Minbar Libya

بقلم د. المحبوب أبو علي

الوثيقة الدستورية السودانية التي وقعتها بالأحرف الأولى قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري في 4 أغسطس الماضي، تتضمن تفاصيل المرحلة الانتقالية التي تستمر 39 شهرا.

الجزء الأول

هذه الوثيقة تطرح عدة تساؤلات حول أسباب توقيعها، والسياق الداخلي والخارجي المحيط بها، ثم تحليل نصوصها في إطار قانوني وسياسي لا يعزل السياق عن النصوص، وصولا إلى أبرز التحديات التي قد تواجهها عند دخولها حيز التنفيذ بعد التوقيع النهائي عليها في 17 أغسطس.

السياق الداخلي والخارجي

من الواضح أن لهذا السياق دور هام في إنضاج هذه الوثيقة، والتي سبقتها العديد من الأطروحات بدأتها الحرية والتغيير بعد الإطاحة بالبشير في 11 إبريل الماضي، حيث قدمت في مايو الماضي وثيقة دستورية فلسفتها الأساسية تقوم، إن جاز التعبير، على نظام حكم برلماني، يكون الثقل التنفيذي والتشريعي لها وحدها عبر اختيارها حكومة كفاءات وطنية،

تكون لها صلاحيات سيادية مثل إعلان الطوارئ، إعلان الحرب، اختيار مجلس القضاء الأعلى في البلاد بعد موافقة المجلس التشريعي، وكذلك اختيارها بالكامل لمجلسٍ تشريعيٍّ لا يجوز حلّه، مع إلزام نفسها بأن تكون نسبة تمثيل المرأة به لا تقل عن 40%،

أما المجلس السيادي، الذي تعلم أنه العقدة الأساسية منذ إطاحة الرئيس عمر البشير، ولا سيما مع تأكيد المجلس العسكري، منذ بداية الأمر، رفضه مشاركة المدنيين، أو أن يكون تمثيلهم رمزياً شرفياً وليس أساسياً، في مقابل اقتراحها أن يكون ذا أغلبية مدنية بمشاركة عسكرية، وهو ما قوبل بالرفض، ما دعاها إلى إفراغه من مضمونه، عبر سحب عديد من صلاحياته لصالح الحكومة،

وهو ما شكل جوهر الاعتراض الأساسي للمجلس على هذه الوثيقة التي جعلت مؤسسة الدفاع والأمن خاضعةً للمجلس والحكومة معاً، على الرغم من أنها من أعمال السيادة فقط.

ثم جاء فض الاعتصام الدموي في 3 يونيو الماضي بمثابة انقلاب من العسكر على هذه المبادرة في نسختها المعدلة، وبالرغم من أنه ساد اعتقاد في حينها بأن هؤلاء باتت لهم اليد الطولى في مجريات الأمور، خاصة بعد الفض السهل للاعتصام،

إلا أن عدم استسلام قوى الحرية والتغيير لعملية الفض، وتنظيم مليونيات بصورة غير منتظمة، لاسيما تلك التي تمت في 30 يونيو الماضي،جعل كلا الطرفين يشعر بصعوبة الحل الصفري،

وهي ذات النتيجة التي توصلت لها الأطراف الإقليمية والدولية خاصة الداعمة للمجلس العسكري ” محور الإمارات والسعودية ” ما دفعها للتحرك، في محاولة لنزع فتيل الأزمة، بما يحفظ القدر الأكبر من مصالحها،

لذا عقد اجتماع سري لممثلين عن الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، مع ممثلين للطرفين، مهّد الطريق للاتفاق الذي جرى الإعلان عنه بإشراف مندوب الاتحاد الأفريقي والحكومة الإثيوبية في 5 يوليو 2019، والذي كان مقدمة للاتفاق السياسي في 17 يوليو الماضي ثم الوثيقة الدستورية الأخيرة 4 أغسطس التي تعكس إلى حد كبير ثقل كلا الجانبين وفق مبدأ الكل فائز.

والذي ربما نلاحظه في بنود كثيرة، منها على سبيل المثال طبيعة نظام الدولة هل هو برلماني ” وفق الحرية والتغيير “، أم رئاسي بمعنى صلاحيات واسعة للمجلس السيادي في ظل هيمنة عسكرية عليه، فرغم أن الوثيقة نصت صراحة على أن نظام الدولة برلماني(مادة 3/ فقرة 1)،

لكن نصوصها المختلفة تشير إلى أنه نظام خليط بين البرلماني والرئاسي، حيث أعطت صلاحيات هامة للمجلس السيادي سواء بصورة فردية أو مشتركة مع مجلس الوزراء سنتناولها بالتفصل لاحقا،

لكن في المقابل لم تعطه الحق في حل المجلس التشريعي، ونفس الأمر بالنسبة لعدم قدرة التشريعي على حل السيادي .

