Minbar Libya

بقلم عزمي بشارة

تسعى الدراسة إلى تحديد مفهوم العامل الخارجي، منهجيًا؛ لتتمكن من التعرف إلى فاعليته وتأثيره في عملية الانتقال.

الجزء الرابع

تصدير الأوتوقراطية

منذ انهيار الشيوعية لم يعد ثمة نموذج عالمي لنظام الحكم يشمل القيم وأساليب الحكم قابل للتسويق عدا النظام الديمقراطي. على المستوى العالمي، لم يعد لروسيا والصين نماذج للتصدير، لكنهما بقيتا تخشيان التحولات الديمقراطية.

كما أنهما تميلان إلى الأنظمة السلطوية مع تفضيل للأنظمة الديماغوغية الوطنية، ولكن ذلك ليس بالضرورة. وثمة اعتبارات متعلقة بالنفوذ (الاقتصادي في حالة الصين) ، وأخرى متعلقة بالتنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بوجود قناعة عميقة مفادها أن تمددا للديمقراطية هو تمدد للنفوذ الغربي.

وقد تبنت روسيا رسميا خطابا يضع التقاليد والقيم الغربية في مقابل الوطنية والقومية وغيرها. وصرح الرئيس الروسي بوتين عن الثورات في العالم العربي وبعض دول أوروبا الشرقية قائلا: “كانت هناك سلسلة من الثورات الملونة“. ومن الواضح، أن شعوب هذه الدول، التي شهدت تلك الأحداث، كانت قد اكتفت من الطغيان والفقر، ومن فقدان الأفق.

لكن هذه المشاعر استغلت بخبث، وفرضت معايير على هذه الشعوب لا تتلائم مع طريقتها في الحياة، نشأت فوضى، واندلع العنف وانتفاضات متعددة.

وتحول الربيع العربي إلى شتاء عربي. ونشأت حالة شبيهة في أوكرانيا. في عام 2004، حين حاولوا (يقصد الغرب) الدفع بمرشح معين للإنتخابات الرئاسية نفهم أن هذه العمليات كانت موجهة ضد أوكرانيا وروسيا وضد الإندماج الأوروأسيوي.

حدث كل هذا عندما كانت روسيا تسعى للدخول في حوار مع زملائنا في الغرب. نلاحظ أن بوتين جمع بين الاعتبارات المتعلقة بالصراع على النفوذ في مناطق يعتبرها مناطق نفوذ روسي، والاعتبارات المتعلقة بالثقافة مستخدما حججا كانت تعتبر يمينية محافظة وعنصرية في أوساط اليسار العربي (التي يتعاطف بعضها حاليا مع بوتين)، لناحية العلاقة العضوية بين جواهر ثقافية للشعوب والنظم السياسية الملائمة لها.

ومع أن الأنظمة مثل النظامين السعودي والإماراتي من جهة والإيراني من جهة أخرى واصلت التأثير في محيطها فإنه ليس لديها نموذج للتصدير، لكنها صدرت ثقافة سياسية من نوع معين.

كما دعمت أنظمة سلطوية تختلف عنها جذريا، إما لأسباب جيوستراتيجية متعلقة بالنفوذ، وإما لإعاقة تمدد النظام الديمقراطي خشية تأثيره فيها. وقد قامت السعودية بدور حاسم في إعاقة التحول الديمقراطي في اليمن بفرض المبادرة الخليجية ومساندة قوى غير ديمقراطية، ثم قامت إيران بدور في إعاقة تطبيق مخرجات الحوار الوطني بدعم الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء في 21 أيلول\سبتمبر 2014، وما لبث اليمن أن أصبح مسرحا لحرب إقليمية ضروس بتدخل سعودي ـ إماراتي مباشر.

كما أن الصراع الإيراني ـ السعودي في العراق يستمر في إعاقة تطور الديمقراطية، حتى بعد الانتقال من دعم قوى مسلحة إلى دعم قوى سياسية طائفية في الانتخابات العراقية، فهذا الدعم يروم النفوذ، ويسهم في التشظي الطائفي وليس في نشر قيم المواطنة الديمقراطية. وينطبق الأمر ذاته على لبنان أيضا.

يتواصل النشاط السعودي والإماراتي الذي يسخدم الدعم المالي في ترسيخ نظام السيسي وفي شراء صحف ومؤسسات إعلامية تشوّه الثورات العربية وتحمّلها المسؤولية عن نكبات سورية واليمن وليبيا مبرئة الأنظمة العربية من مسؤوليتها، كما تدعم قوى سياسية سلفية متعصبة من المدرسة التي تدعو إلى طاعة وليّ الأمر وترفض التدخل في السياسة، وأي قوى سياسية أخرى تساند السلطوية وترفض الديمقراطية.

لقد اتخذ دعم الاستبداد في العالم إشكالا دولية وإقليمية، كما تضمّن الدعم العسكري والعلاقات التجارية. وفي مقابل انتشار الدراسات حول دعم الديمقراطية خارجيا، لم تحظ فكرة تعزيز الأوتوقراطية من الخارج بالاهتمام الكافي.

