Minbar Libya

أولا: في العلاقة الليبية المصرية

في هذه الورقة نحاول أن نضع تصور للسيناريوهات المتوقعة في المشهد السياسي الليبي نتيجة هذا الصراع المصري التركي.

الجزء الأول

لقد شكل عدوان حفتر على طرابلس مرحلة جديدة وخطيرة في الصراع الليبي.

بعد ان كنا نتابع وقائع صراع فرنسي ايطالي على النفوذ في ليبيا ، بدأنا نرى إرهاصات لصراع مصري تركي. هنا تصبح الأرض الليبية ساحة لصراع دولي وإقليمي ينذر بتعقيدات أكثر تعرقل الوصول إلى حل للازمة.

في هذه الورقة نحاول أن نضع تصور للسيناريوهات المتوقعة في المشهد السياسي الليبي نتيجة هذا الصراع ، لن نكتفي فقط برصد وقائع هذا الصراع في حاضرنا بل نغوص بعمق في أحداث التاريخ لنقف على الحقائق التي تساعدنا في فهم هذا الصراع الجديد على الأرض الليبية.

كما أننا نعطي أهمية للمصالح الاقتصادية التي تؤثر في كثير من سياسات الدول،  وأيضا لموازين القوة العسكرية .

المقدمة

كثيرة هي المؤشرات الدالة على وجود صراع مصري تركي على الأرض الليبية ، وهو صراع محتدم على النفوذ والمصالح في دولة تمزقها الحرب والصراعات ، وغابت فيها الثقة بين الفرقاء السياسيين .

قد لا يبدو هذا الصراع المصري التركي ظاهرا بشكل واضح بعد نجاح الثورة الليبية في عام 2011م ، أو بعد انطلاق عملية الكرامة في مايو عام 2014م ، وهي مشروع للثورة المضادة يستهدف إجهاض الثورة الليبية التي على رأسها قوى الإسلام السياسي حلفاء تركيا.

الصراع المصري التركي بات أكثر وضوحا عندما بدا العدوان على طرابلس وفشل حفتر في ضرب خصومه من قوى الثورة واجتياح طرابلس ، وبعد الضربة القاسمة التي تلقاها حفتر في غريان وانسحاب قواته مهزومة منها، بدأ أنصاره في تصعيد لهجة العداء ضد تركيا ، وسخّروا كل إمكانياتهم الإعلامية في محاولة لتجييش الشارع الليبي ضد تركيا ، ووصل الأمر إلى حد اعتقال مواطنين أتراك في مدينة اجدابيا شرق ليبيا في يونيو عام 2019م وهو اعتقال لم يدم طويلا بعد تهديد تركيا بقصف قوات حفتر إذا لم يطلق سراح المواطنين الأتراك.

هذه الحادثة تثبت عجز حفتر عن مواجهة تركيا ، وان الحملة العدائية التي تشنها قنواته الإعلامية تخفي ورائها مخطط أخر ، هناك نوايا مبيتة لان تفتعل مبررات للتدخل المصري عسكريا في ليبيا بشكل اكبر مما سبق.

إنها الورقة الأخيرة بيد اللواء المتقاعد المهزوم على أطراف طرابلس .

الصراع المصري التركي .. الأبعاد والخفايا

لقد سمح اللاعبون الكبار على الساحة الدولية لبعض الدول الإقليمية بان تتدخل في ليبيا ، وكان نتيجة ذلك بان تفجر صراع إقليمي على النفوذ والمصالح ، وهو صراع أطال أمد الأزمة الليبية، ودفعها الى تعقيدات كبرى.

سمح ذلك لمصر والإمارات والسعودية بان تدعم حفتر وتؤجج الصراع ، وبدعم فرنسي ، ثم دخلت روسيا على خط الأزمة الليبية لتقدم دعم لوجستي وأمني لحفتر . ويبدو واضحا بان مصر ستكون في الواجهة لتتخذ من التدخل التركي في ليبيا ذريعة للتدخل عسكريا بشكل مباشر لإنقاذ مشروع حفتر الذي اثبت فشله على أطراف طرابلس .

1-الخلافات السياسية

هناك خلافات سياسية عميقة وجوهرية بين النظام المصري وتركيا ، وهي خلافات ألقت بظلالها على المشهد الليبي ، لقد كانت حادثة إطاحة الجيش المصري بالرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو عام 2013م بداية لتوتر كبير في العلاقات المصرية التركية.

الإسلاميون في تركيا بقيادة اردوغان يعتبرون محمد مرسي حليفا لهم ، وأيضا قوى الإسلام السياسي في ليبيا التي تتصدر المشهد منذ نجاح ثورة 17 فبراير في عام 2011م .