لكن في المقابل الحكومة التي هي أحد مؤسسات السلطة التنفيذية مسؤولة فرديا وجماعيا أمام المجلس التشريعي” 14/3″، الذي له حق سحب الثقة منها بأغلبية الثلثين ” 17/1/د” وهذا مأخوذ عن النظام البرلماني، وفي المقابل لا يجوز لأي جهة حل المجلس التشريعي، كونه مستقلا “23/1” .

ملاحظات الفصل الأول: الأحكام العامة

طبيعة الدولة

لعل الملاحظة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هو عدم النص على هوية الدولة، أو على نصوص الشريعة الإسلامية أسوة بدستور 2005 الذي جعلها مصدر التشريع للمسلمين، حيث اكتفت الوثيقة بالقول بأن السودان دولة ديمقراطية برلمانية تعددية لا مركزية” (3/1)، ونفس الأمر فيما يتعلق بعدم النص على اللغة الرسمية للبلاد. وهل هي العربية والانجليزية كما في دستور 2005، أم ماذا؟ ..

وبالطبع هذا الأمر مفهوم من أن الحرية والتغيير ربما ترغب في دولة مدنية علمانية، وليست مدنية ذات طابع إسلامي، بسبب الموقف الأيدولوجي للمكونات المهيمنة عليها من ناحية، وربما للتجربة السلبية لنظام البشير الذي كان يرفع شعارات إسلامية من ناحية ثانية.

لكن ستظل هناك إشكالية عند وضع الدستور الدائم، وهي مدى القبول الشعبي لفكرة العلمانية واستبعاد الشريعة، لا سيما أن الشعب السوداني في أغلبيته محافظ بطبعه.

ومما يرجح هذه المشكلة أن مفوضية وضع دستور البلاد للمرحلة ما بعد الانتقالية سيتم تعيين رئيسها وأعضائها من قبل المجلس السيادي بالتشاور مع مجلس الوزراء “مادة 38/ 3/ ج”، ما يعني أن تشكيل لجنة الدستور يتم وفق نظام المنحة من قبل السلطة التنفيذية، وليس الاختيار من قبل الشعب،

مما قد يزيد الشكوك بشأن هذا الدستور ومبادئه، وأنه يعكس فقط رؤى كل من المجلس العسكري والحرية والتغيير فقط.

في المقابل نجد أن الوثيقة تركز على فكرة المواطنة وعدم التمييز بين السودانيين على أي أساس ” اللون، الجنس، النوع، الدين، العرق،…. ”

أما الملاحظة الثانية في هذا الشأن فهي المتعلقة بفكرة العدالة الانتقالية في شقيها الجزائي، وطول المدة التي ستتم المحاسبة عليها ” 30 سنة منذ حكم الإنقاذ في يونيو 1989، حيث نصت المادة 5 فقرة 3، على أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والقتل خارج القضاء لا تسقط بالتقادم، بل تم التوسع في نطاق الجرائم لتشمل الجرائم الاقتصادية مثل جرائم الفساد لمالي (5/3)، وهو ما أكدته المادة (7/3) .

كما نصت المادة 67/ ز” على الشروع الفوري في إجراءات العدالة الانتقالية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لمنع الإفلات من العقاب، مع تقديم المسؤولين لها للمحاكم الوطنية والدولية.

ويلاحظ هنا عدة أمور:

1-أنه تم استبعاد جرائم الإبادة الجماعية التي جرت في دارفور، وربما السبب في ذلك عدم تقديم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو”حميدتي” أمامها، لكن يمكن أن يقدم فيما يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.

ونفس الأمر بالنسبة للبشير، هل سيتم تقديمه للمحاكمة الدولية، لا سيما أن المجلس العسكري رفض مطالب الثوار في هذا الشأن بعد سقوط البشير في إبريل الماضي.

2- الشروع الفوري في التنفيذ، مع طول مدة المحاسبة قد يجعل هناك استحالة عملية في التطبيق، لأن المتهمين قد يكونوا بعشرات الآلاف، ناهيك أن ذلك قد يدفع قوى الثورة المضادة إلى البحث عن طرق مختلفة لإفشال المرحلة الانتقالية، لأن استتباب الأمور قد يؤدي إلى تقديمهم للمحاكمة.

