Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

لو اختار أي متابع للأوضاع في ليبيا أن يكتب بالتفصيل والتدقيق حول علاقة اللواء المتقاعد “خليفة حفتر” بــ”أتباع القذافي” لاضطر لكتابة مجلدين أو أكثر إضافة إلى ملاحق ووثائق مهمة تهم تاريخ ليبيا منذ انقلاب سبتمبر إلى تاريخ هزيمتهم في غريان (أي يوم إفتكاك قوات حكومة الوفاق لمدينة غريان الإستراتيجية).

وفي ظل تأكيد مصادر عدة أن بعض من الضباط العسكريين من أتباع القذافي قد فكّروا عمليّا في التخلص من حفتر ساعات بعد دخوله المخطط له لطرابلس والذي حُدِّدَ بمساء السادس من ابريل/نيسان الماضي.

هذا الحديث يتماهي مع نقاشات بين قياديين في تجمعات أتباع القذافي في العاصمتين التونسية والمصرية منذ عام 2015 وقد كان حديثهم لأتباعهم يومها أنهم سيركبون موجة حفتر مرحليا وانه يوم يتحقق الهدف سيكون حفتر أول ضحاياهم.

وإن كان قدر الليبيين هو المصالحة بين جميع الأطراف دون استثناء ( النظام الملكي، وانقلاب سبتمبر، وثورة فبراير) على طاولة واحدة لرسم مستقبل دولة مدنية ذات سيادة ودفن آلام الماضي بأخطائها ومآسيها، فان العلاقة بين اللواء المتقاعد ورفاقه من “أتباع القذافي” بقيت جدلية وتتسم بالغموض طوال المراحل الثلاثة التالية:

الأولى: منذ كان حفتر شريكا للقذافي في انقلاب 1969 على الملك إدريس السنوسي، إلى أن أسره في حرب تشاد عام1987

الثانية: منذ انشقاقه عن القذافي وهو في الأسر بعد طلبه من الرئيس التشادي يومها “حسين حبري”، لفك أسره للالتحاق بأهم حركات المعارضة الليبية، التي كانت تسعى يومها للإطاحة بالعقيد وهي “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا”، إلى أن انشق عنها عام 93 وبقي مقيما في ولاية فرجينيا حتى انتفاضة فبراير عام 2011.

الثالثة: منذ انتصار ثورة فبراير، وبعد وقبل عام 2014 عند إطلاقه عملية “الكرامة” واعتماده على أهم أتباع القذافي سواء كانوا عسكريين أو أمنيين أو مدنيين من سياسيين من أعضاء “حركة اللجان الثورية” المنحلّة والذين هربوا إلى مصر وتونس أساسا.

عمليا بقيت العلاقة بين الطرفين يسودها الغموض وسط سؤال يردده أتباعه وخصومه ويردده كل المتابعين اليوم للتطورات في ليبيا وهو:

هل وظف حفتر أنصار القذافي لمصلحته؟ أم هم الذين وظفوه لصالح عودتهم بالتدريج إلى حكم ليبيا؟ ومن منهما اليوم يتحكم في الآخر؟

أهمية السؤال تنبني على تساؤل آخر:

من هي الأطراف التي ستتفاوض في ظل عودة الحديث عن ترتيب مؤتمر دولي جديد حول ليبيا يعقبه مؤتمر ليبيليبي.

هل ظل حفتر من أتباع القذافي رغم كل ما حدث منذ أسره في تشاد؟

كل تاريخ حفتر يتسم بالغموض وان كانت مرحلة مشاركته في انقلاب سبتمبر 1969 تتسم بنوع من الوضوح في تفاصيلها من حيث محطاتها وتواريخها واصطفافاته السياسية والعسكرية وميولاته الفكرية (وهو في شبابه أقرب لفكر “البعث” من حيث الميل السياسي، ذلك أنه عسكري أكثر منه سياسي ولا قدرات فكرية له حتى أنه لم يكتب تقريبا أي نص طوال حياته).

