Minbar Libya

بقلم عبدالرزاق العرادي

المقال يتناول مسألة تطور الدولة الوطنية الحديثة كمفهوم وممارسة ويعتمد وجهة نظر تقول بان الدولة الوطنية لا تتنافى مع أن تكون الدولة والساسة يحملون قيم الإسلام وأخلاقه وتشريعاته وفق النظام الديمقراطي المبني على بذل .الجهد في إقناع الناس ونيل أصواتهم وتمثيلهم

الجزء الثاني

الحوار والمراجعات 

ونتيجة لأجواء الحرية التي خلفها الربيع العربي، فُتح باب الصراع والتنافس الأيديولوجي بين العلمانيين والإسلاميين على مصراعيه، كان الوضع، إلى حد ما، صحيا في تونس ومليئا بالإخفاق في باقي دول الربيع.

وقد فرض هذا الصراع والنقاش حقيقة مفادها أن الخيار العلماني مرفوض إسلاميا والخيار السلفي مرفوض إنسانيا والخيار الأمثل هو الخيار المركب الذي يجمع بين الديني والمدني في إطار الدولة الوطنية الحديثة، بحيث تكون الدولة ديمقراطية وفي الوقت ذاته تستند إلى القيم الأخلاقية والتشريع الإسلامي وفق ثقافة الإقناع والتراضي.

كما أن هذا الصراع بسلبياته وإيجابياته فتح بابا آخر على الحركات والجماعات الإسلامية، وهو ضرورة البدء في مراجعات جذرية وحقيقية.

استفاقت هذه الجماعات الإسلامية، مؤسسات وقيادات، على حقيقة أن الخيار الإمبراطوري (الخلافة) قد أصبح من الماضي وأن خيار الدولة الوطنية الحديثة قد أصبح واقعا وأن البشرية استمرت في تطوير أنظمتها السياسية ولم تتوقف، كما توقف العالم الإسلامي في عطائه عامة وفي تطوير نظمه السياسية خاصة بسبب الاستبداد الذي جثم على صدره.

خيار الدولة الوطنية الحديثة لا يتنافى مع أن تكون الدولة والساسة يحملون قيم الإسلام وأخلاقه وتشريعاته وفق النظام الديمقراطي المبني على بذل الجهد في إقناع الناس ونيل أصواتهم وتمثيلهم، حتى تصبح هذه القناعات واقعا معاشا بالتراضي.

كما أن الدولة الوطنية الحديثة لا تمانع في قيام روابط سياسية؛ كالاتحاد الأوروبي، أو تكتلات اقتصادية كمجموعة العشرين ومجموعة السبعة وغيرها، ولعل الأقرب لبلادنا (ليبيا) أن تعمل على تقوية وتفعيل العلاقة بينها وبين دول العالم المغاربي، العربي الأمازيغي، الذي يتطلع إلى تفعيل الاتحاد المغاربي كقوة سياسية واقتصادية مطلة على البحر الأبيض المتوسط في ظل تعثر وموات جامعة الدول العربية

أسس وملامح بناء الدولة الوطنية الحديثة

الدولة الوطنية الحديثة تحترم القانون والعمل المؤسسي وتؤسس على المواطنة وتساوي بين مواطنيها في الحقوق والحريات العامة، مثل الحق في الحياة والكرامة، وحرية الضمير والمعتقد، والحق في التنقل، وحرية التعبير والتظاهر بكافة أشكاله، وحرية إقامة الأحزاب والنشاط السياسي، وحرية الصحافة وغيرها من الحقوق.

الدولة التي يكون فيها الشعب مصدر ومالك السلطة، يمارسها من خلال الانتخابات باختيار من يمثله أو عبر استفتائه في القضايا الجوهرية التي تمر بالبلاد كإقرار دستور او تعديله.

الدولة التي يقوم النظام السياسي فيها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها. ذلك النظام السياسي القائم على الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة.

