Minbar Libya

(دراسة على عينة من الشباب الجامعي)

إعداد: د. صالح ‫الفيتوري السطي و د. محمد هدية درياق ‬‬

تهدف الدراسة إلي تقصي مستوى الاتجاهات السياسية للشباب الليبي من مناطق مختلفة في حالة عدم استقرار سياسي، وتستمد هذه الدراسة بياناتها من استبانة عددها (400N = ) استمارة، وزعت على عينة من الشباب للعام 2016/2017، تضم (29)مدينة بمختلف مكونات ليبيا، حددّت بخمس مناطق بالطريقة العشوائية، واعتمد البحث البرنامج الإحصائي (SPSS) لقياسها.

من نتائج الدراسة وجود بعض الاتجاهات السياسية المرتفعة منها الاتجاهات نحو الديمقراطية والسلطة، والمواطنة والانتماء, والاتجاه نحو التعصب والفاعلية السياسية، بينما كان هناك اتجاهات متوسطة مثل اتجاهات الاقتدار السياسي، والاتجاه نحو القانون، وتقبل أصحاب الأفكار المعارضة، وأخرى ضعيفة مثل الاتجاه نحو مؤسسات الدولة، والاتجاهات نحو المشاركة السياسية، كما تبين أن الإناث أكثر قبولًا للاتجاهات من الذكور، مع وجود علاقة عكسية بين قبول الاتجاهات وأصحاب الدخول الضعيفة والمرتفعة، وسكان مراكز المدن والمدن اتجاهاتهم أكثر إيجابية من غيرهم .

مقدمة

تعتبر الاتجاهات السياسية للشباب موضوعا ذا أهمية كونه ينقل الحقائق حسب وجهة نظر أصحابها، حيث تعتبر أحد أهم مخرجات التنشئة الاجتماعية في جانبها السياسي ، كما أنها المحرك والضابط الرئيسي للسلوك الفردي في المجتمع ، وتراكم المعارف السياسية والظروف المحيطة بالأفراد حول قضايا معينة في معظم ألاحيان تتبلور وتكون حالة من التأهب تجاه ألاحداث .

يعتبر (غوردون آلبورت) من أوائل المهتمين بمفهوم الاتجاهات، حيث عرّفها بأنها إحدى حالات التأهب والاستعداد العقلي والعصبي التي تنظمها الخبرة ، ولها فعل توجيه على استجابات ألافراد للجوانب والمواقف المختلفة، سواء إيجابا أو سلبا نحو وضع ما في البيئة التي تحدد قيما إيجابية أو سلبية لهذا التصرف،

وهو استعداد نفسي يتكون بناء على ما يمرّ به الشخص من مواقف إزاء شيء أو حدث أو قضية معينة تتخذ الاتجاهات إما بالقبول أو الرفض نتيجة مروره بخبرة معينة تتعلق بذلك الشيء أو الحدث أو القضية، ويتميز أيضا بأنه مكتسب وثابت نسبياً

وهي محددات ضابطة لسلوك الفرد، وأسلوب متسق في التفكير والسلوك وردّت الفعل تجاه ألافراد والقضايا الاجتماعية والسياسية، ويعتبره بعض العلماء من أهم المكونات الرئيسة لشخصية الفرد، فهو يساهم في تكوين الجزء الواقعي للسلوك.

وصف (غابريل آلموند) الاتجاهات السياسية بأنها نظرة الفرد للنظام السياسي بأجزائه المختلفة، وتقييم دوره في النظام كفاعل سياسي، وحدد لها مجموعة من ألابعاد منها نظرة المواطن إلى النظام السياسي بشكل عام ، والشعور القومي، ورؤيته لطبيعة الدولة التي ينتمي إليها، وتقيمه لوظائف المدخلات من خلال تحديد مدى إحساسه بفاعليته وتأثيره على القرارات الحكومية على المستوين المحلي والقومي، ومدي استجابته لمخرجات النظام السياسي من خلال معرفة آرائه حول القرارات والسياسات الحكومية، مع رؤية المواطن لمدى قدرته على التأثير في صنع وصانع قرارات الحكومة.

ويرى ألموند أن الميول السياسية كالثقة في المؤسسات وشاغلي المناصب، هو أمر قابل للتغيير لحد بعيد، بفعل الاختلافات في معدلات ألاداء السياسي .

