Minbar Libya

المصالح التركية في ليبيا

في هذه الورقة نحاول أن نضع تصور للسيناريوهات المتوقعة في المشهد السياسي الليبي نتيجة هذا الصراع المصري التركي.

الجزء الرابع

تركيا صاحبة الاقتصاد رقم 16 في العالم والطامحة لان تحتل المرتبة 12 عالميا بحلول عام 2030م لا تستطيع أن تدير ظهرها لدولة مثل ليبية غنية بالنفط والغاز .وقد وهبتها الجغرافيا موقع استراتيجي لتكون أهم بوابة لإفريقي

كما أن تركيا وهي تتجه لان تصبح قوة إقليمية مؤثرة في منطقة الشرق الأوسط واسيا الوسطى والبلقان وتتعرض بسبب ذلك لأجندات وسياسات معادية تستهدف النيل من دورها وقوتها الصاعدة ، هي بلا شك تحتاج لان تتواجد على الأرض الليبية ، وان يكون لها مكان بارز في لعبة الصراع على المصالح والنفوذ .

أولا / العلاقات الليبية التركية ... نبذة تاريخية

عندما يتحدث اردوغان أو أي مسؤول تركي عن ليبيا، فإنهم لا ينطلقون من نظرة براغماتية تتعلق بمصالح تركيا الاقتصادية اليوم في ليبيا والعقود الموقعة منذ عهد معمر القذافي فقط، بل هناك حقائق تاريخية تفرض نفسها تؤكد أهمية ليبيا بالنسبة لتركيا وريثة الدولة العثمانية.

الوجود التاريخي للأتراك في ليبيا كان بدوافع سياسية واقتصادية ، وبالتالي فان التاريخ بما فيه من أحداث ووقائع وسياسات يفرض نفسه على صانع القرار السياسي، بحيث لا يمكن عزل سياسات الدول اليوم ومصالحها عن التاريخ.

في عام 1551م دخل العثمانيون إلى ليبيا ، واستمر العهد العثماني الأول حتى عام 1711م عندما أسس احمد باشا القره مانلي نظام حكم وطني واستقل عن الدولة العثمانية ، واستمرت الدولة القره مانلية حتى عام 1835م ، حيث انهارت وعاد العثمانيون إلى ليبيا واستمر العهد العثماني الثاني حتى عام 1911م .

ما يهمنا في تاريخ العلاقات الليبية التركية هو فترة العهد العثماني الثاني لأنها فترة غنية بالأحداث ، وشهدت صراع الدول العثمانية مع الدول الأوروبية الطامحة في السيطرة على ثروات ليبيا ودول المنطقة.

وهي فترة تاريخية هامة يمكن أن نتعلم منها الكثير في محاولة لفهم سياسات الدول الأوروبية وأجنداتها في عالمنا اليوم .

بعد استكمال تأسيس الإدارة العثمانية في ليبيا عام  1858م  كانت غاية خدمات الدولة العثمانية توفير الرخاء وتوطيد الأمن واستكمال فرض السيادة العثمانية على فزان وما وراءه من بلاد السودان ، والاهتمام بالتجارة الصحراوية وتحسين العلاقات السياسية مع بلاد السودان، وترسيم الحدود مع فرنسا.

وكانت تلك الأهداف سبباً لظهور السياسة التركية الصحراوية وبروز مشكلة الهنترلاند الليبي التي شغلت اهتمام السياسة التركية بين عامي  1890م-1918م وعليه، فقد قامت إستراتيجية الإدارة العثمانية في ليبيا تجاه مناطق ما وراء الصحراء على ما يلي :

1-استكمال عمليات فرض السيادة العثمانية على فزان وما وراءه من بلاد السودان:

أدركت السلطات السياسية العثمانية في طرابلس أن إقليم فزان وما وراءه من بلاد السودان هو المجال الحيوي لتوسع النفوذ السياسي والاقتصادي لسلطات طرابلس، وذلك لوجود مصر في الشرق بقوتها الحديثة في عهد أسرة محمد علي، وفي الغرب تونس التي كانت تحكمها الأسرة الحسينية وترتبط في الوقت نفسه مع السلطات الليبية بعلاقات حميمية.

