Minbar Libya

كرست دولة الإمارات في اليومين الأخيرين دورها التخريبي في ليبيا خدمة لمؤامراتها الرامية إلى نشر الفوضى والتخريب في البلاد ورعايتها الرسمية لميليشيات خليفة حفتر عبر دعمها بالمال والسلاح وحتى توفير منصة إعلامية لها.

إذ اضطرت الانتصارات التي حققتها قوات الجيش الليبي بقيادة حكومة الوفاق أحمد المسماري المتحدث باسم ميليشيات للظهور بشكل عاجل في مؤتمر صحافي من أبوظبي، لتغطية التطورات في الميدان، وهو ظهور حمل عدة دلالات وأثار ردود فعل واستنكارا.

وقد عقد المسماري مؤتمره الصحافي، في إحدى قاعات صحيفة “الاتحاد” الإماراتية، ويبدو أن ظهوره المفاجئ والعاجل اضطره لاستعارة بزة عسكرية إماراتية وتعليق رتبه العسكرية الليبية عليها، لكن مراقبين ليبيين يرون أن ظهور المسماري يحمل رسائل إماراتية واضحة.

واعتبر مراقبون أن تصريح المسماري على غير عادته ولهجته السابقة، فما صرّح به هو قرار الإمارات الذي يعكس تحول موقفها من التخفي إلى الظهور العلني في معركة طرابلس.

وتساءل هؤلاء “ماذا يعني أن تستضيف دولة، تدعي الحياد، ناطقاً باسم طرف من أطراف القتال ليتحدث عن مستجدات المعركة، في أراضيها بل وفي عاصمتها، إن لم يكن إعلان موقفها بشكل واضح”.

والظهور المفاجئ للمسماري من الإمارات جاء نتيجة صدمة إزاء تقدم قوات الوفاق نحو ترهونة ما يعني استشعار حفتر وداعميه في الإمارات قرب سقوط ترهونة التي تعد قاعدته العسكرية الأولى الآن.

كما أن موقف الإمارات الذي عكسته تصريحات المسماري يدل على عدم تراجعها عن دعم حفتر في معركته الحالية، إذ أن أبوظبي الداعم الرسمي لحفتر، أعلنت عن إصرارها على مواصلة القتال ورفض الحوار، وهي رسالة لم تتوجه للداخل الليبي بل أيضاً للمجتمع الدولي.

كما يؤكد مراقبون أن تصريح المسماري، وتحديداً قوله إن “الحل العسكري هو الحل الأمثل في ليبيا”، بأنه قرار الإمارات الجديد في وجه جهود دولية لوقف الحرب في ليبيا.

ويدلّل ذلك بشكل واضح وأمام العالم بأن حفتر أصبح رهين قرار الإمارات، كما أنه رد إماراتي على لسان المسماري، على دعاوى البعثة الأممية والمجتمع الدولي لإعادة إحياء العملية السياسية.

من جهته استنكر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية سماح الإمارات لأحمد المسماري بعقد مؤتمر صحفي في العاصمة أبوظبي، واصفة الأمر بأنه “موقف عدائي”.

وقال المجلس الرئاسي في بيان إن هذا الموقف يدل على “سماح الإمارات بأن تكون عاصمتها منصة إعلامية للمليشيات المعتدية على طرابلس”.

وأكد أن هذا التصرف الذي وصفه بالمدان يعتبر خرقا صارخا لقرار مجلس الأمن ودعما للمعتدي لقتل الليبيين وإشارة للاستمرار في ارتكاب الانتهاكات وجرائم الحرب.

وقال المجلس إنه كان يتوقع أن تراجع الدول الداعمة لحفتر مواقفها وتعمل على حقن الدماء وتتخذ مواقف من شأنها الحفاظ على استقرار ليبيا، بعد أن اتضحت أهداف المعتدي على طرابلس، وفق تعبير البيان.

وأكد المجلس استمراره في دحر حفتر الذي وصفه بالمعتديمهما كان الدعم المقدم له، وقال إنه يحمّل المسؤولية القانونية لمن يسانده.

وتدور معارك على مشارف طرابلس منذ بداية أبريل الماضيبين ميليشيات حفتر الذي يحاول السيطرة على العاصمة الليبية، وقوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا.

*****

في عواقب السياسة الخارجية الإماراتية

بقلم علاء بيومي

منذ الربيع العربي، والسياسة الخارجية الإماراتية تدور في فلكٍ غير معتاد عربيا في صقوريته“. حيث مثلت الإمارات ما يمكن تسميته رأس حربة المعسكر الرافض انتفاضات الجماهير العربية، ورغبتها في التغيير الديمقراطي.