و تتأثر الاتجاهات بثقة المواطنين في المؤسسات السياسية القائمة وحسب أدائها وفعاليتها، وإدراكه للآثار إلايجابية والسلبية التي تتركها العملية السياسية، أي تقدير الفرد للنظام السياسي وما يقدمه النظام، مع إحساس ما تقوم به الحكومة يؤدي إلى تحسين أحواله.

من هنا فإن الاتجاهات عملية ربط بين المعارف والعواطف والسلوكيات معا في تركيب منظم، على الرغم من أنها ليسا في اتساق تام فيما بينهما، مع التأكيد على أهمية العنصر السلوكي، لأن كل العوامل والمؤثرات السابقة تيهئ الاتجاهات وتحولها لسلوك.

للاتجاهات مجموعة من العوامل تسهم في عملية تغييرها، منها:

عوامل داخلية مثل التغيير في الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، أو تغييرالنظام السياسي والثورات والحروب ألاهلية.

عوامل خارجية تكون في أغلبها موجهة من مجتمعات ودول أخرى، غير أن الافراد ألاكثر انفتاحا على الخبرات أكثر تقبلا لتعديل أو تغيير اتجاهاتهم، في حين يكون تغيير الاتجاه أكثر صعوبة عندما يكون الأمر متعلق بالشخصية أو العقيدة

ونظرا لعملية التغيير السياسي في ليبيا (2011) وما صاحبها من عدم استقرار وفراغ أمني ترك أثرا في الاتجاهات، وجب دراستها للتعرف عليها وقياسها، وخاصة مع اختلاف كبير بين الحقبتين في نوعية ونمط وايدلوجية النظام السياسي.

لذلك اختلفت الدراسة عن مثيلاتها بأنها تقيس الاتجاهات السياسية للشباب في حالة عدم استقرار سياسي، مع محاولة تسليط الضوء على التغيير السياسي والتي بدورها أثرت على الاتجاهات السياسية للشباب.

ويهدف البحث إلى قياس مستوى الاتجاهات السياسية للشباب الجامعي في مجموعة من مناطق ومدن مختلفة في ليبيا تم تحديدها بخمس مناطق (الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط).

في محاولة لتوضيح طبيعة الاتجاهات من خلال قياس:

ـ الاتجاهات نحو مؤسسات الدولة، والاقتدار السياسي

ـ والاتجاهات نحو المشاركة السياسية

ـ والاتجاهات نحو القانون وتقبل أصحاب ألافكار المعارضة

ـ والاتجاهات نحو الديمقراطية والحكم

ـ والاتجاهات نحو المواطنة والانتماء

ـ والاتجاهات نحو التعصب.

وسعيا نحو إماطة اللثام عن طبيعة الاتجاهات السياسية للشباب تم تحديد إشكالية البحث في التساؤل التالي:

ما مستوى وطبيعة الاتجاهات السياسية للشباب الجامعي في ليبيا؟.

وللإجابة على هذه إلاشكالية تم تسطير الفروض التالية:

ـ مستوى الاتجاهات السياسية مرتفع لدي الشباب الذكورعن الشابات إلاناث، ـ يحمل الشباب اتجاهات مرتفعة من الثقة في النظام السياسي ومؤسساته وفي العملية السياسية برمتها،

التعصب السياسي والمشاركة السياسية مرتفعة عند الشباب.

تم تقسيم الدراسة إلي محورين هما :

المحور الأول: طبيعة ونتائج قياس الاتجاهات السياسية لشباب الجامعات

الليبية.

تناول هذا المحور قياس عدد من الاتجاهات السياسية في محاولة لقياس ردود فعل العيّنة حسب الجوانب المؤثرة التى تعرض لها، تم تحديد ثماني عشرة عبارة تغطي حسب اعتقادنا جوانب الاتجاهات المطلوبة, لقياس سبع مؤشرات، وبينت النتائج آلاتي:

1ـ الاتجاهات نحو مؤسسات الدولة:

وشملت قياس الاتجاهات السياسية نحو ـ ألاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ـ تعدد وضرورة تلك المؤسسات للمجتمع ـ تقييم مستوى عمل المؤسسات في ليبيا ـ عدل وإنصاف المؤسسات السياسية.