وقد ظهرت بعض الأدبيات في العقد الأول من هذا القرن تشير إلى أن الحكم الاستبدادي أو شبه الاستبدادب في إزدياد، وكذلك احتمالات تأثيره دوليا.

ومن الأدبيات آخر الاستطلاعات السنوية التي أجرتها مؤسسة فريدوم هاوس حول الحقوق السياسية والحريات المدنية في العالم، إضافة إلى كتاب روبرت كاغان، الذي اقتبس بشكل واسع في هذا المجال، والذي يشخص فيه التنافس الجيوسياسي بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، لا سيما مع نهاية الحرب الباردة وصعود منافسين للديمقراطية الليبرالية من قوى غير ديمقراطية واستبدادية.

وقد ظهرت دراسات تتناول حالات بعينها، مثل تلك التي تركز على نمو القوة الناعمة للصين، ودور نموذجها الاقتصادي السياسي في جذب بعض البلدان النامية.

وصدرت دراسات أخرى تناولت تدخلات بوتين في دول آسيا الوسطى وأوكرانيا وجورجيا وبيلاروسيا، والمحاولات الروسية لتقويض مساعي مراقبة الانتخابات التي تقوم بها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ويمكن حاليا ان تضاف سورية وأوكرانيا إلى القائمة.

والحالة السورية تهمنا خاصة لأن التدخل الروسي فيها كان عسكريا مباشرا وحاسما في تحقيق هدفين: الحفاظ على النظام السوري، ومضاعفة التأثير الروسي في المنطقة العربية.

وقد كانت راية التدخل الروسي الحفاظ على السيادة الوطنية ضد التدخل الغربي الي يجري من دون إذن الأنظمة الاستبدادية المعنية التي ترحب، في المقابل، بتدخله لصالحها بالطبع.

وهنا جرت الاستعانة بالشرعية الدولية ومفهوم السيادة.

وتحت راية الحفاظ على السيادة، تمرر العقيدة الدموية أن من حق أي نظام أن يفعل بشعبه ومواطنيه ما يشاء وأن يستدعي التدخل الأجنبي ضد التحول الديمقراطي، على نحو يضع مواثيق القانون الدولي المتعلقة بحماية سيادة الدول في مواجهة مواثيق حقوق الأنسان.

الخلاصة

بينا في هذه الدراسة ما يلي:

ـ لا يمكن تجاهل العامل الدولي في تفاعله مع الظروف الداخلية عن إطاحة نظام سلطوي ‬وبدء عملية التحول الديمقراطي.

ـ تبقى الأولوية للعوامل الداخلية (غالبا)، ولا سيما إذا لم يقع تدخل أجنبي عسكري مباشر، فقضية الانتقال إلى الديمقراطية هي قضية داخلية قبل كل شيء.

ـ يصعب على العامل الدولي إحباط التحول الديمقراطي في حالة ثورة شعبية إذا كان هناك توافق عليه بين النخب السياسية.

ـ ثمة فرق بين فعل العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي وفعله في ترسيخ الديمقراطية.

ـ قد يكون العامل الخارجي حاسما في حالة انهيار الاستبداد في الدول التابعة.

ـ ما يسمى موجات عالمية للتحول الديمقراطي هو غالبا موجات إقليمية.

ـ لم تصبح الولايات المتحدة داعمة للديمقراطية والتحولات الديمقراطية بعد الحرب الباردة، بل أصبحت أقل أكثراتا بحماية حلفائها السلطويين. والصيغة الترامبية لهذا التحول تتلخص في طلب مقابل الحماية.

ـ في حالة المنطقة العربية ظلت قواعد الحرب الباردة قائمة إلى حد بعيد في السياسات الأميركية.

ـ تعلي الدول الغربية مسألة تدفق النفط ومنع الهجرة وحماية أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي، ولم تقتنع بعد بأهمية الديمقراطية في هذا السياق. نظرا إلى تخوفها من نتائج صناديق الانتخابات الحرة على مصالحها تلك.

ـ تزداد فرص الدول العربية التي تمر بتحول ديمقراطي في تحييد العرقلة من الخارج كلما كانت الدولة غير منتجة للنفط وبعيدة عن إسرائيل.

ـ مع استعادة روسيا والصين دورهما العالمي فإن تأثيرهما يتجه إلى تفضيل أنظمة الاستبداد، وفي غياب نموذج للتصدير لديهما، تستخدم هاتان الدولتان خاطبا يتقاطع مع ثقافة اليمين الشعبوي في الدول الديمقراطية أو تلك المعنية بالانتقال إلى الديمقراطية.

***

عزمي بشارة ـ المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وعضو مجلس الإدارة في المركز. وهو باحث وكاتب نُشرت له عدة كتب ومؤلفات في الفكر السياسي، والنظرية الاجتماعية، والفلسفة.

____________
المصدر: دورية سياسات عربيةـ العدد 38 (أيار/ مايو 2019)، وهي مجلة محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.