 وتحرّرت سياساتها من التوجهات التقليديةأو المعتدلةالقائمة على الحوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والعمل الجماعي، ودعم تطلعات الشعوب في الحرية والتغيير. تحولت، في المقابل، إلى سياسات صقورية تدخلية، تصادمت مع شعوب عربية كثيرة، أو على الأقل قطاعات مهمة منها.

ولا تتوقف عدوانية الإمارات عن التطور، كما ظهر أخيرا في التغييرات التي طرأت على سياستها تجاه إيران واليمن، حيث اتسمت السياسة الإماراتية بقدرٍ واضحٍ من الأحادية“.

وهذا جعلها تتمايز عن، إن لم تتصادم مع، أقرب حلفائها الإقليميين، وهي السعودية. وهو ما يستدعي محاولة رصد طبيعة تلك السياسة، ومقاوماتها المختلفة، ومن ثم تبعاتها على الإمارات نفسها قبل الدول العربية الأخرى.

ولعل من أبرز سمات السياسة الخارجية الإماراتية الاهتمام الواضح والمنظم ببناء مقومات القوة الصلبة والناعمة، وطغيان الأولى على الثانية خلال السنوات الأخيرة، من خلال التوجه المتزايد إلى عسكرةالسياسة الإماراتية عبر الإقليم.

حيث سعت الإمارات إلى تطوير قوتها العسكرية وتحديثها منذ أوائل التسعينيات تقريبا. وتحديدا منذ تولّي محمد بن زايد (ولي عهد أبوظبي الحالي) منصب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. حيث عمدت إلى تطوير أسلحتها المختلفة.

وشارك في عمليات عسكرية قادتها الولايات المتحدة في العالم، بما في ذلك في الصومال (1992)، والبلقان (التسعينيات)، وأفغانستان (منذ 2003)، وليبيا (2011)، وسورية (2014 – 2015). وذلك وفقا لأحدث تقارير خدمة أبحاث الكونغرس عن العلاقات الإماراتية الأميركية، والصادر في 18 أغسطس/آب الماضي.

توازت مساعي بناء القوة العسكرية الإماراتية مع جهد آخر لترسيخ صورة الإمارات الناعمة، من خلال التركيز على صورة دبي مدينة تجارية مفتوحة، وعلى إطلاق حملات دعائية تركّز على أفكار كالتسامح والسعادة والشباب.

وهي صورةٌ بدأت تتراجع مع صعود الربيع العربي (2011). حيث عمدت الإمارات إلى تضييق الحريات الداخلية، وطردت منظماتٍ أميركية وأوروبية معنية بنشر الديمقراطية عاملة على أراضيها، وملاحقة عشرات من الناشطين الإماراتيين والعرب، والتضييق على حرية الإعلام.

ساعد على تقويض أدوات القوة الناعمة الإماراتية صعود خاصية ثانية من خصائص السياسة الخارجية الإماراتية منذ الربيع العربي، وهي التدخليةالعدوانية العنيفة.

فمنذ ذلك الحين، عمدت أبوظبي إلى التدخل في شؤون الدول العربية، خصوصا دول الربيع العربي، لتقويض المد الديمقراطي، سيما في مصر وليبيا واليمن وغيرها. وتميز ذلك التدخل بعدوانية فجة.

في مصر، دعمت الإمارات الانقلاب العسكري على التحول الديمقراطي بأكثر من 20 مليار دولار، وساندت انتهاكاته الجسيمة حقوق المصريين. هذا بالإضافة إلى دور الإمارات في الإعداد للانقلاب، من خلال السيطرة على المشهد الإعلامي، وترويج الانقلاب دوليا.

وتعد الإمارات من أهم الداعمين لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والتي لا تعترف بالحكومة الليبية المعترف بها دوليا، وتشن حربا عبر البلاد، وتحاول السيطرة على العاصمة طرابلس بالقوة، تاركة أعدادا متزايدة من الضحايا المدنيين، ومقوّضة جهود الأمم المتحدة لرعاية حوار سياسي ليبي. كما تتهم الإمارات بخرق الحظر الدولي على تصدير الأسلحة إلى ليبيا. هذا بالإضافة إلى مشاركتها في طلعاتٍ جويةٍ ضد معارضي حفتر.

وفي اليمن، دعمت الإمارات بالمال والسلاح مليشيات جنوبية انفصالية لمنافسة سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في جنوب اليمن، إلى درجة دعم انقلاب تلك المليشيات خلال الأسابيع الأخيرة على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وطردها من العاصمة المؤقتة (عدن)، وشن هجمات جوية ضد قوات الحكومة اليمنية الشرعية، أوقعت مئات من الجنود اليمنيين قتلى وجرحى.