وبينت نتائج التحليل ما يلي:

أدور ألاحزاب السياسية:

أظهرت نتائج التحليل ضعف الدور الذي تقوم به ألاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في ليبيا حسب العينة، حيث أفاد74% من العينة بأن ليس للأحزاب أي دور، بينما أكد بعض أفراد العينة بأنها فاعلة وتقوم بدورها بالشكل المطلوب بنسبة 8%. ويرجع ضعف النتائج إلى أن ألاحزاب والعمل الحزبي جديد على المجتمع الليبي، مما ولد شعوربالشك وعدم الثقة.

بتنوع المؤسسات وتعددها ضرورة للمجتمع:

بينت نتائج التحليل رفض أغلبية العينة لمسألة التعددية في المؤسسات السياسية، حيث أكد60% من العينة أن التنوع والتعدد لا ضرورة له في المجتمع

في حين يرى 16% أن التعددية لها أهمية، في حين أكد نسبة 24% أنهم لا يهتمون لذلك.

تتقييم مستوى عمل مؤسسات الدولة:

أظهرت النتائج سلبية وجهة نظر العينة حول مؤسسات المجتمع المدني مع وجود فجوة بين المواطن ومستوى عمل تلك المؤسسات، حيث أفادت نسبة22% أنها تعمل لصالح الشعب، بينما أفادت أغلبية العينة بأنها تعمل من أجل تحقيق مصالح أخرى بنسبة 54% ، وهذا ناتج عن غياب دورالجهات الرقابية واستشراء الفساد نظرا ً لانقسام الدولة وانشطارها بين المصلحيين والانتهازيين والطامعين, و زاد من ذلك الاعتقاد صدور تقارير هيئة الرقابة إلادارية والمالية تبين الاختلاس والفساد إلاداري والمالي.

ثعدل وإنصاف مؤسسات الدولة:

أوضحت النتائج أن المؤسسات الحكومية ليست عادلة ولا تنصف الفقراء بنسبة 69% في حين يري 12% بأنها عادلة وتنصف الفقراء، ويرجع ذلك إلى سيطرة مجموعات مسلحة على بعض المقرات العامة وفرض شروطها على الحكومة، وتحكم مجموعات وأفراد في بعض مؤسسات الدولة.

2 –قياس اتجاهات الاقتدار والفاعلية السياسية نحو النظام ومؤسساته:

ويقصد به ثقة الفرد بنفسه وقدرته على التفاعل مع ألاحداث السياسية التي يتعرض لها، وتقييم عمل الحكومة، وتقدير نفسة كفاعل مؤثر في الحياة السياسية واهتمام الحكومة بالملاحظات التي يبديها، وحول ذلك تم تحديد جانبين هما: (فاعلية الشباب في الحياة السياسيةحق مرقابه الحكومة).

وتبين من التحليل النتائج التالي:

أفاعلية الشباب في الحياة السياسية:

أظهرت النتائج أن نسبة 43% لديهم ثقة كبيرة في أنفسهم والقدرة على إحداث تغييرات سياسية، في حين أفادت نسبة 35% بأنهم ليس لهم أي دور سياسي، ويرجع ذلك لنجاح وفاعلية الشباب في القدرة على التغيير السياسي واعتزازهم بعملية التغييرالتي حققوها.

بحق المواطن في مرقابة الحكومة:

كون أن الفرد نفسه كمتابع سياسي ومهتم بمراقبة الحكومة ومتابع لأخبارها واجتماعاتها وقرارتها، يعتبر ذلك مهم جدا في خلق اتجاهات ايجابية.

لقياس ذلك تم طرح سؤال على العينة، حيث بينت النتائج بأن أغلب الشباب الجامعيين لديهم الثقة في انفسهم كفاعلين سياسيين، حيث أكدت نسبة 62% منهم أن هذا الحق هو من حقوق المواطن في المجتمع، في حين أظهرت نسبة 23% بأن لديها شك في ذلك.

يتبع في الجزء التالي بدءً بـ (3- قياس الاتجاهات نحو المشاركة السياسية):

***

د. محمد هدية درياق كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة بني وليد

د. الفيتوري صالح السطي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة بني وليد

_______

المصدر: مجلة اتجاهات سياسية، العدد الثامن أغسطس 2019.