Minbar Libya

بقلم علاء فاروق

طرح المجلس الأعلى للدولة الليبي مبادرة حول رؤيته للخروج من الأزمة الراهنة سيتم مناقشتها مع مؤسسات الدولة خلال الفترة المقبلة، وسط تساؤلات عن أهمية وجدية هذا الطرح الآن، وما إذا كان الهدف منه هو استبعاد اللواء الليبي، خليفة حفتر ومشروعه العسكري.

وناقش المجلس في جلسته الـ“44” المقترح للاستماع إلى آراء الأعضاء فيها على أن تنضج المبادرة بتداولها بشكل أوسع بين لجان المجلس وأعضائه مع الفاعليات السياسية ومؤسسات الدولة الأخرى في غضون أسبوعين كحد أقصى، وفق المكتب الإعلامي للمجلس.

 عدة مبادرات

وشهدت ليبيا طرح عدّة مبادرات من قبل سواء محلية أو دولية، ومنها المبادرة التي طرحها رئيس حكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، للخروج من الأزمة، والتي عطلها العدوان الذي شنه حفترعلى العاصمة طرابلس، ليعود مجلس الدولة بطرح مبادرة أخرى على أمل إيجاد حل وتوافق.

ومع تكرار هذه المبادرات، خاصة المحلية منها، تأتي بعض التساؤلات من قبيل: هل بدأت الأطراف الليبية خاصة في الغرب تبتعد كثيرا عن المجتمع الدولي وبعثته؟ وهل مبادرة الأعلى للدولة تستهدف حفترأم للتوافق؟

أهم بنود المبادرة

من جهته، كشف رئيس لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق السياسي بمجلس الدولة الليبي، إبراهيم صهد، أن المبادرة جاءت نتاج عمل دؤوب شارك فيه أعضاء المجلس من خلال اللجان، وأن هذه المبادرة قد أحاطت بأبعاد ما تواجهه ليبيا ووضعت خطوات يمكن أن تضع البلاد على طريق إيجاد حلول تقود إلى الاستقرار والتعافي“.

وأكد في تصريحات لـعربي21″، أن المبادرة مطروحة للنقاش والتعاطي معها بما يقود إلى توافق حولها، وربما أهم ما تطرحه المبادرة هو العودة إلى مربع الحلول النابعة من الليبيين أنفسهم، وهذا هو الأمر الطبيعي خاصة وأن البعثة الأممية بكل ما توافر لها من إمكانات دولية وتعاون من الجهات الليبية قد فشلت فشلا ذريعا واحتكرت طرح تصورات تحركها أجندات دول غارقة في دماء الليبيين، حسب تعبيره.

لا للانقلابات العسكرية

وتابع عضو المجلس: “المبادرة تطالب بتوحيد مؤسسات الدولة، ومنع الازدواجية، والتوافق حول قاعدة قانونية تجرى بموجبها الانتخابات، وتشكيل حكومة لإدارة البلاد إلى حين إجراء الانتخابات“.

وفي تعليقه على أن المبادرة تستهدف استبعاد حفتر، قال صهد: “كون المبادرة تنبثق أساسا من الحرص على مدنية الدولة، وديمقراطية القرار، والتداول السلمي على السلطة، فإنها بالضرورة تستثني من يفضل الانقلابات العسكرية والاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، حسب كلامه.

مسألة معقدة

من جهته يرى المحلل السياسي الليبي، إسماعيل المحيشي، أن عدم تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي أدخل البلاد في حالة فوضى سياسية، ومنذ هذا الوقت فإن مجلس الدولة يتقاضى مرتبات وامتيازات دون أي عمل أو وضع رؤية للخروج من هذه الفوضى“.

واستدرك قائلا: “لكن بعد عدوان حفتر على العاصمة وسط صمت دولي، أدرك الكل في ليبيا أن التعويل على بعثة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظومة الدولية هو تضييع للوقت وجلب مزيد من الفوضى فأصبحت الأنظار تتجه نحو المؤسسات الليبية في طرح رؤية لخروج من هذا النفق، وفق قوله.

