Minbar Libya

بقلم فرج كُندي

بعد ان تم توقيع معاهدة الصلح مع ايطاليا من طرف الدول المنتصرة في باريس في العاشر من فبراير سنة 1947 ميلادية التي اصبحت سارية المفعول بعد التصديق عليها في سبتمبر من نفس العام.

ويتضمن هذه الاتفاقية البند الـ 23 الذي ينص على ( أن إيطاليا تتخلى عن جميع الحقوق والتخويلات في ليبيا وأريتريا والصومال الإيطالي ) وأن المصير النهائي لمستعمراتها السابقة ستقرر بصورة مشتركة من قبل حكومات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية (1939- 1945 ) وهي الاتحاد السوفيتي وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية و فرنسا خلال سنة واحدة من سريان مفعول المعاهدة المبرمة .

وتم تكليف وكلاء وزارات الخارجية للدول المنتصرة بأعداد دراسات مفصلة الهدف منها تقديم توصيات بشأن هذه المستعمرات إلي وزراء خارجيات دولهم .

وتضمنت معاهدة السلام وضع رغبات السكان في الاعتبار وهو ما بنى عليه الشعب الليبي مطالبه المتعلقة باستقلال ووحدة البلاد.

إلا أن الحقيقة لم يكن في نية الحكومات الغربية مجرد التفكير وضع رغبة شعوب المستعمرات الإيطالية السابقة ومنها رغبة الشعب الليبي , وذلك بسبب تعارض وتصادم مصالح تلك الدول التي كانت تتنافس على تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسة والاستراتيجية؛

وهو ما أدى إلى قيام السفير الايطالي – تاركياني – بأجراء مفاوضات سرية مع حكومة الولايات المتحدة تعرض عودة ايطاليا إلى ليبيا نتج عنها وعد بعدم ممانعة امريكا لعودة لليبيا كمستعمرة ايطالية مقابل منحها قواعد عسكرية في ليبيا  .

وهذا الاتفاق الأمريكي الإيطالي يتعارض مع مصالح كلا من بريطانيا التي لها نفوذ ومصالح كبير في شمال ليبيا – برقة وطرابلس – وفرنسا التي تتركز مصالحها في الجنوب الليبي – فزان – والنتيجة هي أن كل دولة كانت تطمح إلى تحقيق أكبر مكاسب في تحقيق موقعها على الأرض الليبية؛ دون الالتفات إلى مصلحة ليبيا أو إرادة ورغبة الشعب الليبي في تحقيق الاستقلال و الوحدة التي محل اجماع وطني لا اختلاف عليه ولا خلاف حوله فهو مطلب يحظى بأجماع وطني مطلق.

إلا أن مصالح الدول المنتصرة دعتها إلى أن تعترف بسلطة انجلترا في برقة وطرابلس وفرنسا في فزان وايطاليا في الصومال مع تواجد لقواعد عسكرية امريكية.

وعلى اثره اعلنت الحكومة الايطالية في تاريخ 23/ 6 / 1949 ميلادية عن تنازلها عن مطالبتها بالعودة إلى حكم طرابلس والموافقة على اعطاء الليبيين حق تقرير مصيرهم .

والمتتبع لأوضاع ليبيا بعد اندلاع ثورة فبراير 2011 ميلادي التي أطاحت بنظام القذافي الدي دام لفترة تجاوزت الاربعة عقود من الزمن ( 1969- 2011م) يجد التدخل المباشر للقوى الغربية السابقة في الصراع العسكري وكان لها دور في حسم المعركة لصالح ثوار فبراير وقتل القذافي؛ لتدخل البلاد في موجة من الصراع والأحتراب الداخلي الذي اخذ الطابع المناطقي والجهوي والقبلي و”الأيديولوجي”.

كل هذه المظاهر ليست اللاعب الاساسي في المشهد الليبي وإن كانت هي الأدوات الظاهرة على مسرح الأحداث ولكن اللاعب الأساسي والفاعل الأول هو تلك الدول المتصارعة على تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع وجود بعض اللاعبين الاقليميين من الذين يدورون في فلك تلك الدول وتتقاطع مصالحهم مع مصالح تلك الدول كلا بحسب ولائه وتبعيته .

عادت هذه الدول لترسم خارطة ليبيا وفق مصالحها ولكل دولة مصالحها الخاصة التي ربما تتعارض بل قد تصطدم بمصالح الدول الأخرى في غياب وجود حكومة ليبية قوية قادرة على خلق توازن بين تلك القوى المتصارعة وترتيب أولويات مصالح تلك الدول مع المصلحة الليبية، مع انحياز الأطراف السياسية المختلفة والمتخالفة للدول الداعمة أو الممولة؛

ذلك أدى إلى تشظي القرار السياسي في ليبيا؛ وهيمنة الأطراف الخارجية على القرار الداخلي مما سبب في فشل مؤسسات الدولة وإطالة عمر الاحتراب الداخل.

وفي نظري لن يتوقف هذا الاحتراب وربما يزداد تأجج الصراع ما لم يحسم الليبيين أمرهم ويختاروا حكومة قوية تحظى بقبول واسع يمكنها من بسط سيادتها على الدولة وتحقيق استقلالها في التعامل مع الدول التي لها مصالح مشتركة مع الدولة الليبية بموجب القوانين والأعراف الدولية التي تكفل المساواة بين الدول.

ولا تسمح لهم باعتبار ليبيا منطقة نفوذ تاريخية أو غنيمة يتصارعوا عليها لانتزاع أكبر مصالح لهم دون اعتبار لاستقلالها وسيادتها وحقها في استغلال موقعها وثرواتها بما يجلب الأمن والاستقرار لها وتحقيق الرفاهية لأبنائها.

وذلك من خلال الاستفادة من ثرواتها الطبيعية باعتبارها دولة لها كيانها واستقلالها بعيدة عن نطاق صراع الدول الكبرى وخارجة عن هيمنتها وليست من مناطق نفوذها .

***

فرج كُندي ـ كاتب ليبي

___________