Minbar Libya

مِثل ضابط الشرطة الفاسد، الذي يتظاهر بالغضب من لعب القمار في ملهى ليلي، قبل أن يستعيد هدوءه بعد تقاسم الأرباح مع أصحاب الملهى، تبدو فرنسا وهي تعرب عن «صدمتها ورفضها» إراقة الدماء في ليبيا.

بينما تغطي سياسيًّا على الهجمات العسكرية لقوات الجنرال المتقاعد، خليفة حفتر، على العاصمة طرابلس، وفي الجنوب والشرق الليبي، والتي ترقى إلى جرائم الحرب.

وبينما تدعم فرنسا، ظاهريًّا، عملية السلام التي تتوسط فيها الأمم المتحدة، ويقودها غسان سلامة اللبناني الأصل فرنسي الجنسية، تساعد باريس حفتر وقواته سرًّا بالتسليح، والتدريب، والمعلومات الاستخباراتية.

وقد مثلت وفاة ثلاثة عسكريين فرنسيين في حادث طائرة هليكوبتر في ليبيا، في 20 يوليو (تموز) 2016 اعترافًا نادرًا بوجودها السري في عمليات ضد المقاتلين الإسلاميين، في ذلك الوقت.

كما جاءت إشارة إلى النشاط الفرنسي على الأراضي الليبية، عبر صحيفة «لوموند» الفرنسية، حين ذكرت في عددها الصادر في 24 فبراير (شباط) 2016، أن «فرنسا شرعت في القيام بضربات دقيقة، ومحدّدة للغاية، في ليبيا، وقع تحضيرها اعتمادًا على إجراءات سرية، بل سرية للغاية».

الوجود الفرنسي «المشبوه» في ليبيا؛ يأتي لأهداف كثيرة، لعل من أبرزها الطمع في النفط الليبي، والسيطرة على موجات الهجرة غير الشرعية، ووقف تمدد الحركات الإسلامية المسلحة، إضافة إلى العمل على حماية مصالحها في مستعمراتها السابقة المجاورة لليبيا، وأهمها تشاد التي تقع في الجنوب الليبي، ويواجه رئيسها إدريس ديبي تحديات كثيرة، ووجدت باريس نفسها تقف في صف «حفتر»، الذي وجدت أنه أفضل من ينفذ لها أهدافها تلك.

ديكتاتور تشاد «كنز استراتيجي» لفرنسا

بنظرة سريعة إلى تشاد، على وقع التطورات الأخيرة في ليبيا، يتضح أنه منذ رحيل نظام الرئيس السوداني عمر البشير، بدأ الرئيس التشادي إدريس ديبي يتحسس مقعده في القصر الرئاسي بالعاصمة أنجمينا، فهو أيضًا يوصف بالديكتاتور، وتعاني بلاده من حروب وأزمات سياسية واقتصادية طاحنة، ووصاية فرنسية مقابل الحماية العسكرية، بجانب حالة اصطفاف قبلي، كرس لهما ديبي خلال سنوات حكمه، التي امتدت نحو ثلاثة عقود.

ويواجه ديبي الذي فرض سلطته بالقوة على التشاديين، تحديات كبيرة في داخل البلاد، إذ تسير الأوضاع من سيئ إلى أسوأ، منذ عدل الدستور أكثر من مرة؛ بغية الاستمرار في الحكم، وأعلن الجمهورية الرابعة في البلاد، كما أنه يقاتل في عدة جبهات سياسية وعسكرية، ورفض أن يتنحى ويفسح المجال لغيره، بعد أن فشلت حكوماته المتعاقبة على مدى 28 عامًا في إحداث تغيير ينقل البلاد نحو التقدم والرخاء. حتى باتت أحزاب المعارضة لا ترى فيه سوى ديكتاتور لا يختلف عن غيره من الطغاة، الذين يفرضون أنفسهم على شعوبهم ويرفضون التنحي.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أطلق ناشطون تشاديون نسخة ثائرة من «تجمع المهنيين التشاديين» بشعارات رافضة للنظام، وحراك متواصل على الأرض، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، استهدف تغيير الحكومة ورحيل إدريس ديبي. وحمل إعلان الحرية شعارات واضحة، هي «لا للفساد، لا للظلم، لا للقبلية، لا للعنصرية، لا لغلاء المعيشة».

وبعد الدعوات الأخيرة للخروج عليه، دعا لاجتماع طارئ في القصر الرئاسي، حيث اجتمع ببعض أبناء قبيلته، التي لا تناصره بالكامل، منبهًا إياهم من انتقال العدوى الثورية من السودان وليبيا، متخوفًا من تصاعد موجات الثورة التشادية في الشمال.

