Minbar Libya

اعداد : دينا سليمان كمال لاشين

باختصار شديد تقوم فكرة الليبرالية على الحرية الفردية مثل حرية الفكر والتصرف واحترام كرامة الانسان كما انها تتركز على أن الدولة لا دور لها في العلاقات الاجتماعية فالدولة الليبرالية لا تتدخل في الشعب او في الانشطة التي يقوم بها لكن دورها يبرز اذا كانت تلك الانشطة تضر بالمصلحة الفردية.

الجزء الأول

 تعريف الليبرالية :

  • في حقيقة الامر توجد العديد من المصطلحات حول مفهوم الليبرالية لعل اهمها:

الليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من (Liberalism) في الإنجليزية، و (Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني ” التحررية “، ويعود اشتقاقها إلى (Liberaty) في الإنجليزية أو (Liberate) في الفرنسية، ومعناها الحرية  

وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية، ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية حريات المواطنين مثل حرية التفكير، والتعبير، والملكية الخاصة، والحرية الشخصية وغيرها

ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة، وتقليل دورها، وإبعاد الحكومة عن السوق، وتوسيع الحريات المدنية

ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته، تقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية: (إن النظام الليبرالي الجديد (الذي ارتسم في فكر عصر التنوير) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم عبر فعل نظامي وعقلاني)  .

وقول جميل صليبا: ” ومذهب الحرية (Liberalism) أيضا مذهب سياسي فلسفي يقرر أن وحدة الدين ليست ضرورية للتنظيم الاجتماعي الصالح، وأن القانون يجب أن يكفل حرية الرأي والاعتقاد ” 

 وكذلك تُعرف على أنها نظرية أو فلسفة سياسية تقوم على أفكار تدعو للحرية والمساواة، فالليبرالية الكلاسيكية تدعو إلى الحرية، بينما الليبرالية الاجتماعية تدعو إلى المساواة، ويتبنى الليبراليون أفكاراً تدعو إلى حرية التعبير، وحرية الدين، والحفاظ على الحقوق المدنية، بالإضافة إلى المساوة بين الجنسين.

نشأة المفهوم وتطوره وانتشاره:

ظهرت الليبرالية كحركة سياسية أثناء عصر التنوير، حيث حظيت بشعبية كبيرة بين الفلاسفة والاقتصاديين في العالم الغربي، وذلك بسبب رفض الليبرالية للمفاهيم الدارجة خلال ذلك الوقت من الملكية المطلقة والتميز الإلهي للملوك، وسيطرة دين الدولة على الشعب.

ينسب الفضل في تأسيس الليبرالية إلى الفيلسوف جون لوك في القرن السابع عشر، حيث جادل لوك بحق الإنسان الطبيعي في الحياة والحرية والملكية، وضرورة توقف الحكومات عن انتهاك هذه الحقوق المطلقة مستغلين العقد الاجتماعي، كما سعى إلى استبدال الحكم الديكتاتوري بحكومة ديمقراطية تمثل كافة شرائح المجتمع.

متي انتشرت الليبرالية

انتشار الليبرالية انتشرت الليبرالية بسرعة كبيرة بعد الإطاحة بالحكم الفرنسي، حيث شهد القرن التاسع عشر تأسيس الكثير من الحكومات الليبرالية في دول قارة أوروبا، وأمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية، كما استطاعت الليبرالية القضاء على معارضيها الكثر؛ مثل: الفاشية، والشيوعية، وزاد انتشار أفكار الليبرالية في القرن العشرين، وأصبحت جزءاً مهماً في إنشاء الدول ذات الرفاهية

والمنهج الفكري الليبرالي له بُعْدان: البُعْد المعرفي، والبُعْد الإنساني.

البعد الأول: البُعْد المعرفي.

هذا البُعْد له أصول ثلاثة نتحدث عنها ونوضّحها.

الأصل الأول: عدم احتكار الحقيقة.

لا يحق لأحدٍ – ولا لجهةٍ – أن يدّعي أن الحقيقة عنده دون بقية البشر، وأنه وصل إلى الحقيقة دون أن يصل إليها غيره من البشر، الحقيقة متساوية النسبة إلى جميع البشر، لم يصل أحد إلى الحقيقة أكثر مما وصل إليه غيره، فالحقيقة أمر نسبي وليست أمرًا مطلقًا، فكل بشر يصل إلى نسبةٍ وإلى قسطٍ وإلى مقدارٍ من الحقيقة، لا يمكن لبشرٍ أن يصل إلى الحقيقة بتمامها، فالحقيقة متساوية النسبة لجميع أبناء البشر، فليس هناك حقيقة مطلقة، وإنما الحقيقة نسبية، إذن لا حق لأحد أن يحتكر الحقيقة.