الدولة التي تُنشِئ نظاما اقتصاديا إنتاجيا بعيدا عن النظام الريعي الذي أورث الاتكالية وقضى على الإنتاج والإبداع. دولة تحرص على تقديم الخدمات وتحسن إدارة الموارد وتعمل على تكافؤ الفرص بين كافة المواطنين وتحقق العدالة الاجتماعية.

دولة تتبنى الشفافية وتستجيب للمساءلة وتتحمل المسؤولية، وتحترم سيادة القانون، وتضبط احتكارها للعنف بأن لا يُستخدم لتحقيق ولاء لحاكم ولا لبقائه في السلطة أطول مما نص عليه الدستور الذي يعبر عن إرادة الشعب. دولة لا تتدخل في عمل الهيئات المستقلة، وتعمل على حمايتها وصيانتها من أجل أن تقوم بأعمالها وفق القانون. دولة تعمل على تنقية شوائب الماضي من خلال المصالحة الشاملة والعادلة التي تجبر الأضرار بالتعويض أو العفو أو القضاء.

التنظيم الموازي ومعضلة الوجود القانوني

مفهوم الكيان أو التنظيم الموازي، وهو مصطلح قام بصياغته المؤرخ الأمريكي روبرت باكستون لوصف أي مجموعة أو تنظيم أو مؤسسة تشبه، إلى حد ما، الدولة في تنظيمها وإدارتها وهيكلها، ولكنها ليست جزءا من الدولة أو الحكومة.

تقوم هذه التنظيمات بالعمل السياسي وتؤسس لاقتصادها الخاص وتنشئ المدارس والمستشفيات والنوادي الرياضية، وتؤسس مؤسسات إعلامية وتقدم خدمات اجتماعية وخيرية ولربما يكون لها كيانات أمنية وعسكرية أو تنخرط في مؤسسات الدولة، ولربما يغلب الولاء للتنظيم بدلا من الولاء للدولة.

الدولة الوطنية الحديثة نظمت العمل السياسي من خلال قانون للأحزاب وآخر لمؤسسات المجتمع المدني، من خلاله يتم إنشاء مؤسسات للتوعية والمطالبة بالحقوق والعمل الخيري، كما أن هناك تشريعات للعمل الاستثماري وأخرى للعمل الرياضي وغيرها.

كما يتخلى المواطن والمجموعات السياسية والعرقية التي تنتمي إلى هذه الدولة الوطنية الحديثة، عن ممارسة استيفاء الحق بالذات من خلال احتكار العنف لصالح مؤسسات الدولة المنضبطة، والتي تمارس وظيفتها الرئيسية في تحقيق أمن وسلامة المواطن ومصالحه مع باقي مؤسسات الدولة وفق القانون والدستور، لا أن تكون هذه الأجهزة ألعوبة في يد الحاكم تواليه وتضمن استمراره في الحكم حتى يغادر الكرسي كرها.

تنظيم فتح الله غولن في تركيا

أنشأ فتح الله غولن النواة الأولى لجماعة الخدمة في تركيا سنة 1970. أسست هذه الجماعة أكثر من 1500 مؤسسة تعليمية و15 جامعة وانتشرت خارج تركيا، في كثير من دول العالم، ومنها ليبيا؛ إذ كانت لها مؤسسات في كل من طرابلس وبنغازي، وأنشأت مؤسسات إعلامية؛ كانت تملك ستة قنوات وعددا من محطات الراديو وصحفا تركية وبلغات أخرى، وكذلك أسست مؤسسات طبية وثقافية وإغاثية، كما أسس هذا التنظيم مؤسسات اقتصادية منها بنك آسيا.

وبالرغم من أن هذا التنظيم يتبنى مفهوما غير مسيس للدين، إلا أنه وصف جماعته بأنها ”فوق السياسة” وهذا ما يفسر سلوكه السياسي من التحالف مع الأحزاب السياسية للحصول على الدعم والامتيازات والمناصب ليتحقق له التغلغل في مؤسسات الدولة، كما تجيز أدبيات غولن فكرة التخلي عن بعض العبادات والشعائر لإخفاء هويتهم، حتى لا يتم استبعادهم من أجهزة الدولة، خاصة الجيش والشرطة من أجل التغلغل والنفوذ.