ويرجع اهتمام العثمانيين بمراكز التجارة الصحراوية في غدامس، وغات، ومرزق، وما وراءها من أسواق بلاد السودان بداية من فرض السيادة العثمانية المباشرة على فزان في عام  1842م  وغدامس في عام  1843م  وغات في عام  1872م  ومن ثم على باقي دواخل الولاية.

وكان العثمانيون يتطلعون إلى أن تصبح الطرق التجارية مع بلاد السودان تحت سيطرتهم ليتمكنوا من فرض الأمن والاستقرار في دواخل الولاية، لذلك عملوا على مد نفوذهم على القبائل البدوية في الواحات الصحراوية الرئيسية، وقد أزعجت هذه التحركات العثمانية في المنطقة الجنوبية من ليبيا الفرنسيين.

وأدرك هؤلاء ضرورة متابعة تحركات الدولة العثمانية في ذات المجال الصحراوي، خاصة الظهير الليبي، والإسراع بالاستيلاء على الواحات والطرق الرئيسية موسعين بذلك الرقة التابعة لسلطتهم خلال المرحلة ما بين عامي  1852- 1872، هادفين إلى التحكم في تجارة بلاد السودان في محاولة لاجتذاب القوافل إلى مناطق سيطرتهم.

وأمام هذا التطور الذي هدد المصالح التقليدية التجارية والسياسية للسلطة العثمانية المحلية في ليبيا والمركزية العثمانية في إسطنبول ، فقد نظرت السلطتان إلى تلك التحركات نظرة توجس، وهو ما دعاها إلى التحرك مواجهة لهذا الوضع الطارئ.

وفي البداية كان موقف الباب العالي من مسألة مواجهة السياسة الفرنسية في أفريقيا الوسطى، المجال الحيوي للدولة العثمانية وولايتها في طرابلس يتسم بالتريث وتجنب المواجهة المباشرة مع فرنسا مع وقوفها على حقيقة الأطماع الفرنسية في مجال النفوذ العثماني .

بيد أن تزايد الأطماع الفرنسية في بلاد السودان جعلت التدخلات الدبلوماسية البريطانية المنبهة للدولة العثمانية لمخاطر المساعي الفرنسية في أفريقيا الوسطى تجد قبولاً لدى الباب العالي.

وعلى أثر ذلك بادرت السلطات العثمانية بإصدار أوامرها للتحقيق في هذه المسائل عن طريق والي طرابلس محمود نديم، الذي عرف بتقديره للمخاطر الفرنسية في المجال الحيوي الليبي، وكان مؤمناً بضرورة بسط السيادة العثمانية الليبية على السودان الأوسط.

وبعد أن درس الوالي المذكور المسألة اقترح ضرورة إتباع نظام إداري جديد يطبق على القبائل الليبية والسودانية في الصحراء كي يسود الأمن التام في طرق القوافل للحيلولة دون إيجاد أي مبرر قد تستغله فرنسا ذريعة لتدخلها في المنطقة.

ويقوم هذا النظام الذي اقترحه الوالي المعني على ما يلي: ” التساهل مع التجار الصحراويين من عرب وسودانيين وكسب ودهم، وفصل غدامس عن الجبل إدارياً، ورفعها إلى مستوى قائم قامية، وتعيين موظف لإدارة أعمالها تتوفر فيه الخبرة والكفاءة، وكذلك إعفاء التجار الغدامسيين من الضرائب والرسوم الجمركية “.

واتجهت السياسة العثمانية إلى التوسع في الصحراء الأفريقية وتحقيق نجاح هام في كسب مناطق جديدة بعد عام 1875م واشتد التوسع التركي في الصحراء في عهد متصرف فزان مصطفى فائق باشا الذي حكم بين عامي 1879-1885. وكان من أهم إنجازاته ضم جانت الواقعة جنوب غات وهي سوق للطوارق وقضاء الأزقر إلى الحكم العثماني.

ثم تابع المتصرف المعني سياسة التوسع في الصحراء، فألحق التبو، والكاوار بالحكم العثماني، وشكل منهما بالإضافة إلى تيبستي قضاءً جديداً عرف باسم قضاء تبو – رشادة عام 1881م لسد المجال أمام فرنسا للولوج إلى السودان وتسهيلاً للتوسع العثماني نحو توا والمغرب.

