، ثمّ دخلت بعد انتهاء مرحلته حقبة حكم الأولغارشية العسكرية التّي اعتمدت ديمقراطية الواجهة لتسيير البلاد سياسياً والأهم استغلت ثراء الجغرافيا الجزائرية لتعزّز حكمها بعد ذلك،

لذا فقد كانت الموارد الطبيعية الثريّة التّي تميّز بها هذه الجغرافيا عاملاً معيقاً نحو انفتاح البلاد على الديمقراطية الحقيقية (نظرية لعنة الموارد لمايكل روس)، فسياسة “شراء السلم الاجتماعي” والتغطية على الكوارث التنموية للبلاد بريع النفط كانت بمثابة الأسلوب السائد لدى العسكر وواجهتهم السياسية لأجل إحكام السيطرة على البلاد وإفشال تطلّعات الشعب نحو التحرّر منذ تلك الفترة.

لهذين السببين، أو ما نُسميّه بثنائية المستعمر والمستبد، نعتبر الجغرافيا في الحالة الجزائرية عاملاً تسبّب بطريقة ما في تأخّر موجة التغيير فيها على غرار ما حدث في تونس مثلاً سنة 2011.

مع ذلك، فإنّ ما يحدث اليوم في الجزائر نراه محاولةً للتحرّر من الاستغلال السلبي للإنسان (المستعمَر ثمّ المستبَد) لعامل الجغرافيا على حساب تطلّعات الحرية وبناء الدولة.

ليس من المرجّح أن تذهب هذه الدولة إلى التفكّك والحروب على غرار ما حدث في ليبيا أو سوريا وذلك بفضل عامل الجغرافيا أيضاً، فعلى هذه الجغرافيا بُنيت أكثر الحضارات قِدماً وأكثر الدول قوّة أي حضارة ودولة النوميديين الضاربة في عمق التاريخ والتّي كانت على تفاعل دائمٍ في التاريخ بدولة قرطاجة وروما.

فعقلية الدولة سوف تبقى كامنة في العقل الجمعي لهذ الجغرافيا، كما ظلّت متواجدة في تونس القرطاجية أو مصر القديمة، لذا لابّد وأن يُقيم حراك الجزائر القائم جسراً حضارياً مع تاريخ هذه الجغرافيا العريق لأجل استرجاع الدولة المأمولة، فهذا الحراك لا نراه سوى استجابة لحتميات الجغرافيا وقدرها الحضاري ولو تسبّب الإنسان (المستعمر ثمّ المستبد) في تأخير هذا القدر إلى حين.

بديلاً عن الخاتمة:

قد يُوجّه إلى المُحاججة الواردة هنا “تُهمة الاختزالية” في الطرح نظراً لاعتبار الجغرافيا عاملاً مستقلاً أساسياً في التحليل بشكلٍ يجعل من العوامل الأخرى أقلّ مركزيةً وهامشية، كما قد “تُتهّم” بميلها إلى الطروحات المعرفية الغربية أو ما يُسمّى عادةً “بفخّ المركزية الأوروبية”.

وذلك حينما جعلت من مسألة الاقتراب الجغرافي لقلب أوروبا النابض بالأفكار التحرّرية مسألةً مهمّة في اتجاه بعض الدول العربية إلى الثورة ومحافظتها على السلمية وعدم انجرارها للعنف المسلّح، فقد ساهم هذا القرب في تشكيل عقلية الدولة والمؤسّسات كما حاججت الورقة.

بالنسبة للمسألة الأولى، فإنّ انطلاق أيّ باحثٍ في تحليله لمسألة ما من الاعتماد على عاملٍ مركزيٍ واحد يُعدّ في نظرنا أكثر الأساليب المُساهِمة في تطوير حقل العلم الذّي يبحث فيه.

إنّ ذلك من شأنه أن يخلق ما يُشبه الفلسفات النسقية التقليدية التّي تتخّذ من متغيّرٍ واحدٍ محوراً يدور حوله الوجود والمعرفة والقيم، على غرار الفلسفة المادية الماركسية التّي تجعل من المادة عاملاً مستقلاً مُفسّراً لحركة التاريخ مثلاً.

