Minbar Libya

بقلم عزمي بشارة

تسعى الدراسة إلى تحديد مفهوم العامل الخارجي، منهجيًا؛ لتتمكن من التعرف إلى فاعليته وتأثيره في عملية الانتقال.

الجزء الأول

يعني العامل الخارجي، بحسب الدراسة، دور العوامل السياسية الخارجية الآني والمباشر في تأثيرها في الانتقال الديمقراطي. وقد لاحظت الدراسة أن دور هذه العوامل في مراحل الانتقال، يختلف عنها في مراحل ترسيخ الديمقراطية، فإذا كان التأثير الخارجي في الثورات ضئيلًا، ولا سيما إذا كانت ثورات شعبية عفوية، فإنه قد يكون مؤثّرًا في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وإن لم يكن تأثيره حاسمًا إلا بفعل عوامل داخلية محلية، تيسّره وتمكّنه.

وتبين الدراسة العلاقة بين العامل الخارجي والموقع الجيوستراتيجي للدولة في الحالة العربية؛ إذ يزداد العامل الخارجي أهمية بازدياد أهمية موقع الدولة.

وتتابع الدراسة تطور مبدأ دعم الديمقراطيةفي السياسة الأميركية الذي ظل مرتبطًا بالمصالح الأميركية، وانتهى لصالح مبدأ استقرار الأنظمة.

كما ترصد تيارًا إقليميًا ودوليًا، لم يحظَ بالاهتمام الكافي، يدور حول تعزيز الأوتوقراطية“.

مقدمة

من نافلة القول إن نتائج فعل العامل الخارجي، بمعنى تأثير دول أخرى وسياساتها وعلاقات الدولة المعنية بها في التحول الديمقراطي فيها، لا تتضح بمعزلٍ عن العوامل الداخلية، بل من خلال تفاعل ما نطلق عليه اسم العامل الخارجي معها.

فهي التي تحدد مدى تأثيره، وإن لم تتحكم في اتجاهه.

ونحن هنا نقوم بذلك بعزل هذا العامل بشكل مصطنع لفائدة البحث في الانتقال الديمقراطي، ويفترض أن يفحص الباحث في هذا المجال مدى تحوّله إلى عامل حاسم في عملية الانتقال، أو معوِّق لهذه العملية، أو مساند لها.

ثمة فرق كبير بين دور العواملي الخارجية في عملية الانتقال نفسها ودورها في ترسيخ الديمقراطية بعد الإنتقال. ففي حالات متطرفة قد تكون تطورات إقليمية هي القادح لنشوب ثورة على نظام مستبد، كما قد تكون المعوّق للانتقال بالتدخل المباشر.

وهذا يختلف عن دور العوامل الدولية في ترسيخ الديمقراطية وديمومة التجربة، في بلد يتعرض للحصار لإجهاض التجربة، أو ربما يتلقى الدعم لإدامتها.

فمثلا يمكن ألا تمانع دولة مؤثرة أو مؤسسات دولية، مثل البنك الدولي، في انهيار نظام استبدادي، ولكنها قد لا تقدم المعونات المالية اللازمة أو حتى الدعم الاقتصادي، أو حتى الدعم التقني والسياسي اللازم في أمور حاسمة لمصير التحول الديمقراطي، كإصلاح القطاع الأمني وضبط توازن العلاقات المدنية ـ العسكرية (مصر، تونس ، أو حتى نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (ليبيا، واليمن).

وذلك في مرحلة انتقال من الطبيعي أن يتأثر فيها الاستقرار ويتراجع أداء مؤسسات الدولة، ولا سيما في مجال الخدمات، كما تهبط فيها معدلات النمو على نحو يؤدي إلى تناقص معدلات التأييد للديمقراطية، وحتى إلى صعود نزعات تعبّر عن حنين إلى الدكتاتورية يسهل استخدامها من طرف قوي محلية وإقليمية معادية للديمقراطية، كما جرى في مصر في الفترة الانتقالية الواقعة بين عامي 2011 و2013.

ويمكن ألا تتحمس دول ومؤسسات مؤثرة لانهيار نظام سلطوي وعملية التحول في حد ذاتها، ولكنها قد تدعم الحكومة الديمقراطية ماليا بالمساعدات والقروض والاستثمارات خشية الفوضى وعدم الاستقرار، كما يحصل حاليا في العلاقة بين الإتحاد الأوروبي وتونس.

وثمة عوامل خارجية أثّرت بنيويًا في الاقتصاد والمجتمع، ولم يعد من المفيد التعامل معها بوصفها مؤثرات خارجية عند حصول عملية الانتقال ذاتها.

خذ مثلًا التبعية الاقتصادية الناجمة عن علاقات المركز الصناعي العالمي المتطور بدول الجنوب، وإعاقتها نشوء برجوازية وطنية محلية منتجة.