تبدأ مرحلة الغموض في مسيرة حفتر بعد افتككاه من الأسر والتحاقه بالمعارضة الليبية، فهو قد شغل موقع المسؤول العسكري الأول في “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” حتى خروجه منها عام 1993.

وبعيدا عن كتابة تاريخ الرجل، فان هناك نقاط استفهام حول لقاءاته بـ”عبدالمنعم الهوني” و”أحمد قذاف الدم” في سويسرا قبل وبعد محاولة انقلاب “ضباط ورفلة” في بداية التسعينات وحول تردده على مصر وربما ليبيا رغم إقامته الدائمة في أمريكا.

المهم في كل ذلك أن حفتر لم يتخلص من أتون العقلية “القذافية” في سلوكه السياسي سواء نسّق مع النظام في مرحلة ما بعد 1993 بشكل مستمر أو في بعض المحطات اللاحقة.

ويبقى السؤال كيف أدار حفتر علاقاته مع أطراف إقليمية ودولية يومها؟ وهي نفس الأطراف التي تدعمه اليوم سواء كانوا حلفاء إقليميين أو دوليين (فرنسا) وأطراف أمريكية بعينها إضافة إلى مصر ودول خليجية (الامارات والسعودية)، أو حتى مع أطراف لا تظهر في واجهة الأحداث ولكنها أكثر فاعلية في بعض السياسات الدولية (روسيا)؟

واقع وحقيقة العلاقات بين حفتر وأتباع القذافي بعد 2014

ليس هناك أي غموض ظاهر في عموميات العلاقة بين “أتباع القذافي” و”حفتر” منذ 2011 فهو قد تنكّر لهم واعتبر نفسه محرّرا ليبيا من القذافي وأنه من قادة ثورة”فبراير” حتى نهايات 2012.

وقد بدأ في التحرك المرتّب له بدقة بداية عام 2013 وصار ينسج علاقات في ليبيا وتونس ومصر مع وجوه عديدة من “أتباع القذافي” وخاصة في بداية إنشاء ما سماه يومها بـ الجيش الوطني الليبي، ثم مناداته المستمرة والمتكررة بضرورة انشاء مجلس عسكري أعلى أثناء نقاشاته مع كل الأطراف

السؤال هو: كيف خُدِعَت وزارة الدفاع يومها بتك الحيلة المدبرة؟

الثابت أن “حفتر” ليس فقط هو عسكري انقلابي بل هو مشروع إقليمي ودولي في ليبيا وان وُسم ذلك المشروع بأنه ليبي، وكان ذلك واضحا منذ فبراير 2014 وهو تاريخ تحركه وبياناته المتلفزة ووضوح اصطفافه الإقليمي وركوبه موجة الثورة المضادة في المنطقة.

وهنا بدأت شخوص من فلول نظام القذافي الالتحاق بصفتهم كأفراد عسكريين وعبر وساطات وعلاقات داخلية وإقليمية، وقد وظف حفتر شعور أتباع القذافي بالهزيمة والاندثار فأعادهم محاربين معه، ووظفوا هم موقعه من تيار فبراير بين 2011 و2013 لتكتمل الصورة في سياقات خطط كل طرف تجاه الآخر بناء على خلفية أن كل من الطرفين في حاجة للآخر.

اختلف “أتباع القذافي” في طرق إسناد حفتر، خلال سنوات 2014-2017 أي حتى السيطرة على “بنغازي”، ولكنهم اختلفوا أكثر بين عامي 2017 و2019، فمنهم من أصبح في صف حفتر نهائيا، ومنهم من تحوّط واحتاط في علاقته بحفتر وأتباعه رغم السند الظاهر ورغم أن أغلبهم ذهب معه للجنوب وناصروه في خطوته، وأيضا في قدومه مهاجما جنوب العاصمة في الرابع من أبريل 2019 .