إنّ التركيز على عاملٍ واحدٍ في التحليل هو الطريقة التّي خُلقت بها النظريات وتطوّرت بها حقول المعرفة الإنسانية، أمّا حشد العوامل العديدة في تفسير ظاهرةٍ ما فلن يؤدّي في غالب الأحيان سوى إلى اجترار المعرفة أو في أحسن الأحوال إلى مجرّد تقديم صورةٍ شاملةٍ عن الموضوع المبحوث، لهذا السبب، كانت الجغرافيا هنا محوراً تدور حوله مهمّة التفسير.

أمّا بالنسبة للمسألة الثانية والمرتبطة “بفخّ الوقوع في المركزية المعرفية الأوروبية”، فهي تُهمةٌ متهافتة تقع بدورها في فخّ الذاتية والأحكام القيميَة المُعظِّمة للأنا المُتضخّم والمتنكّرة بالتالي لكلّ ما يصدر عن غيره.

فالمعرفة في نظرنا قبل كلّ شيء معرفةٌ إنسانية يبنيها الإنسان بغضّ النظر عن جنسه أو لونه أو ديانته عبر التثاقف والتفاعل الحضاري عبر الأزمان في السلم والحرب.

نُدرك حقيقةً أنّ كلّ معرفةٍ تُخفي خلفها سلطة كما يقول ميشال فوكو أو تُخفي وراءها مصلحةً ما كما يُحاجج يورغن هابرماس، إلاّ أنّ القراءة النقدية المنصفة لن تصل في النهاية إلاّ إلى الإقرار بدور الغرب في إنضاج الفلسفة السياسية الحديثة كما نتعاطاها اليوم وما أنتجته من نظرياتٍ ونماذجٍ معرفيةٍ في السياسة والدولة والحكم وعلى رأسها مسألة الدولة المدنية التّي يحكمها منطق المؤسّسات البيروقراطية لا منطق الأشخاص المخلّصين.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الاستعانة في هذه الورقة بالطرح الذّي يُقدّمه روبرت كابلان خصوصاً في بعض كتباته مسألةٌ خضعت لقراءةٍ نقدية منّا، فطرح كابلان يُظهر على سبيل المثال جهله أو إنكاره لوجود حضارةٍ عريقةٍ كانت موازيةً لحضارة القرطاجيين والرومان قديماً أي حضارة النوميديين شرق وغرب الجزائر (2500 سنة قبل الميلاد).

فهو يجعل من تونس والمغرب في خانة واحدةٍ لتلك الدول التّي عرفت على جغرافيتها حضارات قديمة كما كانت قريبة من أوروبا فتشكّل لها منطق الدولة، في حين نجده يعتبر الجزائر مُجرّد تشكيلٍ جغرافي مصطنعٍ ناتجٍ عن الاستعمار الفرنسي (الحديث في التاريخ)، رغم أنّ الجزائر تتشابه إلى حدٍّ كبير في تاريخها العريق مع تونس خصوصاً، فكلاهما أسّس حضارة عريقة وكلاهما خضع تقريباً لنفس الاستعمار الأجنبي مع تفاوتات بسيطة.

بالإضافة إلى إبداء كابلان كثيراً من الأحكام القيمية في قراءته للمجتمعات العربية مع ميلٍ واضح للمصلحة الأمريكية في دعم المستبد إذا كانت الديمقراطية والثورة تجلب إلى الحكم قادةً لا تُحبّذهم الولايات المتحدة والغرب.

في النهاية سنبقى نُحاجج بكون الجغرافيا كمعطى ماديستظلّ أكثر القوانين الإنسانية ثباتاً حينما نريد أن نفهم طبيعة شعبٍ أو سلوك دولةٍ أو علاقات أمم، بشكلٍ يُذّكرنا بمقولة روبرت غيلبين الشهيرة عن ثبات قوانين السياسية الدولية حينما قال: “لو كان ثيوسيدايدس اليوناني الذّي عاش في القرن الخامس قبل الميلادبيننا اليوم لما وجد صعوبة في فهم الطريقة التّي تسير بها السياسة الدولية في هذا العصر”

***

جلال خشيب ـ كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بجامعة مرمرة، إسطنبول/تركيا.

__________