وأضاف لـعربي21″: “تقديم رؤية وطنية للخروج من الأزمة الليبية تظل مسألة معقدة كون الأمر كله أصبح أزمة صراعات دولية وتداخلات دول كبرى، لذا يبقى التحدي أمام مجلس الدولة في انفتاحه على الآخرين ليكون صادقا في مبادرته، كما رأى.

حلول خارجية

أما المدون والناشط من الغرب الليبي، أكرم الفزاني، فيشير إلى أن هذا المقترح لم ينل الموافقة عليه حتى الآن لذا يظل مجرد طرح، وأعتقد أن التركيز الآن من قبل الجميع في الغرب الليبي هو إنهاء الحرب وصد العدوان على العاصمة“.

في حديث لـعربي21″ أن الابتعاد عن المجتمع الدولي سواء من الغرب أو الشرق هو أمر طبيعي كون هذا المجتمع منقسم تجاه الأزمة الليبية، ولكل طرف ليبي حلفاؤه الدوليون والإقليميون الذين يدعمونه عسكريا وسياسيا، أما بخصوص الحلول فلا أتوقع أن تكون محلية كون النطاق المحلي متأثر بالمحيط الخارجي، لذا فالحلول خارجية“.

****

هل بدأ حفتر بعسكرة الشرق الليبي؟

أثار اعتقال رئيس جهاز الرقابة الإدارية في الشرق الليبي، على يد قوات تابعة للحكومة الموالية للواء، خليفة حفتر، ردود فعل غاضبة وتساؤلات حول تداعيات استمرار الاعتقالات والإخفاء القسري لأي صوت يعارض الحكومة وحفتر أو يكشف فسادهما.

واعتقل رئيس الرقابة الإدارية بمدينة البيضاء، عبدالسلام الحاسي، على خلفية تقرير للجهاز التابع لمجلس النواب للعام 2018، الذي رصد تجاوزات مالية وإدارية كبيرة للحكومة المؤقتة، غير المعترف بها دوليا، والذي طالب البرلمان بمساءلتها وكل من يتبعها من المتورطين في الفساد“.

تظاهر وعصيان مدني

وفي أول رد فعل على الحدث، نظم أعضاء وموظفو هيئة الرقابة الإدارية وقفة احتجاجية أعلنوا فيها تعليق العمل حتى الإفراج عن رئيس الهيئة، والذي وصفوه بالماس بهيبة الدولة ومؤسساتها.

وأوضح الأعضاء في بيان، وصل عربي21″ نسخة منه، أن التقرير المقدم ضد الحكومة وفسادها هو تقرير جماعي نتيجة جهد كبير من قبل المختصين وأنه مبني على مستندات ووثائق، مؤكدين أنهم مستمرون في الضرب بحديد على يد كل مفسد، وفق البيان.

فساد مستمر

وعقب صدور التقرير رسميا نهاية الشهر الماضي، قال الحاسي إن الهيئة قدمت التقرير إلى رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح لمساءلة الحكومة المؤقتة والجهات الواردة بالتقرير، ليتم اعتقاله أمس.

ورصد تقرير آخر صدر في شباط/ فبراير الماضي تجاوزات مالية وإدارية ارتكبتها الحكومة الموالية لحفتر في العام 2017.

والسؤال: ما تداعيات اعتقال هذا المسؤول الكبير دون إذن من الجهة التشريعية التابع لها؟ وهل يفتح الحدث ملف المعتقلين والمختفين قسريا على يد قوات حفتر؟

اعتقال بأوامر حفتر

من جهته، كشف الناشط من بنغازي وابن عم المسؤول المعتقل، عادل الحاسي أن اعتقال قريبه عبدالسلام الحاسي تم بأوامر من مدير مكتب حفتر، اللواء عون الفرجاني وذلك بناء على شكوى من رئيس الحكومة المؤقتة، عبدالله الثني وبعض وزرائه على خلفية التقرير الذي أثبت وجود تجاوزات وفساد، وفق معلوماته.

وقالت الناشطة الليبية، حنان خليفة إنه من المؤكد أن حفترله علاقة مباشرة بأمر الاعتقال والدليل أن كل من اختفى قسرا في الشرق الليبي لم تتجرأ الجهات المسؤولة هناك على فتح تحقيق بشأن كل تلك القضايا، وهذا الاعتقال يسلط الضوء على ملف الاعتقالات هناك“.

