Minbar Libya

اعداد : دينا سليمان كمال لاشين

باختصار شديد تقوم فكرة الليبرالية على الحرية الفردية مثل حرية الفكر والتصرف واحترام كرامة الانسان كما انها تتركز على أن الدولة لا دور لها في العلاقات الاجتماعية فالدولة الليبرالية لا تتدخل في الشعب او في الانشطة التي يقوم بها لكن دورها يبرز اذا كانت تلك الانشطة تضر بالمصلحة الفردية.

الجزء الثاني

البعد الثاني: البعد الإنساني

هذا البعد له أصول أيضًا

الأصل الأول: العقيدة ليست ركنًا في إنسانية الإنسان.

الإنسان إنسانٌ بقطع النظر عن عقيدته، بقطع النظر عن دينه، ليست العقيدة عنصرًا دخيلًا في إنسانية الإنسان، ولأجل ذلك لو أن الإنسان الآخر اختلف معي في العقيدة، لا يجوز لي أن أسلخه عن إنسانيته وعن حقوق الإنسانية لأنه مختلف عني في العقيدة، العقيدة ليست عنصرًا من عناصر الإنسانية، وليست مقومًا من مقومات الإنسانية، فلو أن إنسانًا ارتد عن عقيدته، فهذا لا يعني أنه خرج عن إنسانيته، بل لا زال إنسانًا، فلا يجوز أن تُسْحَب منه حقوق الإنسانية لأنه غيّر عقيدته، أو لأنه ارتأى عقيدة أخرى؛ لأن العقيدة ليست ركنًا في إنسانية الإنسان.

ولذلك، الفكر الليبرالي يدعو إلى ظاهرة التعددية، ينبغي لكل مجتمع أن يقبل بظاهرة التعددية، تعدد الأديان، تعدد المذاهب، تعدد الآراء، لا ينبغي أن نجبر المجتمع على دين، أو على مذهب، أو على رأي معين، بل علينا أن نقبل هذه الظاهرة الإنسانية البشرية، وهي ظاهرة التعددية، تعدد الأديان، تعدد المذاهب، تعدد المناهج المختلفة، تعدد الآراء المختلفة، فإن هذا كله مقتضى إنسانية الإنسان؛ لأن العقيدة ليست ركنًا من إنسانية الإنسان.

الأصل الثاني: يجب أن تكون مساحة الحقوق أكثر من مساحة الوظائف.

أنت عندما ترجع للقرآن الكريم، تجده مليئًا بالتكاليف والأوامر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾… إلخ، القرآن كله تكاليف، مساحة التكاليف والوظائف في القرآن مساحة عريضة جدًا، القرآن كبّل الإنسان بالوظائف والتكاليف، أينما التفت الإنسان يخاطَب بتكليف من التكاليف، فالقرآن اعتبر الإنسان جهازًا لتنفيذ الوظائف، ولذلك أكثر عليه الوظائف والتكاليف.

بينما الفكر الليبرالي يقول: ابحث عن الحقوق والامتيازات لا عن الوظائف. أنا إنسان، فماذا لي من حقوق؟ عليَّ الصيام والصلاة والغسل وحرمة الربا وعليَّ وعليَّ! يجب أن أبحث عما لي لا عما عليَّ، ماذا لي؟! ماذا أعطاني القرآن من امتيازات؟! ماذا أعطاني القرآن من حقوق؟! ماذا أعطاني القرآن من صلاحيات؟! لا ما فرض عليَّ من وظائف، لا ما فرض عليَّ من تكاليف. إذن، الفكر الليبرالي يقول: يجب النظر أولًا للحقوق والامتيازات، لا للوظائف والتكاليف.

الأصل الثالث: ربط الحُسْن بالتجربة.

نحن نسمع كلمة الحسن والقبح، هذا الفعل حسن، وذاك الفعل قبيح، فمن الذي يقرّر الحسن والقبح؟! الحسن والقبيح تقرّره التجربة، إذا لم يجرَّب شيءٌ فلا يصح الحكم عليه بالحسن ولا بالقبح، فمثلًا: الحرية الجنسية، الإنسان يصبح حرًا في ممارسة الجنس، ولو عن طريق الشذوذ الجنسي والعياذ بالله، أنت لا تستطيع أن تقول: الحرية الجنسية أمر حسن أو قبيح، إلا إذا خضعت للتجربة، إذا خضعت الحرية الجنسية للتجربة الاجتماعية، واكتشفنا سلبياتها، بعد ذلك نقول: قبيحة، وأما إذا اكتشفنا إيجابيتها فإننا نقول: حسنة. إذن، أي فعل وأي سلوك لا يمكن أن نحكم عليه بالحسن أو بالقبح إلا إذا خضع للتجربة الاجتماعية، وما لم يخضع للتجربة فإن الحكم عليه بالحسن أو القبح إملاءٌ وفرضٌ على المجتمع البشري، من دون مبرر ولا مسوّغ.

