Minbar Libya

بقلم عبدالرزاق العرادي

المقال يتناول مسألة تطور الدولة الوطنية الحديثة كمفهوم وممارسة ويعتمد وجهة نظر تقول بان الدولة الوطنية لا تتنافى مع أن تكون الدولة والساسة يحملون قيم الإسلام وأخلاقه وتشريعاته وفق النظام الديمقراطي المبني على بذل .الجهد في إقناع الناس ونيل أصواتهم وتمثيلهم.

الجزء الأول

عندما نشأت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين لم يكن مستوى النظم السياسية في العالم قد وصل إلى مستوى الدولة بمفهومها الحالي، بل كان النظام الإمبراطوري هو النظام السائد، ولم تكن أسس التنظيم السياسي راسخة عند العرب آنذاك>

وقد أشار العديد من العلماء والمفكرين لهذا النقص، منهم العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور، حيث أشار إلى أن المسلمين في عهودهم الأولى كانوا “أَجِدَّاء في السياسة، وليس لهم سبق فيها يومئذ، إذ لم يكن للعرب من قبل ملك، والسياسة تنشأ تجريبية من علاج أحوال الدول والحروب”.

كما نبه الكاتب والمفكر الموريتاني محمد المختار الشنقيطي إلى أن ضعف التقاليد السياسية والنظم المؤسساتية عند العرب قبل الإسلام أثر تأثيرا سلبيا جدا في الطريقة التي تم بها تلقي القيم السياسية الإسلامية.

فاتسمت تجربة المسلمين السياسية بالهشاشة المؤسسية، رغم عظمتها الأخلاقية، كما أن الاستبداد السياسي في الإمبراطوريات المحيطة بالجزيرة العربية، والتي كانت تسود العالم كله، مثلت عامل ضغط على القيم السياسية الإسلامية معنويا وبنيويا حتى تحول النظام السياسي الإسلامي من الطابع التعاقدي الشوري إلى الطابع القهري الاستبدادي.

بداية الانحراف

لم يكن من المفاجئ أن تتأثر الدولة الإسلامية الناشئة بمحيطها، في مجتمع ليست له تقاليد سياسية راسخة، خاصة بعد توسع الفتوحات، وأن تستمد من أنظمته السياسية وسيطرة القيم الإمبراطورية ذات الطبيعة القهرية، فكان ذلك بداية الانحراف في القيم السياسية الإسلامية، أو الانحراف في تطبيقها على الأصح.

تسللت هذه القيم المنحرفة إلى الدولة الإسلامية في العصر الأموي منذ تحول الحكم في الإسلام من خلافة راشدة إلى ملك عاض، حيث أن الدولة بعد عهد الخلافة الراشدة تلبست بسلبيات النماذج المحيطة بها وقبلت بالحكم القهري المبني على التوريث وحكم الأسر، وسوّغ الفقهاء الظلم السياسي وجعلوه موقفا أخلاقيا وألفوا فيه الكتب.

عصر الاحتلال: سقوط الخلافة وميلاد حركات التحرر

بعد سقوط الخلافة العثمانية وخساراتها للحرب قام الاحتلال الأوروبي بتجزئة العالم العربي إلى دول صغيرة عاجزة عن استيعاب الدولة الحديثة والتكيف معها ناهيك عن المساهمة في تطويرها، وما ذلك إلا بسبب قهرية الأنظمة وضعف التقاليد السياسية في الجزيرة العربية وبدائيتها.

يوم مجيء الإسلام حاملا قيم التحديث السياسي، كان من المنطقي توقع أن يقيم الإسلام دولته وفق قيمه السياسية مستفيدا من الفراغ السياسي في البيئة التي احتضنته أول مرة، لكن الحرب الأهلية التي اندلعت مبكرة عاجلت الصحابة عن إشادة البنيان، رغم البدايات الموفقة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله.

في سياق سقوط الخلافة العثمانية ودخول الاحتلال الغربي الأوروبي إلى بلاد المسلمين ولدت حركات تحرر وطنية في الدول العربية والإسلامية قادت المقاومة ضد الاحتلال، وواجهته بالقوة والسلاح، كما واجهته بالأساليب السلمية.

كانت العقيدة الإسلامية في الغالب هي الموجه الفكري لتلك الحركات التحررية في معركتها مع المحتل، بالإضافة إلى الفكر القومي وبعض الأفكار التحررية العابرة للحدود مثل الفكر اليساري في بعض الحالات.

وقد ترك الاستعمار الدول في أيدي مجموعات وطنية ذات رؤية محدودة الخيال سياسيا، لم تستطع أن تتحول إلى حكومات ديمقراطية، أو تؤسس لوضع دستوري يفضي إلى تداول سلمي على السلطة، مما أسهم في انتشار ظاهرة الانقلابات العسكرية المشؤومة.

عصر الانقلابات والتخلف

وصلت بعض الحركات الأيديولوجية، ذات التوجه القومي العروبي، إلى الحكم في العديد من الدول العربية، عبر الانقلابات العسكرية، مثل مصر وسوريا والعراق وليبيا، كما وصل الإسلاميون للحكم عبر الوسيلة ذاتها في السودان.

كل الحركات التي وصلت إلى سدة الحكم، بواسطة الانقلابات العسكرية أو الانقلاب على إرادة الشعوب عبر الديمقراطية الصورية من خلال تزوير الانتخابات، إما لم تستطيع إقامة مشروع وطني قابل للاستمرار أو أنها أورثت شعوبها الضنك والتخلف الذي طال كل مناحي الحياة.

