Minbar Libya

بقلم عزمي بشارة

تسعى الدراسة إلى تحديد مفهوم العامل الخارجي، منهجيًا؛ لتتمكن من التعرف إلى فاعليته وتأثيره في عملية الانتقال.

الجزء الثالث

علاقة العامل الخارجي بالبيئة الإقليمية

الحقيقة أنه إذا دققنا نجد أن ما يسمى هنا العامل الخارجي هو في غالبية الحالات العوامل الإقليمية، أو البيئة الإقليمية. وبعدها سوف ننتبه إلى أن ما يسمى موجات الديمقراطيةالأولى والثانية والثالثة، وغيرها.

هي جميعها في الحقيقة موجات إقليمية وليس دولية: شمال أوروبا، والولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، وجنوب أوروبا، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، وشرق أسيا، وربما العالم العربي الذي لم تنته فيه موجة التحولات العاصفة التي يمر بها، ويصعب التنبؤ بنتائجها.

إن موجات الانتقال الديمقراطي عبر التأثر والجاذبية هي غالبا موجات إقليمية تتأثر فيها شعوب وأنظمة مو دول قريبة جغرافيا وثقافيا، وأحيانا تتشابه بنية مجتمعاتها وأنظمتها.

نستثني من ذلك حالات بناء النظام بتأثير قوة احتلال خارجية، كما في اليابان وألمانيا وإيطاليا، ومؤخرا العراق (الذي لم يتضح نجاح نموذجه بعد) بالتعاون مع قوى محلية.

أما العامل الإقليمي فيؤثر مباشرة في الدولة المعنية. ويشهد هذا التأثير المواطن العربي في تدخلات السعودية والإمارات في إعاقة عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، والعمل ضدها ودعم معارضيها في أي دولة عربية.

وعموما، يمكن القول إنه لم تكن دول المنطقة العربية مساندة للتحول الديمقراطي، حين حصل في دولة من دولها، على النقيض من الحماس الشعبي له. فالبيئة الإقليمية هي من عناصر تعقيد صيرورة الدمقرطة عربيا.

ويرى الباحث أتيلا آغ أن الأعتماد في دول أوروبا الشرقية والبلقان كان على الخارج بعد انهيار حكم الحزب الواحد، وأن تأثير البيئة الإقليمية أشدّ أهمية من الدينامية الداخلية، لأن الدول الصغيرة والضعيفة شبه الهامشية كانت أكثر اعتمادا في تطورها على إملاءات العامل الخارجي الذي أثّر في طبيعتها السياسية.

لقد أصبحت قواعد المؤسسات الأوروبية، ولا سيما مجلس أوروبا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ملزمة لجميع الدول الأوروبية، وأمليت تلك التعليمات الحيوية لعملة الدمقرطة على الدول الأعضاء أو تلك التي ترغب في العضوية بوصفها شروطا مسبقة.

وفي بعض الحالات، أصبحت المؤسسات الأوروبية نوعا من سلطة عليا في عدد من دول أوروبا الشرقية والبلقان.

بهذا المعنى فإن السيادة المقيّدة لهذه الدول، بحسب عقيدة ليونيد بريجنيف، استبدلتها سيادة أخرى مقيّدة بالمؤسسات الأوروبية. وأصبحت قواعد مثل الإجماع الديمقراطي، وحرية الصحافة، وحقوق الإنسان، والهجرة، وحقوق الأقليات، تنظم وتراقب من طرف المؤسسات الأوروبية، على نحو لم يقيّد السيادة تجاه الخارج فقط، بل السيادة الداخلية لهذه الدول أيضا.

أما بخصوص السياسة الخارجية، فلم تكن ثمة إملاءات أوروبية عمليا. ولم تستنتج هذه الدول من غياب سياسة أوروبية خارجية موحدة يمكن إملاؤها تطوير سياسة خارجية خاصة بها، بل أصبحت الأشدّ ارتباطا من بين دول الإتحاد الأوروبي بسياسات الولايات المتحدة الخارجية، ولا سيما في الموقف من القضية الفلسطينية الذي يتطلب التقرب من الولايات المتحدة. وكأنها عوّضت عن التبعية لدولة عظمى في سياستها الخارجية بالتبعية للدولة العظمى في المعسكر الجديد الذي تنتمي إليه.

وتبين لاحقا أن التأثير الأوروبي ليس أحادي البعد، ولا في اتجاه واحد، فقد تحوّل إلى سلاح في أيدي قوى قومية شعوبية تؤكد رفض التأثير الغربي من منطلقات السيادة الوطنية والخصوصية الثقافية، وصعدت إلى الحكم في بعض الحالات (هنغاريا مثلا)، تحاول الارتداد حتى عن إنجازات ديمقراطية.

وقد شجعت سياسة فلاديمير بوتين اليمينية الشعبوية وعودة روسيا إلى القيام بدور أشد تأثيرا على المستوى الدولي عبر البوابة السورية، وكذلك عبر سياسة أشدّ حزما في التصدي لتمدد منظمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) في شرق أوروبا، النزعات اليمينية القومية الشعبوية في هذه الدولة المتحولة حديثا إلى الديمقراطية، وفي أوروبا عموما.

وفي مرحلة ترامب الذي يتبنى بدوره خطابا مناهضا لليبرالية، كان من السهل أن تتعايش هذه النزعات القومية الشعبوية البوتينية مع تحالف هذه الدول مع الولايات المتحدة.

أكدت معايير كوبنهاغن للإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي وضعت في حزيران\يونيو 1993، بداية، على استقرار المؤسسات الديمقراطية بواسطة سيادة القانون وحقوق الإنسان.

لكن الشرط الثاني كان التأكيد على أهمية احترام الأقليات وحمايتها. دفع هذا الشرط الدول التي ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد نوع من التوافقية وقبول الحقوق الجماعية للأقليات، مع أن هذا المعيار يمكن أن يخلق مشاكل حتى لدول أعضاء قديمة في الإتحاد الأوروبي ترسخت فيها الديمقراطية من دون أدوات دستورية للديمقراطية التوافقية.

لقد فرضت بعض ملامح الديمقراطية التوافقية على الأعضاء الجدد بقناعة أنه في حالة وجود أقليات قومية كبيرة، كما في الحالة الاسبانية، يصعب ترسيخ الديمقراطية من دون دستور ذي مزايا توافقية. وأصبحت هذه الشروط من أهم أدوات محاسبة دول مثل هنغاريا وكرواتيا وسلوفاكيا وغيرها بشأن حقوق الأقليات فيها.

وقد تراجعت أهمية العامل الخارجي في إعاقة الديمقراطية في بقية مناطق العالم التي تأثرت بالحرب الباردة عند انتهاء هذه الحرب مع زوال نظام القطبين.

ولم تعد الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، متحمسة لدعم الاستبداد. ولكن هذا لا يعني أنها أصبحة متحمسة لدعم الديمقراطية أو مستعدة لخوص الحروب لهذا الغرض.

ثمة خلط لدى الباحثين والمعلقين في هذا الشأن، فالولايات المتحدة لم تصبح قوة تحمل راية دعم الديمقراطية في العالم بعد الحرب الباردة، بل أصبحت أقل التزاما بدعم حلفائها المستبدين (وهذا ليس في جميع الحالات، فقد غير ما يسمى الحرب على الارهاب الصورة، ولا سيما في المنطقة العربية).

يتبع في الجزء التالي

***

عزمي بشارة ـ المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة.

____________
المصدر: دورية سياسات عربيةـ العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.