Minbar Libya

في العلاقة الليبية المصرية

في هذه الورقة نحاول أن نضع تصور للسيناريوهات المتوقعة في المشهد السياسي الليبي نتيجة هذا الصراع المصري التركي.

الجزء الثاني

الموقف الأوروبي حول الحرب بين العثمانيين ومحمد علي باشا

استفادت الدول الأوروبية من حالة العداء بين الدولة العثمانية ومحمد علي باشا، فلم يبد الإنجليز في البداية رغبة في مقاومة الفتوحات المصرية السريعة، بل زودوا المصريين بالذخيرة.

أما فرنسا فكانت مرتاحة لاحتلال محمد علي لسوريا، بل حرضته على إعلان الاستقلال والانفصال وتشكيل نظام سياسي وثيق الصلة بها، ولم تتدخل أية دولة أوروبية في هذا الصراع فالكل كان في حالة انتظار وترقب.

ولما استحكم الأمر وظهرت القوة المصرية المتنامية أصبحت الدول الأوروبية موضوعيا في صف الدولة العثمانية، حتى إن قيصر روسيا العدو اللدود للعثمانيين عرض على الباب العالي تقديم مساعدة عسكرية لقتال محمد علي .

أما السلطان العثماني فسعى إلى نقض اتفاقية كوتاهية، لأنه رأى أن الخطر الذي يهدد سلطانه يأتي من ناحية مصر.

الحرب العثمانية المصرية (1839م–1841م)

بدأت الحرب بين الطرفين بهجوم عثماني في 24 يونيو عام 1839م على مواقع الجيش المصري في نصيبين وانهزم العثمانيون بعد ساعتين من بدء المعركة، وكانت خسائرهم فادحة فقد قُتل وجرح 4 آلاف، وأسر حوالي 15 ألف ، وقضت هذه المعركة على قوة العثمانيين الحربية،وكانت أكبر انتصار لمحمد علي باشا.

في 1839م انضمت جميع وحدات الأسطول العثماني إلى محمد علي باشا في الإسكندرية، وفي الوقت نفسه احتل الجيش المصري ميناء البصرة وتقدم باتجاه الإحساء والقطيف، فأحدث هذا الأمر إرباكا في السياسة الدولية للدول الاستعمارية الكبرى، ورأت أن تتدخل بقوة وحزم قبل أن تفلت أزمّة الأمور من يديها. لذلك وجهوا إنذارا إلى محمد علي وعقدوا تحالفا أوروبيا ضده، قابله محمد علي باستنكار شديد، خاصة بعد ترحيب الأستانة بهذا التحالف.

وانتهى الأمر بإبرام معاهدة لندن في 15يوليو عام 1840م بين إنجلترا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا، والتي خولت لمحمد علي وخلفائه من بعده حكم مصر حكما وراثيا.

يمكن القول بان الصراع التاريخي بين مصر والدولة العثمانية على النفوذ والمصالح في في أوائل القرن التاسع عشر سوف ينعكس على الساحة الليبية ألان.

المصالح الاقليمية في ليبيا

مصر دولة لديها مصالح في ليبيا وتريد أن تكون قوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، وتركيا وريثة الدولة العثمانية هي الأخرى لديها مصالح في ليبيا وهي إحدى أهم دول الجوار العربي الطامحة لان يكون لها دور إقليمي فاعل ومؤثر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. سوف نشهد صدام وتصارع السياسات والاستراتيجيات ولعبة المصالح والنفوذ في ليبيا المضطربة الغارقة في وحل الحرب الأهلية.

المصالح المصرية في ليبيا

لا يمكن لأي دولة أن تتدخل سياسيا أو عسكريا في شؤون دولة أخرى ، أو تقيم معها علاقات دبلوماسية ، إلا وهناك مصالح تفرض نفسها ، وللاقتصاد دور كبير في ذلك . فوراء الاقتصاد تسير السياسية ، وهما وجهان لعملة واحدة .

العلاقات الليبية المصرية .. نبذة تاريخية

بين ليبيا ومصر علاقات تاريخية وثيقة ، هناك محطات تاريخية هامة لا يمكن إغفالها جسّدت الترابط ووحدة المصير بين الشعبين الليبي والمصري، لم تكن للحدود المصطنعة بين ليبيا ومصر البالغة 1150كم قيمة أمام قوة العلاقات التاريخية.

في عام 1798م قام نابليون بونابرت بحملته الشهيرة على مصر، نزلت القوات الفرنسية على التراب المصري وبدأت حرب طاحنة بين الشعب المصري المدافع عن أرضه وبين الغزاة الفرنسيين.

لم يقف الشعب الليبي متفرجا على تلك الحرب ، وعم نداء الجهاد في برقة شرق ليبيا لنصرة الأشقاء في مصر ، وانطلق محمد المهدي الدرناوي من مدينة درنة ومعه عدد كبير من المجاهدين الى مصر للمشاركة في الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي ، وسجل التاريخ معارك وبطولات مشرفة للمجاهد محمد الدرناوي ورفاقه  .