هذا عامل مهمّ للغاية، وقد يكون حاسمًا في إعاقة نشوء مجتمع مدني يقوم على علاقات التبادل الحر، وفي مركزة القوة الاقتصادية والسياسية بِيَد فئات اجتماعية محددة، سواء أكانت بيروقراطية أم عسكرية، تدور في فلكها رأسمالية محاسيبغير منتجة.

وعلى الرغم من منشئه التاريخي في التفاعل بين داخلوخارج، هل يمكن التعامل مع هذا المركب الاقتصادي الاجتماعي بوصفه عاملًا خارجيًا أثناء عملية الانتقال؟

كلّا بالطبع؛ إذ أضحى واقعًا داخليًا، بامتياز، كما في حالات آثار مرحلة الاستعمار في بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع، وإن كان يعاد إنتاجه بين الاقتصاديات المتطورة وهوامش الاقتصاد العالمي عبر علاقات تجارية غير متكافئة، وديون وصفقات تسليح وغيرها.

وهذه العوامل البنيوية التي خلفتها التبعية الاقتصادية لا تؤثر فقط في نمط الدكتاتورية، بل تعود وتفرض ذاتها عند دراسة ديمومة الديمقراطية وفرص نجاحها بعد الانتقال.

ورغم أهمية انتشار الأفكار الديمقراطية عبر وسائل الاتصال والتعليم والتأثير والتأثر الثقافيين، ونشوء ردود الفعل السلبية والإيجابية، فهي ليست من ضمن العوامل الخارجية المقصودة في هذا النوع من الدراسات الذي يميل غالبًا إلى التركيز على العوامل السياسية الخارجية الفاعلة آنيًا، أي أثناء فترة الانتقال.

أما التفاعل الثقافي وانتشار فكرة الديمقراطية ومدى جاذبيتها وكيفية استيعابها بعيدًا عن تعقيدات واقعها الحقيقي، فهي عوامل مهمة جدًا في رأيي ولا تحظى باهتمام كافٍ، ولم تعد قابلة للفصل عن الثقافة الشعبية وثقافة النخب على حد سواء؛ إذ لم يعد الفصل بين الأصيلوالدخيلممكنًا في الثقافة، كما في الاقتصاد.

وينطبق ذلك خاصة على التفاعل الثقافي العربي العربي الذي يصعب حصر قنواته وأطره، من وسائل إعلام ومنظمات وأحزاب ومؤسسات عربية فاعلة على نطاق إقليمي ووسائل تواصل وأدب وفن.

فهذه كلها غدت معطيات ومكونات في الخلفية السياسية والثقافية والاجتماعية القائمة في الدولة التي تجري فيها عملية التحول وتؤثر فيها. ويجب أن تُؤخذ جميعًا في الاعتبار عند دراسة شروط الانتقال الديمقراطي في الدولة المعنية.

إن دراسة الانتقال الديمقراطي هي معالجة لصيرورة من شقين:

الأول، نهاية الحكم السلطوي سواء بانهياره بعد إصلاح من أعلى يشق النظام أو بعد انقلاب عسكري، أو بثورة شعبية تجبر رموز النظام على مغادرة الحكم، أم بكلتا العمليتين.

والثاني، نشوء نظام سياسي تعددي بتوافق بين النخب السياسية المشاركة فيه بغض النظر عن نضج النظام الديمقراطي الذي ينشأ في البداية، ومدى الاتفاق على مبادئه.

في هذا السياق، يهمنا دور العوامل السياسية الخارجية، الآني والمباشر، في تأثيره في هذين التطورين الكبيرين المترابطين.

ويصعب تحديد الموقف من الشق الثاني فيه، إذا لم تكن الديمقراطية مطروحة أصلا (بغض النظر عن مدى اكتمال نموذجها المطروح) بوصفها بديلا من النظام السلطوي، ولم يباشر بتنفيذ أي مرحلة من مراحلها.

خذ مثلا حالة الثورة السورية، وهي من الثورات الأكثر عدالة، لناحية الأسباب الداعية إليها، والأكثر مأساوية في مآلاتها. لم تشهد هذه الثورة على نظام سلطوي فريد في عنفه وشراسته لحظة توافق على برنامج ديمقراطي من أي نوع لدى فصائل الثورة المسلحة، ومع أن مؤسسات المعارضة السياسية طرحت برامج ديمقراطية، فإن القوى المسلحة الرئيسة رفضتها، ورفضها النظام بطبيعة الحال.

وما لبث الصراع أن أتخذ شكل حرب أهلية بتدخل إيراني وروسي مباشر لصالح الدكتاتورية. وخلافا لحالتي اليمن وليبيا المعقدتين واللتين انتهتا إلى حروب أهلية أيضا، لم تصل الثورة السورية إلى أي مرحلة من مراحل ممارسة الديمقراطية.