الإخوان في مصر والأردن – معضلة الشكل والوجود القانوني

قام الإخوان في كل من مصر والأردن بإنشاء مؤسسات دعوية وإعلامية وتعليمية وصحية وأسسوا العديد من الاستثمارات، ومارسوا العمل الإغاثي والتطوعي من خلال هذه المؤسسات لتقديم هذه الخدمات المختلفة، وذلك في الغالب من خلال تنظيم جماعة الإخوان المسلمين التي رخص له في بداية نشأتها،

ثم جاءت التعديلات الدستورية والقانونية المانعة لمثل هذا الترخيص، ولم تقم الجماعة في الدولتين بتصحيح وضعها القانوني مما جعل هذا الأمر محل جدل ونقاش وجد طريقه إلى قاعات المحاكم والمنصات الإعلامية.

كيف تأسست جماعة الأخوان في مصر؟

حينما أسس الأستاذ حسن البنا جماعة الإخوان في مصر عام 1928 كانت مسجلة كهيئة إسلامية شاملة وفق الدستور، فكانت الجماعة هيئة دعوية وتربوية واجتماعية وتنشئ شركات وتشارك في العمل السياسي، ثم حدث الصدام الشهير بين الجماعة والنظام الناصري في ذلك الوقت عام 1954،

وحلت الجماعة وتم تغيير الدستور، والنصوص القانونية المنظمة للحياة العامة، وأصبح الدستور والقانون لا يسمحان بالنشاط العام إلا من خلال شكلين؛ إما حزب سياسي وفقا لقانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977، وإما جمعية خيرية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية وفقا للقانون رقم 32 لسنة 1964.

وبالتالي أصبحت عودة الجماعة بالشكل القديم أمرا مستحيلا بحكم القانون، وعلى ذلك كان يجب حسم قضية أي الأشكال أنسب لعودة نشاط الجماعة هل هو حزب سياسي يتم إنشاؤه وفق قانون الأحزاب، أو جمعية خيرية دعوية إصلاحية يتم تأسيسها وفق قانون الجمعيات؟

بعد تولي الرئيس السادات للحكم في مصر عرض على الجماعة العودة من خلال تأسيس حزب بغير اسم الإخوان المسلمين وإبعاد رجال الجهاز الخاص عنه، ولكن القيادات الموجودة في ذلك الوقت وأغلبها من رجال الجهاز الخاصرفضوا هذا العرض وتمسكوا باسم الجماعة (حسب رواية المرحوم محمد عثمان إسماعيل نفسه لأبو العلاء ماضي قبل وفاته ببضعة أشهر)،

فوافق الرئيس السادات على العمل الضمني دون رخصة وفق سياسة الضوء الأخضر، ولم تسع قيادات الجماعة في مصر سعيا حقيقيا منذ ذلك التاريخ حتى الآن لحل هذه المشكلة مشكلة الوجود القانونيمكتفية بالرد على من يطلب منها ذلك من أفراد الجماعة بأن هناك قضية مرفوعة في مجلس الدولة (القضاء الإداري) يطالب فيها الإخوان بالحكم ببطلان قرار حل الجماعة الصادر عن مجلس قيادة الثورة عام 1954، بدلا من إعادة توفيق الأوضاع وفق القوانين الجديدة، إما التقدم بحزب أو جمعية، فهو أمر كان متاحاً.

وبعد الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس حسني مبارك رفض الإخوان دعوات تسوية وضع الجماعة القانوني، واختاروا المزج بين العمل الدعوي والسياسي رغم تأسيس حزب الحرية والعدالة، الذي ظل ذراعا للجماعة، غير مستقل القرار عنها.

***
عبدالرزاق العرادي ـ عضو المجلس الانتقالي السابق

__________