في الوقت الذي ترى فيه تركيا وجود الإسلاميين في السلطة في مصر وليبيا حليفا مهما لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها، يرى نظام عبد الفتاح السيسي في مصر بان الإسلاميين هم ألد أعدائه ، وخطرا على نظام حكمه ، ليس فقط لأنه اغتصب منهم السلطة في انقلاب يوليو عام 2013م ، بل لان نظام عبد الفتاح السيسي جزء من محور تحالفات لدول عربية ترفض وجود الإسلاميين في السلطة.

، ويستمد السيسي شرعيته من رفع شعار مكافحة الإرهاب وهو الذي طلب تفويض الشعب له بذلك ، إلا انه في حقيقة الأمر استخدم الحرب على الإرهاب للقضاء على خصومه السياسيين من الإسلاميين ، وبالتالي النظام المصري لا يقبل بوجود الإسلاميين ، ليس في مصر فقط ، بل حتى في دول الجوار كليبيا مثلا، فهو يري في وجودهم تهديد لنظامه.

لذا فان الصدام بين مصر وتركيا وتعارض المصالح في ليبيا أمر طبيعي .

ويبدو واضحا من خلال تصريحات الساسة المصريين والأتراك حدة الخلافات حول ليبيا ، خاصة بعد تصعيد لهجة العداء من قبل حفتر تجاه تركيا .

في ابريل عام 2019م ، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده ستُسخّر كل إمكاناتها لإفشال ما أسماه بتحويل ليبيا إلى سوريا جديدة.

قال أردوغان في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التركية الرسمية الأناضول: إن الوضع في ليبيا بات يهدد بسيناريوهات مظلمة يمتد خطرها لأمن المنطقة ، ليبيا فيها حكومة تتلقى شرعيتها من الشعب، ودكتاتور مدعوم من أوروبا وبعض الدول العربية“.

في يونيو عام 2019م ، قال الفريق محمود حجازي مسؤول اللجنة المصرية المعنية بمتابعة الملف الليبي في تصريحات صحفية : “ إن تركياتهدد المصالح المصرية في ليبيا، وأضاف أن تركيا تعمل عليها منذ عام 2014م ، والتي تم التعهد مع السلطات الليبية في الشرق كعقود النفط والطاقة، وإعادة الأعمار، والعمالة وغيرها.

وأشار حجازي إلى أن أردوغان يدعم بشكل علني مباشر السلطات في طرابلس، والمتمثلة في رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري. وأبدى الفريق حجازي في ذات الوقت استغرابه من تصريحات الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الليبي أحمد المسماري وتهديده لأي طائرة مدنية تركية تخرج من وإلى تركيا عبر ليبيا.

وأضاف حجازي : “أن الجانب المصري نصح المشير حفتر باتخاذ رد فعل ضد تركيا ولكن الخطوة التي اتخذها المشير ليست في محلها وأن تهديدات المسماري قد تصنف كتهديدات إرهابية، وأن مثل هذه التصريحات تحرج الجانب المصري الداعم للقيادة العامة “.

إن الصراع المصري التركي على النفوذ والمصالح في ليبيا لا يمكن عزله عن مناطق أخرى في الشرق الأوسط حيث تتضارب مصالح مصر وتركيا ، مثلا الصراع في شرق البحر المتوسط على حقول النفط والغاز ، وتحالف مصر مع قبرص واليونان ضد تركيا .

2-البعد التاريخي

لا يمكن لأحداث ووقائع التاريخ وان كانت من الماضي أن لا تحدث أثرا في الحاضر والمستقبل ، بعض الأحداث التاريخية قد تتكرر ، كما أن صانع القرار السياسي أو المفكر الاستراتيجي لابد  وان يتأثر بالتاريخ .

من هذا المنطلق نجد من الأهمية أن نتطرق الى تاريخ الصراع بين مصر في عهد محمد علي باشا والي الطموح لإقامة إمبراطورية عربية والدولة العثمانية التي رأت في طموحات الوالي المصري تهديدا لمصالحها .

وسنرى في استعراض وقائع ذلك الصراع كيف تعاملت الدول الأوروبية بمكر ودهاء مع ذلك الصراع ، وكيف وجهت الأحداث الى مصلحتها .

الحرب المصرية العثمانية

ساءت العلاقات بين السلطان العثماني محمود الثاني ومحمد علي باشا، وعملت الدول الأوروبية على إذكاء روح هذا العداء فكانت فرنسا تشجع محمد علي على إعلان الاستقلال التام عن الدولة العثمانية، والمناداة بأن الخلافة من حق العرب أولا.