العلاقة بين الليبرالية  وغيرها من المصطلحات الليبرالية والديموقراطية

. من المعلوم أن الديمقراطية نشأت لأول مرة في أثينا  وهي حكم الشعب نفسه بنفسه أو بالأحرى حكم الكثرة لا القلة

وكان هناك مبدآن يتحكمان بالنظام الديمقراطي الوليد: أولا مساواة جميع المواطنين أمام القانون. وثانيا حرية الرأي والتفكير والتعبير. وهكذا جمع اليونان بين الليبرالية وبين الديمقراطية من جهة أخرى. ولكن كان هناك نقص كبير يعتري ديمقراطيتهم ألا وهي أنها كانت محصورة بالرجال والأحرار.

بمعنى أن العبيد والنساء والأجانب كانوا مستبعدين منها. ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن لنا أن نستهين بالإنجازات الإيجابية لأول ديمقراطية ليبرالية في التاريخ. فالناس جميعا كان يحق لهم أن يفتحوا أفواههم في المجالس العامة ويعطوا رأيهم بشأن القضايا العامة التي تهم المجتمع ككل. يضاف إلى ذلك أنهم كانوا متساوين أمام القانون ومؤسسات الدولة لا فرق بين كبير وصغير، أو ابن سيدة وابن جارية.

 اما عن الليبرالية فالثورة الإنجليزية التي حصلت في القرن السابع عشر أثرت كثيرا على العلوم السياسية. فقد رسخت في وعي الناس لأول مرة مفهوم الحرية أو الليبرالية بالقياس إلى الحكم الإطلاقي الاستبدادي. وكان إصدار إعلان الحقوق عام 1689 بمثابة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة.

والفيلسوف الذي نظّر لذلك كله واستخرج منه الدروس والعبر هو بدون شك جون لوك. فقد انتقل بالفلسفة السياسية من مرحلة اللاهوت المسيحي إلى مرحلة القانون الطبيعي أو الوضعي الذي يسنّه العقل البشري. وميزة جون لوك تكمن ليس في أنه خلق مفهوم القانون الطبيعي وإنما في أنه استخدمه باتجاه الليبرالية أو الحرية الفردية.

فالواقع أن الفيلسوف هوبز كان قد اكتشفه قبله ولكنه استخدمه لترسيخ الاستبداد ولا الحرية. وكذلك اكتشفه قبلهما كليهما عالم هولندي يدعى: غروتيوس  وقد جاءت الثورة الفرنسية بعد الثورة الإنجليزية بقرن واحد (1789) وأكدت على نفس المبادئ بعد توسيعها أكثر فأكثر.

فعندما أصدرت الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن كان ذلك يعني أن زمن الاستبداد قد ولّى إلى غير رجعة وأن الحكم المطلق لملوك فرنسا قد انتهى إلى الأبد. فلا حق إلهي للملوك المسيحيين ولا من يحزنون.فالناس أصبحوا متساوين لأول مرة في تاريخ فرنسا.

في السابق، أي أثناء العهد الملكي القديم، كان المجتمع الفرنسي مقسما إلى ثلاث طبقات أساسية: الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية، طبقة كبار الكهنة ورجال الكنيسة، بقية الناس: أي معظم الشعب من فلاحين وحرفيين.

أما بعد الثورة فقد سقطت هذه التقسيمات بين الناس ولم تعد للطبقة الأرستقراطية أية امتيازات كما كان عليه الحال في السابق. لم يعد يكفي أن تولد في عائلة إقطاعية لكي تنال كل الحقوق حتى بدون أن تعمل أو تبذل أي جهد.

وإنما أصبحت قيمة الإنسان تكمن في ميزاته الشخصية ومدى قدرته على النجاح في الحياة والتفوق في مجال ما من المجالات.

ومن أهم المفكرين الذين نظّروا للنظام الليبرالي الديمقراطي في فرنسا شخص يدعى: توكفيل. ومعلوم أنه أصدر كتابه الشهير عن «الديمقراطية في أميركا» عام (1835): أي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وقد عبر فيه عن إعجابه بالنظام الذي أسسه الآباء الكبار في أميركا: أي توماس جيفرسون وزملاؤه. ففي رأيه أنه من أفضل الأنظمة.

لماذا؟ لأنه يأخذ رأي الشعب بعين الاعتبار. فالحكام أصبحوا يُنتخبون بكل حرية من قبل الشعب ولا يُفرضون عليه بالقوة من فوق.

وأصبحت للشعب كلمته في الموضوع: أي في طريقة الحكم وسنّ القوانين والتشريعات ثم تطبيقها. وهذا هو معنى الديمقراطية. ولكنها ديمقراطية قائمة على دستور ليبرالي يضمن الحريات والحقوق الأساسية للناس. فلا تفريق بين المواطنين على أساس العرق، أو اللون، أو الطائفة، أو المذهب، أو الدين.

كلهم مواطنون أميركيون بنفس الدرجة، ولا يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية، الخ. في الواقع أن التفريق بين البيض والسود كان سائدا عمليا ولم ينته إلا بعد فترة طويلة.