معركة طرابلس .. وبداية القطيعة والتصفيات بين حفتر وأتباع القذافي

مما لا شك فيه أن كل حلفاء حفتر بما فيهم “أتباع القذافي” اعتقدوا أن دخول حفتر لطرابلس بات أمرا واقعا، وان خاتمة الأمر ستكون مساء السادس من أبريل، ورغم تعدد محطات المحاولة أي في 21 أبريل و 20 رمضان (25 مايو) و18 يونيو و9 أغسطس، فان الخلافات تطورت وتراكمت بين الطرفين الحليفين والمتمايزين وخاصة بعد خسارة قوات حفتر لـ”غريان” يوم 27 يونيو 2019.

عمليا أبرزت حوادث القتل الغامضة التي تستهدف قادة قوات حفتر في بنغازي وجنوب طرابلس عمق الخلافات بين حفتر و”أتباع القذافي” حيث أثارت جدلا واستنكارا في صفوف أتباعه.

ولعل حادثة مقتل آمر القوة الثالثة المساندة للواء 21 “خالد أبو عميد” وخمسة من حرّاسه، في ظروف غامضة بعد ساعات من العثور على جثة “كمال بن مبارك(آمر السرية 20 في قوات حفتر)، في أحد المقار بمنطقة سوق السبت المحاذية لمدينة ترهونة جنوب شرق طرابلس.

كما أن انتماء القياديَين القتيلين لقبيلة ورشفانة، واستنكار رئيس المجلس الاجتماعي لقبيلة ورشفانة، “المبروك أبو عميد” حادثة الاغتيال، والتي وصفها بالغادرة، متهما منفّذيها بالخونة، مطالبا قيادة قوات حفتر، بـ”تحمّل مسؤولياتها والقبض على القتلة المجرمين والمأجورين”، ومطالبا شباب ورشفانة بـ ضرورة تحكيم لغة العقل.

ليست تلك الحادثة، هي الأولى التي يقتل فيها قادة عسكريون من ورشفانة إذ اغتيل العميد مسعود الضاوي، أبزر قادة القبيلة والقيادي البارز في قوات حفتر، في نهاية مايو/أيار الماضي، في ظروف غامضة، وكل ذلك مداره خلافات غير معلنة ومتكتم عنها بين أتباع القذافي وأتباع حفتر.

ورغم نعي قيادة قوات حفتر للضاوي، إلا أنها لم تعلن عن أي تحرك للتحقيق في حادث مقتله، ومعلوم أن قبيلة ورشفانة تُعد من كبرى القبائل الليبية وعُرفت منذ اندلاع ثورة فبراير بموالاتها للقذافي ثم لحفتر والزج بالمئات من شبابها للقتال في صفوف كتائب كل منهما ضد الثوار.

كما كونت القبيلة جيشا عُرف بـ”جيش القبائل” عام 2014، والذي دخل معارك لأشهُر ضد مقاتلي “فجر ليبيا” التي استهدفت الكتائب الموالية لحفتر المتواجدة في طرابلس وقتها.

خلال عامي 2016 و2017، عيّن حفتر العميد عمر تنتوش الورشفاني” (أحد أبرز ضباط النظام السابق)، آمرا لمنطقة ورشفانة العسكرية، قبل أن يُقيله على خلفية رفضه أوامر عسكرية صادرة من حفتر وقتها.

ومنذ ذلك الوقت بقيت مليشيات ورشفانة خارج الأحداث، حتى إعلان حفتر حربه الحالية على طرابلس، حيث كوّنت مليشيات ورشفانة أحد أبرز قواته التي هاجمت المناطق المحاذية لأراضيها غرب طرابلس، قبل أن تتمكن قوات حكومة الوفاق من استرداد تلك المناطق، وهي “السواني” و”الكريمية” و”الزهراء”.

أغلب المتابعين أكدوا أن “سياسة القتل الممنهج لدى حفتر، التي تستهدف قياداته، ليست جديدة…”، مشيرا إلى أن العديد من الأسماء البارزة قديما وحديثا اختفت من الساحة، كما أن بعضهم أشار إلى تغييب اللواء عبد السلام المسماري (الآمر السابق الغرفة المركزية لقيادة القتال ضد طرابلس)، وهو ما حدث أيضا مع اللواء فوزي المسماري الذي كان أبرز قادة الكرامة في معارك جنوب طرابلس.