وقد حدث هذا في حالات أخرى مثل الأرجنتين، حيث تراجعت حكومة راؤول ألفونسين عن مسار الملاحقة القضائية لكبار قادة الانقلاب الذين يتحملون مسؤولية الإخفاء القسري لقرابة ثلاثين ألف مواطن في فترة الانقلاب العسكري لخورخي فيديلا من 1976-1983 بسبب انتشار الأعمال الإرهابية والتفجيرات التي كان يقف وراءها العسكر خشية اندلاع حرب أهلية في البلاد.

وعندما أدخلت الحكومة المدنية تعديلا على قانون العدل العسكري كمقدمة لمحاكمة المسؤولين في الدولة، ووجهت بتمرد من جانب القادة العسكريين وبالتعطيل المتعمد للمحاكم العسكرية، وحدث نفس الأمر حين تم تحويلها للمحاكم المدنية.

ملاحظات الفصل الثاني

لعل أبرز ملاحظات هذا الفصل ما يتعلق بالفترة الانتقالية ” 39 شهرا ” أي ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر (6/1)، وهي أقرب لاقتراح الحرية والتغيير في بداية الأحداث، حيث كانت ترغب في إطالة الفترة الانتقالية لحين استقرار المؤسسات السيادية والحياة السياسية بصفة عامة.

لكن الغريب أنها 39 شهرا، كما أنها لن تكن بالتساوي بين الطرفين ” العسكر 21 شهرا، والمدنيين 18 شهرا “، رغم أن المبادرة الاثيوبية التي تقدم ها أبيي أحمد اقترحت أن تكون المدة الانتقالية 36 شهرا مقسمة بالتساوي بين الجانبين، وهو ما قوبل بالرفض من المجلس العسكري الذي عمل على الالتفاف عليها.

وبمعنى آخر، فإن المجلس نجح في فرض وجهة نظره إلى حد كبير في هذا الشأن، وهو ما يؤكد أن المجلس السيادي ليس مجلسا شكليا وفق النظام البرلماني، ولكن مجلسا حقيقيا ربما يشكل عرقلة لباقي المؤسسات كما سنرى لاحقا.

أما الملاحظة الثانية فهي المتعلقة بالتركيز على عملية السلام خلال الأشهر الستة الأولي من المرحلة الانتقالية ( 6/ 2)، وستكون هذه المهمة من خلال مفوضية السلام التي يختارها المجلس السيادي بالتشاور مع مجلس الوزراء، كما تتم مراجعة ما تم من اتفاقيات سابقة بين هذه الحركات والحكومة لمعالجة ما بها من اختلالات ” 70/6″ .

وبالرغم من أهمية هذا الأمر، إلا أن بعض مكونات الحرية والتغيير مثل الجبهة الثورية التي تضم كلا من الحركة الشعبية فرع الشمال جناح مالك عقار، وحركة العدل والمساواة في دارفور جناح جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان جناح أركو ميناوي، اعترضت عليها كونها لم تدرج وثيقة رؤية السلام التي توصلت إليها الجبهة في يوليو الماضي مع الحرية والتغيير بأديس أبابا، بل شعرت الجبهة بالتهميش بعدها، خاصة فيما يتعلق بإقصائها عن المفاوضات التي سبقت التوقيع على الوثيقة الدستورية بفترة وجيزة.

ما جعلها تعلن رفضها لهذه الوثيقة، وتؤكد سعيها للضغط على الطرفين لإدراج رؤية السلام في الاتفاق النهائي في 17 أغسطس.

أما الملاحظة الثالثة في هذا الشأن فهي ما تتعلق بدولة الديمقراطية والمواطنة عبر الغاء القوانين والنصوص المقيدة للحريات أو التي تميز بين المواطنين على أساس النوع ” الفصل الثاني، مهام الفترة الانتقالية، فقرة 2″ .

بل إن فصل الحقوق والحريات في نهاية الوثيقة من أفضل ما جاء بها، حيث يعزز قيم الديمقراطية والوطنية،وعدم التمييز، والكرامة الإنسانية، فضلا عن عدم القبض التعسفي وتوقيف الأشخاص دون سبب، وعدم النص على الحبس الاحتياطي دون تهمة، وكذلك الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي، وتشكيل الأحزاب السياسية،وحرية العقيدة وما غير ذلك ” الفصل الرابع عشر المواد 41 وما بعدها ”

البقية في الجزء الثاني

_____________