تدخل فرنسي مباشر لحماية نظام ديبي

إن نسي ديبي يومًا، فبالتأكيد لن ينسى ما حدث في فبراير عام 2018، حين شهدت العاصمة أنجمينا حالة انفلات لم تشهدها تشاد منذ ما يعرف بـ«حرب الشهور التسعة» عام 1979، وفقد الجيش السيطرة على الأوضاع، فيما فقد النظام مقاليد السلطة السياسية، لولا تدخل القاعدة العسكرية الفرنسية الموجودة في تشاد، والتي يبدو أن مهمتها حماية النظام، الذي استطاع أن يضمن لها مصالحها، ومكّن الشركات الفرنسية التي تحتكر استخراج النفط، والذهب، واليورانيوم داخل الأراضي التشادية.

وفي يومي الخامس والسادس من فبراير 2019 ، قصفت فرنسا رتلًا عسكريًّا، كان يتجه إلى العاصمة التشادية أنجمينا، لإطاحة ديبي. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، إن تدخل بلاده عسكريًّا في تشاد، كان يهدف لوقف انقلاب عسكري، يسعى لإطاحة الرئيس إدريس ديبي

فيما لفتت صحيفة «أنجمينا اليوم» التشادية، إلى أن تدخل القاعدة العسكرية الفرنسية في آخر لحظات الصراع، قلب المعادلة لصالح الرئيس إدريس ديبي، مشيرة إلى أنه لولا التدخل الفرنسي لاستطاعت المعارضة السيطرة على الأمور في هذه المستعمرة الفرنسية السابقة، التي حصلت على استقلالها عام 1960.

وعللت رئاسة الأركان الفرنسية تدخل قواتها بأن توغل هذا الرتل المسلح في عمق الأراضي التشادية، كان من شأنه أن يزعزع استقرار هذا البلد، مشيرة إلى أن القوات المسلحة التشادية، شريك أساسي لفرنسا في مكافحة الإرهاب في مالي، والقوات المشتركة في دول مجموعة الساحل الخمس.

وأعاد هذا الحادث التذكير بتاريخ تدخلات فرنسا، حتى بعد إنهاء احتلالها لتشاد، فقد شاركت في قمع احتجاجات المعارضة الإسلامية في الشمال، بعد حظر الأحزاب السياسية، في عام 1963، كما شاركت القوات الفرنسية أيضًا في عام 1973 في إنهاء الثورة في الشمال المسلم، الذي يمثل نصف السكان.

ورغم أن ديبي يحظى بدعم فرنسا والإمارات، والذي يقاتل أيضًا إلى جانب رجلها في ليبيا، خليفة حفتر، فإنه يعاني من معارضة تهدد سلطته بقوة، فهو لا يأتمن أحدًا باستثناء ولده زكريا ديبي، الذي يتحفز لوراثة الحكم عنه، ويعد الداعم لتطبيع العلاقة مع إسرائيل، وكان مهندس تبادل الزيارات الأخيرة بين ديبي ونتنياهو.

ويسعى الرئيس التشادي مؤخرًا إلى فتح المجال الأفريقي أمام إسرائيل، مقابل الحصول على دعم عسكري لمواجهة المعارضة في شمال البلاد وشرقها، وتوطيد أركان سلطته المهددة بالتصدع. وهنا يبدو واضحًا حاجة ديبي للدعم الخارجي، من فرنسا وإسرائيل، وحتى من حفتر في ليبيا، لحماية جلوسه على كرسي الحكم في تشاد.

للحماية.. فرنسا وحفتر يشنان حربًا في الجنوب الليبي

لا تكف فرنسا عن ادعائها الحياد ووقوفها على مسافة واحدة بين الفرقاء الليبيين، غير أن موقفها على الأرض يبدو عكس ذلك؛ فباريس لا تخفي دعمها لحفتر الذي تواجه قواته اتهامات بارتكاب جرائم حرب.

ولم يتوقف دور فرنسا حول تقديم الدعم السياسي والعسكري فقط لحفتر، بل شاركت القوات الفرنسية قوات الجنرال المتقاعد في الهجوم على مواقع قوات المعارضة التشادية في جنوب ليبيا، في فبراير 2019، إذ كانت مواقعها هدفًا لغارات جوية منفصلة شنتها طائرات حربية تابعة للجيش الفرنسي، وأخرى تابعة لـ«الجيش الوطني الليبي» الذي يقوده خليفة حفتر.

وفيما بدت إشارة إلى تفاهمات سابقة وغير معلنة، ربما أبرمها حفتر مع الجانبين الفرنسي والتشادي، قبل إطلاق عمليته العسكرية في جنوب ليبيا، قصفت طائرات حربية فرنسية، رتلًا للمعارضة التشادية الهاربة من ليبيا، بعد ساعات فقط من إعلان قوات حفتر قصف مواقع مماثلة داخل الأراضي الليبية.