مثلًا: المسلمون يقولون: نحن عندنا الحقيقة وليست عند المسيحيين، أو الشيعة يقولون: نحن عندنا الحقيقة وليست عند غيرنا من أبناء المذاهب الأخرى! لا يمتلك أحد الحقيقة المطلقة، أو يدّعي أنه وصل إلى الحقيقة المطلقة دون غيره أبدًا، وذلك لعاملين:

العامل الأول: تعدد مصادر المعرفة.

قبل سبع مئة سنة كان مصدر المعرفة واحدًا، وهو الدين والقرآن، ثم تعددت مصادر المعرفة، حيث نشأت العلوم الطبيعية، ونشأت العلوم الإنسانية، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، ونشأت العلوم الأخرى، ونتيجة تعدد مصادر المعرفة ليس هناك شخص يمتلك الحقيقة وحده، المتدين يمتلك مصدرًا، وعالم النفس يمتلك مصدرًا آخر، وعالم الاجتماع يمتلك مصدرًا ثالثًا، فتعدد المصادر يعني أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد.

العامل الثاني: تولّد النظريات وتكاملها.

لا توجد عندنا نظرية حاسمة، بل كلما تطورت الحضارة، واتسعت الآفاق أمام العقل البشري، كلما تولدت نظريات جديدة، واتضح لنا نقص النظريات السابقة. إذن، ما دامت النظريات في مرحلة تكامل وتصاعد، فليست هناك حقيقة مطلقة يمتلكها الإنسان، فالأصل الأول للفكر الليبرالي: ليس هناك حقيقة مطلقة.

الأصل الثاني: ليس هناك مقدّس على الإطلاق.

لا يوجد عندنا شيء اسمه مقدس، لا يمكن لك أن تقول: القرآن مقدس، أو الإمام الفلاني مقدس، أو العالم الفلاني مقدس، أو الكتاب الفلاني مقدس، ليس هناك مقدس على الإطلاق، لم؟

الفيلسوف الألماني «كانت» – وكذلك الفيلسوف البريطاني «اسبنسر» – من رواد الفكر الليبرالي، «كانت» يقول: لتكن جريئًا في نقد المقدسات، لا تعتبر شيئًا أمامك مقدسًا، انقد، لأنك متى ما اعتبرت شيئًا مقدسًا، وقلت بأن العالم الفلاني مقدس، أو قلت بأن القرآن مقدسًا، فإنك متى ما اعتبرت شيئًا مقدسًا خرجت من أهل التحليل إلى أهل التجليل، سوف تركع أمام العالم الفلاني لأنك تعتبره مقدسًا، ولن يكون لك نقد أو تحليل لشخصيته، إذا اعتبرت شيئًا مقدسًا أصبحت من أهل التجليل ولست من أهل التحليل، وإذا خرجت من أهل التحليل فقد قيّدت فكرك. أنت خُلِقْتَ حر التفكير، أنت وُلِدتَ حرًا، أنت حر التفكير، تحلّل من تشاء، تنقد من تشاء، تبحث عما تشاء، خلقت وأنت حر التفكير، فإذا اعتبرت شيئًا مقدسًا طوّقت حريتك، وقيّدت حريتك التي خُلِقْتَ وأنت تملكها. إذن، من أجل أن تنسجم مع طبيعتك البشرية، ومن أجل أن تتلاءم مع فطرتك، ابقَ حرًا، انقد من تشاء، وحلّل ما تشاء، فليس هناك مقدس على الإطلاق.

الأصل الثالث: ليس هناك معصومٌ من البشر.

لا يوجد بشر معصوم، لا نبي، ولا إمام، ولا عالم، ليس هناك معصوم عن الخطأ؛ لأن العناصر البشرية متساوية، كالعقل والشهوة والغريزة، هذه العناصر موجودة في كل إنسان، العناصر البشرية متساوية، وزّعت على جميع البشر، وإذا كانت العناصر البشرية متساوية فمن أين جاء عنصر العصمة؟! إما جاء من البشر أو من خارج البشر، فإذا جاء من البشر أنفسهم، بمعنى أن البشر هم الذين جعلوا لأنفسهم عنصر العصمة، فهذا شيء غير معقول، ما دامت العناصر البشرية متساوية فلا يعقل أن تنتج عنصرًا متميزًا لشخص على شخص آخر.

وأما إذا كانت العصمة من خارج البشر، بمعنى أن الله «تبارك وتعالى» أعطى العصمة لبشر دون بشر آخر، فهذا عبث وترجيحٌ بلا مرجح، ما هو المائز لهذا الإنسان على هذا الإنسان؟! إذن بالنتيجة: ليس هناك معصوم على الإطلاق، فكل بشر يمكن أن نجعله على الطاولة، ونقوم بتحليل شخصيته، ونقد تصرفاته، فما هو صالحٌ منها قبلناه، وما هو خطأ رفضناه، ليس هناك معصوم على الإطلاق..

________________