وكان لموقف أهل درنة البطولي في مواجهة سفن القائد الفرنسي جانتيوم قبالة ساحل درنة في عام 1898م ومنعها من التزود بالمؤن وإكمال طريقها الى مصر لدعم القوات الفرنسية دور كبير في هزيمة الفرنسيين في مصر .

في فترة الاحتلال الايطالي كان لمصر دور تاريخي في إيواء الليبيين الفارين من بطش الايطاليين ، موقف جسد التلاحم والترابط بين الليبيين والمصريين ، وكان عمر المختار ورفاقه المجاهدين يتلقون الدعم من الأسلحة والمؤن من مصر عبر الحدود الليبية المصرية

ودعمت بعض الشخصيات المصرية البارزة نضال الليبيين مثل الأمير عمر طوسون ، كما دعمت الصحافة المصرية المجاهدين الليبيين في مقارعتهم للاحتلال الايطالي ، ودعمت القضية الليبية .

في أثناء فترة الإدارة البريطانية لليبيا والتي بدأت بعد دخول القوات البريطانية الى ليبيا وطرد الايطاليين في عام 1942م ، لم تكن السياسة المصرية غائبة عن ليبيا ، وبقدر ما كانت هناك مواقف داعمة للقضية الليبية وحق الشعب الليبي في الاستقلال ، كانت هناك مواقف وسياسات مصرية تعبر عن أطماع في الأراضي الليبية.

اهتمت مصر بالقضية الليبية، وقامت بتقديم مذكرات إلى مؤتمر وزراء الخارجية، وإلى مؤتمر الصلح فيما بعد. ولقد انحصر موقف مصر في القول بأنه إذا لم تكن الدول الأربع على استعداد لمنح ليبيا استقلالها على الفور، فإن مصر تطلب أن يعهد إليها بإدارتها بوصاية من الأمم المتحدة، وطلبت مصر منح الليبيين خيار الانضمام إلى المملكة المصرية، وخصت بالذكر منطقة برقة.

وقد استمرت مطالبة مصر (والجامعة العربية أيضا) بوضع ليبيا تحت الوصاية العربية حتى عام 1947م حيث ابتدأ هذا المطلب يخفت تدريجيا أمام تقدم القضية الليبية. أما مطالبة مصر بتعديلات حدودية فقد استمرت حتى بعد أن قررت الأمم المتحدة منح ليبيا الاستقلال.

وقد بثت الأمم المتحدة في المطالب المصرية بإحالتها إلى لجان خاصة لدراستها الأمر الذي دفع بمصر إلى التوقف عن تلك المطالب بعد أن لمست حدة ردود الأفعال من طرف الشعب الليبي وخاصة احتجاج السيد إدريس لدى السيد أدريان بلت وإعلامه إياه أنه لن يقبل أية تعديلات في الحدود تتم قبل استقلال ليبيا.

وكانت مصر قد قدمت مذكرات إلى مؤتمرات وزراء خارجية الدول الكبرى وإلى، مؤتمر الصلح، وإلى دورات الجمعية العامة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة مطالبة بضم هضبة السلوم حتى تصبح مدينة البردية ضمن الحدود المصرية بحيث يبدأ خط الحدود إلى الغرب من البردية متجها إلى الجنوب الغربي ثم إلى الجنوب ضاما شريطا عريضا يحتوي على واحة الجغبوب، وبوصول خط الحدود إلى أعماق الجنوب يتوسع ليشكل مثلثا كبيرا رؤوس أضلاعه (معطن سارة – أركينو – العوينات) بحيث تقع هذه الواحات كلها في الأراضي المصرية.

وقد قدمت الوفود المصرية خرائط تحتوي المناطق المطلوب ضمها. وقد انتهت هذه المسالة نهائيا بعد استقلال ليبيا.

المصالح الاقتصادية

لا شك بان مصر لديها مصالح اقتصادية في ليبيا ، وهي مصالح تعززها الجغرافيا حيث الحدود المشتركة بين ليبيا ومصر بطول 1150كم . وفي الوقت الذي وهبت فيه الجغرافيا لمصر نهر النيل كما يقول هيرودتس مصر هبة النيل ، فان الجغرافيا قد وهبت لليبيا موقع استراتيجي كبوابة لإفريقيا ، وثروة هائلة من النفط والغاز ، اكبر احتياطي للنفط في إفريقيا يبلغ 74 مليار برميل ، واحتياطي من الغاز يبلغ 178 ترليون قدم مكعب.