وقالت وزارة الدفاع الفرنسية وقتها، في بيان، إن طائرة من طراز «ميراج 2000» تابعة للقوات المسلحة الفرنسية، شاركت مع الجيش التشادي شمال تشاد في ضرب قافلة من 40 شاحنة صغيرة، تابعة لمجموعة مسلحة ناشطة في ليبيا، بعد محاولتها التسلل إلى عمق الأراضي التشادية، مشيرة إلى أن الطائرات الفرنسية انطلقت من قاعدة في العاصمة التشادية أنجمينا.

في الوقت نفسه، كان سلاح الجو التابع لجيش حفتر ينفذ غارات تستهدف مواقع مسلحي المعارضة التشادية في منطقة مُرزُق بأقصى جنوب غربي البلاد. وأعلن الجيش الوطني بقيادة حفتر في بداية عام 2019 إطلاق عملية عسكرية شاملة، لما أسماها «تطهير» الجنوب من الإرهاب والجريمة، في مرزق والفزان.

وبذلك دخلت قوات حفتر، إثر معارك ضارية، إلى مدينة مرزق، أحد معاقل التبو، في 19 فبراير، بدعم من ميليشيات قبلية وأخرى من المعارضة السودانية. وتلتها فورًا في اليوم التالي عمليات انتقامية، انطلقت مع اغتيال الجنرال إبراهيم محمد كاري، مسؤول الأمن في المدينة، في منزله، على الرغم من أنه كان يعمل على تلطيف الأجواء والنفوس. وقد شجب النواب التبو ما وصفوه بعملية «تطهير عرقي»، مع أنهم كانوا من مؤيدي حفتر.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الهجوم الذي شنه خليفة حفتر في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) 2019، في منطقة فزان، لم يواجه مقاومة تذكر إلا من طرف مجموعة التبو. وهو ما يذكر بالدور الاستراتيجي الذي تلعبه هذه المجموعة في فزانبطبيعة الحال يدخل هجوم حفتر ضمن الصراع على السلطة في ليبيا، ولكنه في الوقت نفسه يخدم الاستراتيجية الفرنسية، التي يتمثل هدفها الأول في إنقاذ النظام التشادي.

وتتطلب هذه الاستراتيجية الفرنسية التحكم في أراضي مجموعة التبو الليبية، التي هي أساسًا عابرة للحدود الليبية والمتداخلة بشدة مع تشاد. وهي بالتالي تؤوي جزءًا من المعارضة للنظام التشادي، والمتمثلة في التبو المتحالفين مع الزغاوة، والذين تربطهم أواصر قوية وقديمة في هذه المناطق المألوفة لديهم.

غير أن تورط فرنسا في هذا الهجوم يطرح بعض التساؤلات بخصوص مستقبل علاقتها بمجموعة التبو، التي كانت تربطها بها، على الدوام، علاقات مميزة، إلا أنها تخسرها حاليًا بسبب تحالفها مع حفتر، ودفاعها عن نظام ديبي في تشاد.

استعمار فرنسي جديد؟

وبتدخلها للدفاع عن النظام التشادي، وتأييدها هجوم حفتر في جنوب ليبيا، تغرق فرنسا شيئًا فشيئًا في المستنقع الإقليمي وفي حرب لا نهاية لها. كما يأتي التورط المباشر لفرنسا، التي وضعت طائراتها للمراقبة والاستطلاع في خدمة حفتر، ليؤكد تحولًا في السياسة الفرنسية في ليبيا.

إنه التحالف الاستراتيجي الذي اندرجت فيه فرنسا مع السعودية والإمارات، والذي بات يحدد سياستها في ليبيا، بحسب وصف «علي بن ساعد» الأستاذ بـ«المعهد الفرنسي للجغرافية السياسية» في جامعة باريس، الذي أكد أنه لم يعد لفرنسا سياسة خاصة حقيقية، بل صارت تتبنى سياسة المحور المشكل من السعودية، والإمارات، ومصر، الذي يدعم حفتر وميوله الانقلابية، وتشجع أساليبه العنيفة، التي تعمق أكثر فأكثر، الشروخ في هذا البلد.

هذه السياسات تؤكد أن فرنسا ترفض قيام حكم مستقل في ليبيا؛ لأنها ترى أنه سيهدد نفوذها الاستعماري في غرب أفريقيا ودول الساحل الأفريقي، الممتد من تشاد إلى موريتانيا، وتستعين في هذه الجريمة ضد الشعب الليبي بالمحور العربي، الذي تقوده الإمارات وإسرائيل على المستوى السياسي.

وعلى المستوى العسكري، تدعم فرنسا حفتر بالطيارين، وقد اعترفت بذلك، ويقود ضباط فرنسيون غرف العمليات، وقد اضطر ضباط فرنسيون، ومعهم أوربيون كانوا يقودون عملية غزو العاصمة الليبية، للهروب إلى تونس بعد فشل مشروع حفتر في السيطرة على طرابلس، وكانت فضيحة دولية موثقة.

_____________