ففي حين عرفت تجربتا انهيار النظام السلطوي في ليبيا واليمن محاولات كهذه (الانتخابات في ليبيا، والحوار الوطني وحكومة الوفاق في اليمن)، لم يسقط النظام في سورية، ولم تنجز الثورة بداية تحول ديمقراطي.

ولهذا يصعب اعتبار سياسات القوى الاقليمية والدولية في سورية مواقف من التحول الديمقراطي، ولم يختبر توافق أجندات دول مثل تركيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع المعارضة بشأن الديمقراطية، أما الولايات المتحدة الأميركية وإن كانت تفضّل رحيل بشار الأسد في المراحل الأولى من الثورة، فهي لم تكن متأكدة إذا كان البديل الأفضل لها إنقلابا عسكريا أم محاصصة طائفية، أم بديلا شعبيا غير واضح المعالم.

وما لبثت أن تخلت عن مطلب رحيل الأسد، وقد قامت إيران وروسيا بدور حاسم في إنقاذ النظام من سقوط محتوم. ولا شك في أن أثر إيران وروسيا لن تبقى خارجيا فقط، فلتدخلهما إسقاطات بعيدة المدى على المجتمع والدولة في سورية، لا تنضوي معالجتها في إطار دراسات الانتقال الديمقراطي.

فهو لم يبدأ أصلا، ونحن نميزه هنا من تجارب بدأت وفشلت ولابد من دراستها ضمن دراسات الانتقال.

كان تأثير الدول الأجنبية في الثورات ذاتها في مصر وتونس ضئيلا وخافتا، تجلي في البيانات والاتصالات الهاتفية مع الرؤساء. ولو صمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي لصمدت التحالفات الدولية معهما، لا شك في ذلك.

كما كان تأثير العامل الدولي محدودا في انشقاق النظامين في رد فعل كل منهما على الثورة، ثم إطاحة الرئيسين بفعل الثورة الشعبية والانشقاق الذي أحدثته، وثمة مؤشرات متعددة على تشجيع الولايات المتحدة قيادة الجيش المصري على عدم استخدام العنف ضد المتظاهرين خلال ثورة 25 يناير 2011.

لكن التأثير الخارجي أصبح فاعلا وملحوظا في مرحلة التحول الديمقراطي 2011-2013، وإن لم يكن تأثيره حاسما إلا بفعل عوامل محلية. فلو تخلينا توافقا داخليا بين النخب السياسية المصرية على مبادئ النظام الديمقراطي والتزاما حازما من طرفها بعملية الانتقال يرفعه الفاعلون فوق خلافاتهم الحزبية والأيديولوجية، ولو كان الجيش المصري مثل الجيش التونسي لناحية عدم تطلعه للحكم، لما كانت العوامل الخارجية على هذه الدرجة من التأثير.

إن ما جعل الدعم السعودي والإماراتي الإعلامي (والمالي وشبه العلني) لقوى الثورة المضادة والنظام القديم في مصر مؤثرا، إلى درجة الإسهام في قلب المعادلة، هو العوامل الداخلية المذكورة.

أما السياسات الأميركية فلم تكن حاسمة في أي مرحلة. ولكن امتناعها عن تقديم الدعم للحكومة المنتخبة في مصر، ورفضها اعتبار الانقلاب العسكري انقلابا، ما يعني عدم فرض عقوبات عليه، سهلا على قوى النظام القديم والثورة المضادة مهمة إفشال التحول الديمقراطي.

لقد كانت العوامل الداخلية هي العوامل الضرورية، ولكنها لم تكن كافية لقلب عملية الانتقال إلى انتقال إلى الدكتاتورية لولا عوامل التدخل الخارجي.

لم تفض السياسات الأوروبية، التي اشترطت الدعم المالي بتنفيذ إصلاحات إدارية وحقوقية، إلى تحفيز أي نظام سلطوي للقيام بإصلاحات جذرية فضلا عن أن تقود إلى انتقال فعلي، كما أن أوروبا كانت دائما مستعدة للتخلي عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية مقابل خدمات الأنظمة السلطوية في منع الهجرة ومكافحة الإرهاب، واستمرار صفقات بيع السلاح.

ولكن الدعم الأوروبي للاقتصاد التونسي بعد الثورة، على الرغم من تلكئه كان مهما، مثلما كان فك العزلة عن مصر بعد الانقلاب مهما في استقرار نظام حكم انقلابي سلطوي يفرغ القضاء العام في مصر، ويقمع المعارضة، ويسجن رئيس دولة منتخبا.

وقبل ذلك لم يحظ هذا الرئيس المنتخب والفاقد للتجربة في إدارة الدولة، يتعاون أميركي أو أوروبي جدي لدعم الاقتصاد المصري وعبور المرحلة الصعبة بعد الثورة، حين كان في سدة الحكم.

يتبع في الجزء التالي

***

عزمي بشارة ـ المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة.

____________
المصدر: دورية سياسات عربيةـ العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.