هذا بالإضافة إلى نزعة توسعيةدفعت الإمارات، منذ عام 2015، إلى بناء قواعد عسكرية ومعسكرات تدريب، في بعض دول القرن الأفريقي، مثل جيبوتي وإريتريا وأرض الصومال، لدعم عملياتها العسكرية في اليمن، وقدرتها على بسط النفوذ.

اقترنت النزعات السابقة بتوجه خارجي واضح نحو اليمين المتشدّد، جعلها تتماهى مع حكومة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتتقارب أكثر من أي وقت مضى مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والذي لم يعد يتردّد في الجهر بالمديح العلني للإمارات وسياستها.

ودعمت الإمارات سياسة الضغوط القصوىالتي يمارسها ترامب على إيران. كما ينظر إلى الإمارات كأحد أهم الداعمين الإقليميين لما تسمّى صفقة القرن. ويقول تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إن في السنوات الأخيرة، تحالفت إسرائيل والإمارات بشكل غير رسمي ضد إيران.

هناك تقارير منتظمة عن تعاون دبلوماسي هادئ وتعاون أمني“. هذا بالإضافة إلى تطبيع متزايد، من خلال مشاركة دبلوماسيين إسرائيليين في مؤتمرات عقدت في الإمارات منذ عام 2014.

ومثلت السعودية، خصوصا منذ صعود ولي العهد فيها، محمد بن سلمان، الشريك العربي الأساسي للإمارات في التوجهات السابقة، وفي مقدمتها العسكرة، ونزعة التدخلية العدوانية ضد مساعي التغيير الديمقراطي، والتوجه اليميني المتشدّد، والتقرب من حكومتي ترامب ونتنياهو.

لكن السعودية احتفظت ببعض التوازنفي سياساتها، حيث رعت واستضافت تحالف المعارضة السورية الأساسي ضد حكم بشار الأسد، في حين تراجعت مشاركة الإمارات في جهود التحالف الدولي ضد نظام الأسد منذ التدخل الروسي لدعمه.

وافتتحت الإمارات سفارتها في دمشق في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وبشأن اليمن، تستضيف الحكومة السعودية حكومة الرئيس هادي، وأبدت انفتاحا على التعامل مع قوى محسوبةٍ على إخواناليمن.

في حين تدعم الإمارات قواتٍ انفصاليةٍ جنوبيةٍ، تحاول طرد الحكومة اليمنية بالقوة العسكرية من الجنوب، وقصفت قوات الجيش اليمني بدعوى أنهم إخوان“.

كما تحاول السعودية الحفاظ على بعض الثوابت التقليدية في سياساتها تجاه القضية الفلسطينية، أقله من خلال تصريحات الملك سلمان بن عبد العزيز.

ويبدو أن ثقل السعودية، أو طبيعة التوازنات داخل نظامها الحاكم، أو الخلفية التقليديةالراسخة لسياساتها، والثقل الملقى على عاتقها، يجعلها تتمايز عن السياسة الإماراتية المتحرّرة من تلك القيود.

لذلك تبدو السياسة الخارجية الإماراتية على يميننظيرتها السعودية، وأكثر صقورية منها. كما تبدو أحاديةًتهدّد السياسة السعودية نفسها في ملفاتٍ رئيسية. كما هو الحال في اليمن، وفي التوجه الإماراتي أخيرا نحو إيران.

ففي أوائل أغسطس/ آب الماضي، زار وفد أمني إماراتي طهران لإجراء محادثات أمنية بين البلدين، هي الأولى منذ عام 2013، وفقا لتقرير خدمة أبحاث الكونغرس، والذي رأى في الزيارة تحولا في توجه الإمارات إلى العملمع إيران لتجنب الانجرار إلى حربٍ معها“.

ولعل أحادية السياسة الخارجية للإمارات نتيجة طبيعية لطبيعة السياسات التي تتبعها هي وحلفاؤها كالسعودية، فلا نهاية للصقورية والعدوانية والتدخل في شؤون الآخرين بقوة المال والسلاح، فتلك السياسات تقوّض مفاهيم الأمن الجماعيوالثقة المتبادلة، وتفتح الباب للفردية والانتهازية، كما هو الحال في سياسة الإمارات تجاه إيران واليمن.

كما أنها تحول المنطقة إلى ساحة نفوذ ترسم حدوده بالقوة والعنف، كما هو الحال في صراع الإمارات والسعودية مع المحور الإيراني، والذي يتفوّق عليهما في دول مختلفة، في مقدّمتها اليمن، والذي تحول إلى مأزق أمني كبير للسعودية والإمارات.

هذا بالإضافة إلى أن سياسات التدخل الأحادية العدوانية تشيع عداواتٍ عميقة مكتوب عليها الفشل. ولعل التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان أبرز دليل على ذلك.

___________