إنها ثروة لا يمكن لأي دولة في عالم القرن الواحد والعشرين أن تضعها خارج حساباتها الإستراتيجية، كما أن ليبيا ومنذ عهد القذافي كانت تستقبل أعداد كبيرة من العمال المصريين وفي ذلك منفعة للاقتصاد المصري ، بالإضافة الى أهمية السوق الليبي للمنتجات المصرية ، ففي الوقت الذي تنشط وتزدهر فيه الصناعة في مصر فان ليبيا تستورد غالبية احتياجاتها من الخارج ، ومصر تريد أن تكون لها حصة معتبرة من الواردات الليبية.

في أكتوبر عام 2018م صرح ناصر بيان رئيس الجمعية المصرية الليبية لصحيفة صدى البلد قائلا : “ أن حجم التبادل التجاري بين مصر وليبياشهدت تطورا خلال العام الجارى، على الرغم من انخفاضه بنسبة 57% خلال عام2015م ليعاود الارتفاع الطفيف مرة أخرى في عام 2017م لتصل إلى 103 ملايين دولار، وتحقق مصر فائضا في للميزان التجاري المشترك لصالحها “.
وأضاف بيان بقوله: “إن التبادل التجاري بين البلدين عاود الانخفاض مرة أخرى بنسبة 9.5% خلال الـ8 أشهر من عام 2018م لتبلغ صادرات مصر للسوق الليبي نحو 94.167 مليون دولار، وسجلت حجم واردات ليبيا للسوق المصري قيمة 11.326 مليون دولار، لتحقق مصر فائضا في الميزان التجاري لصالحها مع بقيمة 82.841 مليون دولار خلال العام الجاري“.

قد لا يعي الكثيرون من الليبيين والمصريين بأنه وراء التدخل المصري في الأزمة الليبية تكمن أهداف خفية غير معلنة ، وان برر النظام المصري تدخله في ليبيا بحجة مكافحة الإرهاب والخطر الذي يهدد الأمن القومي المصري من جهة ليبيا، فانه للحقيقة وجه أخر.

ففي ظل ارتفاع معدلات النمو السكاني في مصر يصبح هناك ضغط هائل على الموارد الاقتصادية ، في عام 2017م بلغ تعداد سكان مصر 104 مليون نسمة ، هنا تظهر حاجة مصر لمزيد من الموارد لإنعاش الاقتصاد المصري وتحقيق معدلات تنموية تواكب الزيادة الضخمة في عدد السكان ، أمام الحكومة المصرية العديد من البدائل لتحقيق التنمية وحماية الاقتصاد من الأزمات التي تنعكس على الأوضاع المعيشية للشعب وبالتالي قد تؤدي الى حدوث اضطرابات اجتماعية وقلاقل تهدد النظام السياسي الحاكم.

إلا انه يحدث أن يفكر أصحاب الأمر في الدولة في حلول أخرى ، مثل التوسع في دول الجوار للبحث عن موارد جديدة وبمعنى اصح الاستيلاء على أراضي جديدة وموارد جديدة ، هنا يمكن القول بوضوح بان تدخل مصر في ليبيا ودعم حفتر هو بدوافع كثيرة من أهمها العامل الاقتصادي ، تريد مصر أن تحل مشاكلها الاقتصادية على حساب الدولة الليبية.

في تصريح للسيد احمد المسلماني المستشار الإعلامي للرئيس المصري قال فيه : ” بأن الجهة الغربية عند ليبيا في عصرالقذافي تم حرمان مصر من ثروة طائلة كانت على أطراف أيادينا جهة الغرب ، لكن القذافي بدعم غربي كامل حرم مصر من تلك الثروة الطائلة أن تدخل في الاقتصاديات المصرية ، واليوم وبعد أن سقط القذافي لدينا أغنى دولة تقريبا في المنطقة ولن نسمح أن تضيع منا هذه الثروات مرة أخرى “.

انه بلا شك تصريح يوضح الأهداف والأطماع الخفية لمصر في ليبيا والتي تمكن ورائها دوافع اقتصادية.

نحن في ليبيا نؤمن بالتكامل الاقتصادي بين ليبيا ومصر، ونرحب بالتعاون المثمر، ونرى في مصر دولة مواجهة مع إسرائيل ونحن جناحها الغربي وواجب علينا دعمها سياسيا واقتصاديا ، إلا أن بعض رموز النخبة المصرية المرتبطة اليوم بنظام عبد الفتاح السيسي لا تريد أي تعاون مبني على الاحترام المتبادل ، والندية.

هناك نظرة استعلاء ، وتصريحات غير مسؤولة تفوح منها رائحة المكر. وانه في مصر هناك من يفكر في استغلال الظرف الصعب الذي تمر به ليبيا لتحقيق أجندات مشبوهة تتنكر للعلاقات التاريخية بين الشعبين في ليبيا ومصر.

البقية في الجزء التالي بدءً بـ (أزمة الاقتصاد المصري)

____________