وأضافت لـعربي21″: “ملف الاعتقالات يطول الحديث عنه وآخره اختطاف النائبة سهام سرقيوة لمجرد معارضتها للحرب التي يشنها حفترعلى العاصمة طرابلس، وكل هذه التصرفات تعيد البلاد إلى عهد  الثورة الليبية والتي كان شعارها كل من يعارض إما الاعتقال أو الموت، حسب كلامها.

تعدي على البرلمان

وأكد عضو مجلس النواب الليبي، جبريل أوحيدة أن اعتقال الحاسيهو اعتداء صارخ جديد على هيبة الدولة وسيادتها ومساسا واضحا بسيادة السلطة التشريعية الوحيدة في ليبيا البرلمانوالذي تتبعه مباشرة الأجهزة الرقابية، وأن الخطوة تمت دون إذن من البرلمان، والرجل يتمتع بحصانة لا تنزع عنه إلا عن طريقنا“.

وتابع لـعربي21″: “شخصيا لم أطلع على تقرير الرقابة الأخير حتى الآن، لكني أعلم يقينا أن الفساد الإداري والمالي في ليبيا يزيد يوما بعد يوم في أي مكان يمول من خزينة الشعب، أما الاعتقال لمسؤول يتمتع بحصانة فهو بمثابة ضربة جديدة للمسار الوطني الذي نسلكه والذي لا يقبل التأويل من أي كان، كما قال.

سابقة خطيرة

وبدوره قال الكاتب المدون من الشرق الليبي، فرج فركاش إن الاعتقال غير القانوني يأتي ليؤكد حالة التخبط التي تمر بها حكومة الثنيومحاولتها للتغطية على تجاوزاتها المالية والإدارية التي كشفها تقرير الحاسي، ويؤكد أيضا وجود سلطات عليا هي من تتحكم في هذه الحكومة وقراراتها وأن الفساد سببه الانقسام السياسي الحالي“.

وأوضح أن تقرير الحاسي يثبت أن الفساد مستشر في كل أنحاء البلاد وهذا يسقط كل الادعاءات التي يستخدمها مبررو الحرب أن أحد الأسباب هو القضاء على الفساد، والاعتقال سابقة خطيرة تزعزع ثقة المواطن في كل الأجسام السياسية والعسكرية، وستكون لها ردات فعل في الشرق، وفق تصريحاته لـعربي21″.

فساد عسكري

ورأى الناشط الليبي، محمد خليل أن اعتقال شخصية رفيعة مثل الحاسيلا يمكن أن يكون بدون أمر من حاكم الشرق، خليفة حفتر وهذا يؤكد أن الأخير أيضا متورط في عمليات الفساد المهولة التي أفصحت عنها الرقابة الإدارية والتي تخص حكومة الثني الموالية لحفتر“.

وأشار لـعربي21″ إلى أن هذا الاعتقال هو استمرار لمسلسل الانتهاكات والقمع التي شملت الجميع حتى المسؤولين في الدولة من أمثال سهام سرقيوة، والرسالة أنه لا أحد بمعزل عن الاعتقال وحتى القتل في حال مخالفته لنهج حفتروهو بذلك يرسي في ممارسات أسوأ حتى من نظام القذافي البائد، وفق تعبيراته.

وقال المحلل السياسي الليبي، علي فيدان إن للحدث دلالتان، الأولى هي الصورة التي تريد إعطاءها سلطات الأمر الواقع في الشرق الليبي بأن هناك دولة فعلية وحقيقية وبأن مكافحة الفساد تجري على قدم وساق في محاولة منها لمقارنة الوضع بغرب ليبيا وهو تسويق غير مباشر لحفتر وقواته هناك، حسب تقديره.

وتابع لـعربي21″: “الدلالة الثانية هي أن التقرير ربما قد مسّ بعض الشخصيات النافذة في حكومة الثنيوالتي عاثت في الأرض فسادا، لكن الغريب أن التقرير لم يتطرق إلى الفساد الذي قام به حفتروأبناؤه والذي أكدته تقارير الأمم المتحدة في أكثر من موضع، أما الحديث عن الاعتقالات فقد اعتاد عليه أهل الشرق“.

_________