لكن استيلاء بريطانيا على مصر في عام  1882م  دفع الدولة العثمانية لتحسين علاقاتها مع فرنسا، وتهدئة الأوضاع في مناطق التماس بينهما في الصحراء، وهذا ما دعا الدولة العثمانية إلى اتخاذ سياسة سلبية أفريقيا، ورفض الاستجابة لدعوة سلطان برنو بتسلم ملاحة بيلما في عام  1884م .

ومع بدايات العقد الثامن من القرن التاسع عشر أخذت المطامع التركية في أفريقيا الوسطى تصطدم بالمصالح الفرنسية، وأدركت تركيا بصفة جدية نوايا فرنسا الجادة في التوسع في الصحراء لذلك، بادرت تركيا بإرسال الحاميات التركية إلى مناطق: تيبستي، والبوركو، والوادي تعزيزاً للوجود العثماني في تلك المناطق.

ويبدو من عدة قرائن مختلفة أن الأتراك قد حاولوا في الأعوام العشرة الأخيرة من حكمهم وسيادتهم على ليبيا مضاعفة جهودهم للتوغل في أفريقيا ومنها: العمل على احتلال إقليم التبو احتلالاً دائماً ثابتاً في عام  1906م  وإرسال بعثة الكابتن عبدالقادر جامي بك العسكرية والسياسية إلى غات في ذات السنة، وهي البعثة التي عبرت عن الرغبة في بذل نشاط أقوى وأكبر لبسط النفوذ التركي بين طوارق الأزقر إلى الغرب والجنوب من غات.

وكانت القيادات المحلية السنوسية والولاة العثمانيون في طرابلس حريصين على الحصول على الدعم العثماني المركزي لمواصلة سياستهم الأفريقية المحلية في مواجهة فرنسا عسكرياً في حوض تشاد وبلاد النيجر بين نوفمبر 1901 – ويناير 1902.

تلك المواجهة التي اشتركت فيها عناصر أفريقية وطنية إلى جانب أشقائهم الليبيين بقيادة زعماء من السنوسيين، من بينهم أحمد الشريف وعمر المختار وعبدالله السني ومحمد البراني، ومحمد السني، وصالح بوكريم، ومحمد بن عقيلة

2- ترسيم الحدود الجنوبية مع فرنسا وظهور مشكلة الهنترلاند الليبي 1890م-1911م

الحدود بين ليبيا وبلاد السودان لم يكن لها قبل نفاذ الاستعمار الأوروبي إلى وسط أفريقيا أية دلالة سياسية، وكانت أهمية الحدود قاصرة على النواحي الإدارية وحدها.

وظهرت الأهمية السياسية لهذه الحدود مع الحركة الاستعمارية التي سعت إلى الاختطاف الدولي لأفريقيا منذ مؤتمر برلين عامي  1884م-1885م وتتبع الدراسة تطورات السياسة العثمانية تجاه الحدود منذ عام 1890م حتى عشية فقدان السيادة العثمانية على ليبيا سنة 1911م.

بدأت تظهر بوضوح الآفاق الجديدة للسياسة الاستعمارية الأوروبية في أعقاب مؤتمر برلين المذكور وتجددت في هذه المرحلة روح التنافس الاستعماري الفرنسي البريطاني على مناطق النفوذ في أفريقيا الوسطى والغربية، بخاصة منذ عام 1890م.

وحدثت تغيرات في السياسة الاستعمارية البريطانية تجاه الدولة العثمانية، حيث كانت بريطانيا منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى مؤتمر برلين تعترف بوحدة ممتلكات الدولة العثمانية، وتعارض أي توسع فرنسي في الصحراء على حساب الدولة العثمانية.

ولكن هذا الموقف تبدل وبدأت تظهر سياسة تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا في اتفاقيات وتعهدات عقدتهما الدولتان بين عامي  1890م و 1899م.

3-الاتفاقيات الفرنسية البريطانية حول الحدود “1890- 1898 – 1899” وموقف الدولة العثمانية منها:

وُقع  الاتفاق الفرنسي البريطاني الأول في أغسطس عام  1890م  ويعد هذا الاتفاق هو الأول من نوعه فيما يتعلق بتحديد مناطق النفوذ بين البلدين فيما بين النيجر من ناحية وتشاد والنيل من ناحية أخرى.

