Minbar Libya

بقلم عزمي بشارة

تسعى الدراسة إلى تحديد مفهوم العامل الخارجي، منهجيًا؛ لتتمكن من التعرف إلى فاعليته وتأثيره في عملية الانتقال.

الجزء الثاني

إعادة الاعتبار للعامل الخارجي

كان القائمون بدراسات الانتقال الديمقراطي ـ مدركين بلا شك ـ أهمية العوامل الدولية، ولا سيما الإقليمية، لكنهم لم يولوها أهمية كبيرة، ولم تفرد لها معالجات خاصة.

إن أحد أهم استنتاجات المجلد الرابع من كتاب الإنتقال من الحكم السلطوي هو أن العوامل المحلية تقوم بالدور الرئيس في الإنتقال، وهذا يناقض طبعا نظريات التبعية ونظريات المنظومات الدولية.

إن منطلقهم الفكري هو المحرك الرئيس الذي دفعهم إلى التركيز على العوامل الداخلية وإهمال الخارجية، أو تحييدها. فغايتهم كانت البرهنة على أهمية الفعل السياسي في التغيير الديمقراطي.

لقد أراد هؤلاء دفع النخب السياسية إلى الإيمان بإمكانية إسقاط الدكتاتورية والإنتقال إلى الديمقراطية. مع أنه إذا إخذنا سياق دراسات الانتقال المذكورة سابقا، وهو التحولات في أميركا اللاتينية، نجد أن تعديل السياسات الأميركية تجاه الدكتاتوريات فيها منذ مرحلة التأكيد على حقوق الإنسان في فترة حكم جيمي كارتر كان له أثر غير حاسم، ولكن لا يجوز تجاهله، إن لم يكن في الحث على الديمقراطية، فعلى الأقل في وقف عرقلة الانتقال التي دأبت عليها الولايات المتحدة في سياساتها الداعمة للدكتاتوريات الحليفة ضمن إطار الحرب الباردة، ولا سيما حين كان خصم الأنظمة السلطوية هو اليسار (الذي قاد مطالب شعبية ضد الظلم وطالب بالعدالة الاجتماعية ولكنه لم يكن ديمقراطيا بدوره).

وفي حالة أميركا الجنوبية التي عدتها منطقة نفوذ، لم تشأ الولايات المتحدة المجازفة حتى ببديل ديمقراطي ليبرالي للأنظمة السلطوية خشية فقدان السيطرة.

وقد نشرت مؤخرا دراسات تبين أن التدخل الأميركي لم يكن مباشرا في الانقلابات العسكرية الشهيرة المفصلية على أنظمة ديمقراطية (البرازيل 1964، وتشيلي 1973)، بل حصل تلاقي مصالح بين الموقف الأميركي المستنفر ضد نشوء حكومات يسارية منذ الثورة الكوبية مع قوى اجتماعية وسياسية محافظة في هذه البلدان، انضم إليها العسكر حين تضرر هو أيضا.

وهذا لا ينفي الدعم الأميركي لهذه التحركات بل ينفي أن الولايات المتحدة هي التي بادرت وخططت. ويرد كورت فيلاند على الفرضية الشائعة من ليفيتسكي وواي، بأن العلاقة بالغرب تؤثر في الحكام غير الديمقراطيين للتحول إلى الديمقراطية أو للسير في اتجاه الإصلاح الديمقراطي.

يقول الكاتب إن العقديين الأخيرين يثبتان عدم صحة هذه النظرية. هذا ما حصل في فنزويلا التي تربطها بالولايات المتحدة علاقة اقتصادية وسياسية قوية، إذ توجّهت نحو نظام سلطوي تنافسي. ومع ذلك، فإن هذه الأبحاث لا تنقص تأثير المعسكرات المتصارعة إبان الحرب الباردة في إعاقة الديمقراطية.

فالإعاقة حقيقة ثابتة أكثر من الدفع المؤثر في اتجاه التحول الديمقراطي من الخارج، فهو نادر إبان الحرب الباردة. وهو على ندرته كان حاسما في حالة التدخل المباشر، إذا كانت الشروط الداخلية مواتية (قارن بين فرض الديمقراطية في ألمانيا واليابان وفرضها في العراق).

وقد ترافق تعديل أجندات الولايات المتحدة مع صعود قوى ديمقراطية معارضة وتعديل أفكار القوى اليسارية بشأن الديمقراطية الليبرالية بقبولها، بوصفها إطارا ممكنا لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وهو تحول سبق أن مر به اليسار الأوروبي، أما إذا عدنا إلى التحولات في بلدان جنوب أوروبا، فنجد أنه لا يمكن الاستغناء عن عنصر أساسي في فهم التحول وهو السياق الديمقراطي الأوروبي الغربي، ليس فقط من حيث جاذبيته، وليس فقط بوجود شعور عام غير مريح بالإستثناء في الإطار الثقافي الأوروبي ذاته عند شعوب أسبانيا واليونان والبرتغال، بل أيضا لناحية الرغبة في الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي، والقائمة على مصالح طبقات اقتصادية وتجارية صاعدة.