ولكن ينبغي الاعتراف بأن العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية لم تكن بسيطة ولا سهلة وإنما مرت بعدة مراحل صراعية حتى اكتملت.

فدول أوروبا الغربية الحالية كلها تعيش على أنظمة ليبرالية وديمقراطية في آن معا. ولكن هذا الشيء حديث العهد ولم يتحقق فعلا إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

فإنجلترا، أعرق ديمقراطية في العالم، كانت ليبرالية دستورية طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى قبل ذلك. ولكنها لم تصبح ديمقراطية بالفعل إلا في النصف الأول من القرن العشرين. لماذا؟ لأن حق التصويت (أو الانتخاب) كان محصوراً بالطبقات العليا من المجتمع: أي الطبقات البورجوازية ذات الملكية.

ثم عمموه بعدئذ لكي يشمل الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين بعد أن انتشر التعليم في أوساطهم وتحضروا وتهذبوا.

 وكذلك الأمر ذاته عن فرنسا. كان الجنرال ديغول هو الذي أعطى المرأة حق التصويت عام 1945 فقط بمعنى أن نصف الشعب كان محروما من المساهمة في العملية السياسية طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.

الليبرالية والحرية

الحرية مكون أساسي من مكونات الليبرالية؛ فمن الطبيعي أن تأخذ مساحة واسعة من التحليل عند رواد هذا الفكر ومنظريه، خصوصًا أن الليبرالية كمصطلح مرادفة للحرية، أو التحرر في بيئة منشئها، فالليبرالية “هي الفكر الذي يركز على أهمية الفرد، وضرورة تحرره من كل أنواع السيطرة، والتسلط بنوعيه: تسلط الدولة  اي الاستبداد السياسيوتسلط الجماعة – اي الاستبداد الاجتماعي

وتعاريف الليبرالية تتمحور حول مدلول واحد لها، وهو حرية الفرد غير المحدودة؛ لأنها هي المحور الأساسي والركيزة الأولى في الفكر الليبرالي.

الليبرالية والعلمانية

يتخيّل كثيرون أن هناك تساويًا بين مصطلحي “الليبرالية” و”العلمانية”، وفي الحقيقة هما مصطلحان مختلفان، فالليبرالية موقف من مسألة الحرية، والعلمانية موقف من مسألة الحُكم.

الليبرالية تعني الحرية المطلقة ما لم ينشأ عن ذلك ضرر حسي مباشر في حق الآخرين، في حين العلمانية تعني فصل الدين وتحييده عن الدولة.

وحتى تتضح المسألة يجب أن نجيب على سؤالين: هل كل علماني ليبرالي؟ وهل كل ليبرالي علماني؟ السؤال الأول أوضح وأسهل، والإشكال في السؤال الثاني.

 جواب السؤال الأول: لا. فليس كل علماني ليبراليًا، هتلر وستالين وموسوليني كلهم كانوا علمانيين، لكنهم لم يكونوا قط ليبراليين؛ لأنهم لا يعترفون بالحريات بكل صورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إذن هتلر علماني؛ لأنه يفصل الدين عن الدولة، لكنه ليس ليبراليًا؛ لأنه لا يؤمن بمبدأ الحرية.

 السؤال الثاني: هل كل ليبرالي علماني؟ قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من فهم قضية مهمة، وهي أنه لا يمكن أن نتصوّر وجود العلمانية إلا إذا تصوّرنا وجود دين يحتوي على تشريعات مرتبطة بالدولة، فالعلمانية لا يمكن تصوّرها أو المطالبة بها في دولة تتبنى الزرادشتية مثلاً؛ لأن الزرادشتية ليس فيها أي تشريع مرتبط بالدولة، والعلمانية متعلقة بالدولة، فإذن هما يسيران في خطين متوازيين، فلا يمكن تصوّر تعارضهما.

بعد هذه المقدمة نعود إلى السؤال: هل كل ليبرالي علماني؟ الجواب: نعم، كل ليبرالي علماني؛ لأن الليبرالية تعني الحرية المطلقة، والدين بطبيعته يمتلك تشريعات، والتشريعات تعني تقييدات، والليبرالية تفر من القيود كفرار الرجل من الأسد.

الخلاصة

أن العلماني قد يكون ليبراليًا، كما هو الحال في لبنان، وقد لا يكون ليبراليًا كما هو الحال في سوريا. ففي لبنان الدولة علمانية وفي الوقت ليبرالية؛ لأنها لا تتدخل في الحريات مطلقًا، بخلاف النظام في سوريا، فهو علماني؛ لأنه يفصل الدين عن الدولة؛ لكن موقفه من الحريات يضاد الموقف الليبرالي. أما الليبرالي فيجب أن يكون علمانيًا؛ لأنه إذا لم يكن علمانيًا فهو خاضع لتشريعات دينية، والتشريعات الدينية تؤدي إلى القيود، والليبرالية ترفض القيود. إذن كل ليبرالي علماني، وليس كل علماني ليبراليًا.

________________