وفيما يخص حدود ولاية طرابلس فقد بقيت كما هي، حيث حفظ الاتفاق حقوق السلطات العثمانية في فزان، كما هي واردة في مذكرة التبادل بين سالسبوري، ووارنجتنون، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع الباب العالي من الاحتجاج لدى الدولتين والمطالبة بالحقوق العثمانية في الهنترلاند الليبي .

ولم تبد الدولتان بريطانيا وفرنسا اهتماماً للاحتجاج التركي وسارتا في طريق توقيع اتفاقية جديدة تصحيحية في يونيو عام  1898م وذلك لتعديل الاتفاق الأول،وكان أهم ما جاء في هذه الاتفاقية بخصوص الحدود الليبية، هو إقصاء فزان عن مناطق النفوذ الفرنسي، ويلاحظ أن هذه الاتفاقية قد أنهت تحديد الحدود الليبية الجزائرية ولم تتعرض للاختلافات حول الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية.

وكانت تركيا قد احتجت على الاتفاق البريطاني الفرنسي المذكور في نقاط محددة قد أرسلتها إلى الحكومتين عن طريق سفيريها في لندن وباريس في 3 أكتوبر عام 1898م  مجددة مطالبها التي تشمل بالإضافة إلى الأراضي المدارة مباشرة عن طريق حكومة طرابلس، مثل:

غدامس، غات، بلاد الأزقر، مرزق، القطرون، تجرهي، كل الأراضي الأخرى الواقعة إلى الجنوب حتى تشاد والكاميرون وحوض الكونغو إلى الغرب حتى درجة 6 من خط الطول، وفي الشرق حتى دارفور، وهذا هو الهنترلاند الليبي المعلن من قبل الحكومة العثمانية ويشمل بالإضافة إلى بوركو، وتيبستي، ولوجرحي، ووداي، والأونيانجا أيضاً، طريق القوافل الكبير الذي يربط مرزق – الكفرة، يات – بلما – أجاد سين.

وقد جهزت رئاسة الأركان العثمانية خريطة لحدودها هذه، كما أنها أصدرت مذكرة تحريرية بالخصوص جاء فيها شرح مسهب للنظرية التركية حول الهنترلاند  الليبي، حؤولاً دون أن تفسر تفسيراً خاطئاً، مبينة الضمانات الفرنسية والبريطانية الممنوحة للدولة العثمانية على جنوب ولاية طرابلس الغرب، موضحة إصرارها على ضرورة بقاء طريق القوافل مرزق – كوكا داخل الإمبراطورية.

وقد أثارت هذه المذكرة احتجاج الحكومة الفرنسية، التي صدرت عنها ردود أفعال قوية حول الحقوق العثمانية المزعومة في الهنترلند الليبي، معتبرة أن هذه المطالب العثمانية في الظهير الليبي خالية من أية شروط قانونية تدعم تلك المطالب.

واستهدفت معاهدة 21 مارس عام  1899م  بين بريطانيا وفرنسا وضع الهنترلاند  الليبي وطرق القوافل مع بلاد السودان تحت النفوذ الفرنسي، ووفقاً للمعاهدة المشار إليها انبسطت الأملاك الفرنسية على كانم ووداي، وباجرمي، وبورنو وتيبستي.

وقد أثارت هذه المعاهدة ردود أفعال تركيا التي أرسلت مذكرة احتجاج إلى الحكومة الفرنسية عن طريق سفيرها في باريس منير باي في مارس عام 1899م تشير فيها إلى أن الاتفاقية المبرمة بين فرنسا وبريطانيا سوف تمس المصالح التركية جنوب منطقة طرابلس.

وقد أجاب ديلكاسي وزير الشؤون الخارجية الفرنسية السفير التركي بأن الحكومة الفرنسية لا تنوي البتة المساس بمصالح السلطان أو ممتلكاته في منطقة طرابلس، ولكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يمكنه اعتبار البلدان المشار إلهيا من طرف السفير تابعة لمنطقة طرابلس، واعتبر هذه المناطق أرضاً لا صاحب لها.

التكملة في الجزء التالي

***

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

________________