يُمكن التأكيد أن الفرق في تعاملات قيادة حفتر هو أن القادة المنتمين لشرق ليبيا يمكنه اعتقالهم وتغييبهم، بينما قادة غرب البلاد، وبحكم سيطرته النسبية هناك، فالاغتيال هو الطريق الوحيد لإزاحتهم، والثابت هو وجود ارتباك كبير في صفوف قوات حفتر.

إلا أنه يرى أن “اغتيال قادة قبيلة تنتمي للنظام السابق يعني أنه يسعى إلى تحييدهم، ما يعني نشوب خلافات بينهم في الكواليس، وأن فصيلا جديدا سيبرز قريبا في أرض المعركة، كما يمكن الجزم أن “موجة الاغتيالات إن كانت تستهدف أتباع النظام السابق فمن الطبيعي أن تستهدف قادة ترهونة، فهم الآخرون من أنصار هذا التيار، ويمكن الاستنتاج أن موجة الاغتيالات تظهر خلافات خارجة عن السيطرة”، مضيفا، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن “حفتر أحوج ما يكون في حالة الضعف العسكري التي يعيشها إلى كل مقاتل وقائد.

مما لا شك فيه أن الخلافات تاريخية وقديمة بين “ورشفانة” و”ترهونة”، ولجوء الأولى إلى مناطق ترهونة بعد فقدان مناطقها التي استردتها قوات الوفاق زاد من حجم الخلافات، ولا يمكن تغييب أن كل الاغتيالات وقعت في ضواحي ترهونة، ومما لا شك فيه أن إبعاد حفتر لقادة سابقين، مثل “الحاسي” و”المنصوري”، تسبب في ضعف سيطرة حفتر على قيادة المعركة، وبالتالي فنشوب خلافات تصل إلى حد الاغتيالات أمر جد مرجح في ظل وعي الطرفين أي (أتباع حفتر – أتباع القذافي المضمرين لحفتر العداء رغم التحالف المرحلي معه)، تربص خصمه به خلال المرحلة الحالية .

الخلاصة

تاريخ حفتر يسوده الغموض وهو غموض شبيه بغموض كل مرحلة قيادة القذافي لليبيا طوال أربع عقود ومما لا شك فيه أن “أتباع القذافي” لم يكونوا يوما وحدة متكاملة حتى في ظل حكم القذافي والذي تعمّد ذلك بل وصنعه وخطط لذلك التشتت ووظفه.

تتتالي الأحداث بعد 2011 ثم بعد 2014 وطبيعة التطورات كلها فتحت ثنايا عديدة لتلك الأطراف من “أتباع القذافي” فتوحدت من جهة على المدى المرحلي والتكتيكي ولكنها زادت تشتتا من حيث ارتباطاتها المحلية والإقليمية والدولية ومن حيث تركيبتها وذهنيتها، فسهّل عمليا توظيفها داخل وخارج ليبيا وضد حفتر ومعه.

سيبقى أتباع القذافي أسرى لتحالفات حفتر وفي خدمته حتى لو أيقنوا بغدره لهم وسترتبط آفاقهم المستقبلية بموقعه المستقبلي خاصة وأن كل مشروع حفتر وظيفي بالأساس لا في ليبيا فقط بل في كل المنطقة ضمن سياقات أخرى من بينها صفقة القرن والمشاريع المستقبلية سواء كانت إقليمية أو دولية.

وان اعتقد أتباع القذافي أنهم وظفوا حفتر فهو من وظفهم ويسقطون دائما في أن يكونوا موالين له حتى تحترق أوراقه كمتمرد، وعندئذ سيوَظَّفون في المشروع المعوض له وان بأشكال أخرى لان فكرهم وطابعهم السياسي لا يمكن أن يكون إلا وظيفي ويستثنى من ذلك الطيف الوطني من أتباع القذافي وهم كُثر عدديا وقلة كسياسيين.

***

على عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

____________

المصدر: صحيفة  التونسية بتاريخ 29 أوت / أغسطس 2019