الجيوش مؤهلة للقتال والأعمال ذات الطبيعة العسكرية، ولكنها غير مؤهلة لإدارة الدول، ولذلك كان توليها للحكم في بعض دول العالم الإسلامي من المصائب والبلايا العظمى التي حلت بهذه البلدان؛

فقد أدارت شؤون الحكم بالعقلية العسكرية التي لا تؤمن إلا بالقوة، وتحولت إلى وحوش، قتلت إنسانية الإنسان وإبداعه وجعلته شخصا عديم القدرة على تقديم أي شيء لا لبلاده ولا للإنسانية ككل.

هذا النمط الاستبدادي أفسد الاقتصاد ونشر الفساد والتخلف وأصبحت الأوطان التي حكمها العسكر عالة على العالم في كل شيء.

وجد العالم الإسلامي نفسه في لحظة من لحظات الزمن ممزقا إلى عدة دول تحكمها أنظمة دكتاتورية لم يخترها الشعب بل لا علاقة للشعب بها، وإنما فرضت نفسها على الشعب بالانقلابات العسكرية أو فرضها عليه المستعمر بالديمقراطيات الشكلية.

وقد فشلت تلك الأنظمة جميعها في تنمية بلدانها والنهوض بها، بما فيها تلك الأنظمة التي بشرت بالقيم التحررية (عبد الناصر، الأسد، القذافي، صدام حسين) ورفعت شعار الممانعة ضد المستعمر، فقد اتضح أن ذلك الشعار كان شعارا مزيَّفا، وأن تلك الأنظمة كانت هي الأنظمة الأكثر دموية والأكثر قسوة على شعوبها.

بل إن آثار استبداد تلك الأنظمة هي التي جعلت دولا كبرى تمتلك إمكانات بشرية ومادية كبيرة، مثل مصر والعراق وسوريا، تراوح مكانها في قاع التخلف والجهل والفقر والبؤس بعد عقود من الزمن على استقلالها.

الدولة الوطنية الحديثة

عشية مجيء الاستعمار، أو الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين كان النموذج الإمبراطوري (الخلافة) قد استنفد كل طاقته، وعمره الافتراضي، لذا كان من الطبيعي أن ينفرط عقده مع مجيء الاحتلال، وأن تضمحل الآثار التي يمكن أن يبنى عليها بعد رحيل الاحتلال، ولا يبقى إلا آثار الاستعمار نفسه.

وكانت آثار الاستعمار الغربي ذات بعدين متناقضين إلى حد ما؛ فهي من جهة تدعوا إلى إقامة دولة مستقلة، بما أحيته من الروح الوطنية، ومن نزعة إلى الاستقلال، وهي من جهة أخرى تبالغ في إظهار الصورة السلبية التي كانت قائمة قبل مجيء الاستعمار. مما يعني أنها تقوض ما تبقى من آثار إيجابية للنظام الإمبراطوري.

وعلى قدر تمسك التيارات التي سادت الشارع العربي بعد الاستعمار بالأصالة التي يمثلها النموذج السابق على الاستعمار، وبعدها عنها، كان موقفها من تركة الاستعمار (الدولة الوطنية) قبولا ورفضا، وتحفظا؛ فقد انصاعت الحركات القومية، والتيارات الوطنية، واليسار، لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، وعاقت فكرةُ الوفاء للنموذج التقليدي الحركاتِ الإسلامية عن هضم فكرة الدولة الوطنية، ولم يسعفها الخيال السياسي بتطوير مفاهيم بديلة، أو تطوير فكرة النموذج لتتوافق مع الواقع الحديث، فكان تعاطيها مع الدولة شبه بـ”تكيف على مضض”.

ما بين سقوط الخلافة والحنين إلى استردادها وفشل الأنظمة الاستبدادية التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية بدأ الصراع مبكرا بين هذه الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية التي بُنيت فلسفتها السياسية على الحنين لاسترجاع الخلافة.

وساهم تراكم الظلم والفساد والمآسي في العالم العربي في تأجيج هذا الصراع الذي أخذ أشكالا عديدة غلب عليها عنف الدولة التي كانت ترى أنها تدافع عن ذاتها، بينما كانت تنظر الحركات الإسلامية إلى تلك الأنظمة على أنها أنظمة عميلة وفاسدة ولا علاقة لها بالأمة، وهي سبب الكارثة التي يعاني منها العالم الإسلامي، كما أنها عقبة أمام العودة إلى الخلافة الإسلامية.

الانفجار.. التغيير بالثورات

كل ذلك جعل الأنظمة الحاكمة في العالم العربي في صراع دائم مع هذه الحركات التي نجحت في إقناع قطاع عريض من الشارع من خلال نضالها الطويل بفساد هذه الأنظمة وضرورة الإصلاح طوعا أو كرها، مما جعل الأنظمة أمام خيارين لا ثالث لهما: خيار الإصلاح السياسي العاجل أو خيار الثورة والانفجار.

ويبدو أن تلك الأنظمة التي طال عليها الأمد فضلت أن تخمد الانفجار وتواجهه، ظنا منها أنها ما زال بإمكانها لجم طموحات الشعوب في التحرر من خلال القمع والتنكيل.

بيد أن الشعوب العربية كانت قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة، ولم يعد يخيفها سوط الجلاد ولا صوت الرصاص.

انفجرت الثورات العربية .. كانت البداية من تونس عندما أحرق البوعزيزي نفسه، ثم انتقلت شرارتها إلى مصر ومنها إلى ليبيا ثم اليمن وسوريا فكانت ثورات الربيع… ثم جاءت الموجة الثانية فأسقط نظام البشير في السودان وضغط الشارع الجزائري على الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لكي لا يترشح لولاية خامسة فقدم استقالته قبل موعد الانتخابات، ومازالت موجات هذا الربيع تترى.

***
عبدالرزاق العرادي ـ عضو المجلس الانتقالي السابق

__________