أما الإنجليز فكانوا ينقلون إلى السلطان العثماني رغبة محمد علي في الاستقلال، ووضعوا أسطولهم القوي في خدمة العثمانيين لاستخدامه ضد مصر ، لأنهم رأوا في مصر القوية تهديدا لطرق تجارتهم مع الهند.

الحرب بين العثمانيين ومحمد علي باشا.

سعت الدول الأوروبية وبخاصة إنجلترا إلى إثارة الحرب والصراع بين العثمانيين ومحمد علي، وسعت أيضا إلى إطالة أمد هذه الحرب بين الجانبين لإضعافهما واستنزاف قوتيهما المالية والبشرية حتى تتحقق الأطماع الأوروبية الاستعمارية في اقتسام تركة الرجل الأوروبي المريض.

وكانت بداية الحرب بين الدول العثمانية ومصر عندما منح السلطان العثماني جزيرة كريت لمحمد علي كتعويض عما فقدته مصر في الحرب اليونانية، لكن هذا التعويض لم يكن ذا قيمة، ورأى محمد علي أن يضم بلاد الشام إلى دولته الشابة حتى يظفر بمواردها من الخشب والفحم والنحاس، ويجنّد شبابها في جيشه فيزداد بهم قوة.

وساعده على ذلك ضعف الدولة العثمانية بعد الحرب اليونانية، ثم الحرب الروسية في عام 1829م وكثرة الثورات والاضطرابات داخل الدولة المترامية الأطراف، وانتشار الفوضى داخل الجيش العثماني بعد إلغاء فرقة الإنكشارية في عام1826 التي كانت قوام الجيش العثماني.

يضاف إلى ذلك أن محمد علي استطاع أن يجذب إليه الأمير بشير الشهابي كبير أمراء لبنان، وبذلك لم يخش مقاومة الشاميين للجيش المصري. واستغل محمد علي إيواء والي صيدا عبد الله باشا لعدد من الفلاحين المصريين الهاربين من الضرائب والخدمة العسكرية، ليجرد حملة عسكرية لتأديبه بقياده ابنه إبراهيم باشا في جمادى في أكتوبر عام 1831م.

وقد سانده الأسطول المصري بقيادة اللواء إبراهيم يكن، الذي حط في يافا. واستطاعت القوات المصرية أن تحقق انتصارات عظيمة في بلاد الشام، فسيطرت على غزة ويافا وحيفا، وصور وصيدا وبيروت وطرابلس والقدس.

وفشلت محاولات الدولة العثمانية في وقف الزحف المصري، لذا حشد العثمانيون عشرين ألف مقاتل وزحفوا لملاقاة المصريين، والتقى الجمعان في سهل الزراعة قرب حمص في إبريل 1832م وانتصر المصريون، ثم فتحوا مدينة عكا الحصينة، ثم دمشق، وانتصروا على العثمانيين في موقعة حمص في يوليو عام1832م، وكانت خسائر الجيش العثماني في هذه المعركة 2000 قتيل و2500 أسير، ولم تزد خسائر الجيش المصري عن 102 قتيل.

وبعد هذه المعركة تقدم الجيش المصري فاحتل حماة وحلب، وانتصر على العثمانيين في موقعة بيلان جنوبي الإسكندرونة، واجتاز حدود سوريا الشمالية، ودخل إبراهيم باشا بقواته ولاية أدنه في بلاد الأناضول، وعبر نهري جيحون وسيحون، ودخل طرطوس وأوروفا، وعين تابو مرعش وقيصرية.

كانت ولاية أدنه مفتاح الأناضول وصلة المواصلات البحرية بين مصر وجيشها. لم تنكسر عزيمة السلطان محمود أمام الهزائم التي حاقت بجيشه، وأعد جيشا جديدا بقيادة الصدر الأعظم محمد رشيد باشا ، وبلغ قوام هذا الجيش 53 ألف مقاتل، ونشبت معارك شرسة بين الفريقين انتصر فيها المصريون، وكان أهمها موقعة قونية في 21 ديسمبر 1832م التي فتحت الطريق أمام المصريين إلى الأستانة عاصمة الدولة العثمانية، التي لا تبعد عنهم سوى مسيرة ستة أيام من البوسفور، في طريق ليس به جيش ولا مقاومة.

البقية في الجزء التالي بدءً بـ (الموقف الأوروبي من الحرب بين المصريين والعثمانيين)

____________