هذا بالنسبة إلى الانتقال، أما بالنسبة إلى ديمومة الديمقراطية في تلك الدول، فلا شك في أهمية احتضان السوق الأوروبية ثم الإتحاد الأوروبي لها في نهوضها الاقتصادي، بما في ذلك ارتفاع مستوى المعيشة، بعد الدكتاتورية.

لقد كانت شروط التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا (اليونان، والبرتغال، وأسبانيا) داخلية أساسا. ولكن لا شك في مساندة البيئة الأوروبية هذه الشروط،

وتأثيرها القوي في ديمومة الديمقراطية.

لم يعد إهمال العامل الخارجي ممكنا في حالة انتقالات يستحيل معالجتها في عصرنا من دون فهمن، كما في حالات تأثيره الحاسم في دمقرطة دول شرق أوروبا بعد الإصلاح في الإتحاد السوفياتي ورفع الحماية عن أنظمة الحزب الشيوعي . ولهذا استنتج فيليب شميتر أنه آن الأوان لإعادة تقييم تأثير البيئة الدولية في تغيير النظام من دون رفعها إلى درجة المحرك الرئيس.

هذا، مع أن العامل الخارجي كان جوهريا في إعاقة الديمقراطية خلال مرحلة الحرب الباردة، قبل أن تنتبه له دراسات الانتقال الديمقراطي، بل أصبح هو ذاته عاملا داخليا في الحفاظ على أنظمة الاستبداد الحليفة للمعسكرين، مثلا في حالتي أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، فضلا عن الشرق الأوسط وشرق آسيا.

كان من الضروري تعديل منهج دراسات التحول في حالة أوروبا الشرقية، إذ لم يكن الانتقال الى الديمقراطية في أوروبا الشرقية ممكنا من دول العامل الخارجي المتمثل بأزمة الاقتصاد السوفياتي التي تبعها الإصلاح من أعلى قمة الهرم، ورافقه تخلّ سوفياتي واضح عن حماية الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية من الإصلاح وخطر الهبّات الشعبية، وهو ما فهمته قيادة تلك الدول وقواها المعارضة في الوقت ذاته.

وقد منع هذا الإدراك المتزامن استخدام العنف وسقوط العديد من الضحايا، إذ أدرك الجميع أن هذه الأنظمة آيلة حتما إلى السوقط، فلا قاعدة اجتماعية حقيقية لها ولا شرعية تاريخية (وذلك خلافا لحالات مثل كوبا والصين).

ولم يتوقف دور العامل الخارجي على العامل الإقليمي (إقليم جغرافي ومعسكر اشتراكي وتحالف عسكري في الوقت ذاته)، إذ لم يكن ممكنا أيضا فهم خيار الإصلاح السوفياتي وتوقيته في نهاية الثمانينيات من دون عامل خارجي هو سياسة إدارتي رونالد ريغان ومارغريت تاتشر التصعيدية.

ولا سيما في مجال سباق التسلح النووي وتصعيد الخطاب الإعلامي ودعم المجاهدين الأفغان، وخسارة السوفيات الكاملة في التنافس لناحية معدلات النمو الاقتصادي كما ونوعا. وانهيار أسعار النفط الذي ساهمت فيه دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية.

ولكنه كان، على أي حال، خيارا محليا لنخب سياسية. أي إن ثمة قوى داخلية في جهاز المخابرات، ممثلة بيوري أندروبوف، وفي الحزب الشيوعي، ممثلة بميخائيل غورباتشوف، كان هذا استنتاجها من هذه الخسارة،

كما أن ثمة مركبا من اهتراء اقتصادي وإداري داخل الدولة، وتجوّف أيديولوجي، وأزمة اقتصادية وركود اقتصادي وإداري واجتماعي، دفعها إلى هذا الاستنتاج، وثمة أيضا نظام طاعة مركزي داخل الحزب الشيوعي مكّن هذه القوى الإصلاحية من فرض سياسة الانفتاح والإصلاح من أعلى.

وتجلّت أهمية العامل الخارجي مع قيام الاتحاد الأوروبي بدور مركزي في إنجاح تحوّل بعض دول أوروبا الشرقية إلى ديمقراطيات ليبرالية (بدرجات متفاوتة للغاية).

وظلت الدول التي انشقت عن الإتحاد السوفياتي واقعة تحت تأثير روسيا الإتحادية، فلم تصبح دولا ديمقراطية، وبعضها نجح في التحول بعد صراع مع روسيا إبان ضعف الأخيرة في فترة حكم يلتسين.

……

يتبع في الجزء التالي

***

عزمي بشارة ـ المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة.

____________
المصدر: دورية سياسات عربيةـ العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.