Minbar Libya

بقلم محمد هنيد

فعلا ماذا بقي للثورات المضادة بعد كل الخراب والدمار الذي ألحقته بالمنطقة منذ الانقلاب على الرئيس مرسي في صيف 2013؟

صحيح أن القوى العميقة للاستبداد في المنطقة قد نجحت في امتصاص الموجة الثورية الأولى مستعملة في سبيل ذلك جملة من الأدوات والوسائل والإمكانات. وصحيح أيضا أنها استعادت جزءا كبيرا من المجال الذي كان لها قبل الثورات لكنها رغم كل ذلك لم تنجح في العودة بالوضع العام إلى الحالة التي كان عليها قبل ما يقارب العقد من الزمان.

اليوم تعود المظاهر الاحتجاجية من الجزائر والسودان وخاصة من مصر باعتبارها مركز الموجة الثورية الثانية إثر الفشل الذريع الذي مُني به قائد الانقلاب العسكري في تثبت أركان الانقلاب.

هاته الترددات الاحتجاجية مرشحة للتصاعد وهي قادرة على تشكيل موجة ثورية ثانية وإعادة المشهد المصري إلى المربع الأول.

أدوات الفوضى

تنوّعت الأدوات والوسائل الانقلابية وانقسمت بين آليات ناعمة وأخرى خشنة. فبعد الصدمة الانفجارية الأولى تحركت غرف العمليات الإقليمية سواء العربية منها في الخليج أو غير العربية ممثلة في الكيان الصهيوني الذي كان يرى في وصول نظام ديمقراطي إلى مصر خطرا على أمنه القومي.

كانت الحملات الإعلامية المنظمة أولى وسائل القوى العميقة في إرباك المشهد الثوري كما كانت سلاحا فعالا وناجعا استهدف الطبقات الشعبية الأكثر حساسية والأكثر تعرضا للتأثير والقصف الإعلامي وهو أمر لم يقتصر على مصر فقط بل امتد إلى كامل نطاق الثورات.

عملت الثورات المضادة كذلك على شق صفّ القوى الثورية أو تلك المحسوبة على الثورة بأن أحيَت النعرات الفكرية والايديولوجية وخاصة العقائدية من أجل منع تكوّن جبهة ثورية موحدّة.

من الثابت أنّ القوى السياسية المعارضة لم تكن موحّدة في ظل الاستبداد خاصة مع نجاح السلطة السياسية الحاكمة في شق الصفّ وفي ضرب الكتل بعضها ببعض بعد اختراقها.

لقد كان الإسلاميون في مصر وفي تونس وحتى في ليبيا جزءا من الطيف المعارض ثم صاروا بعد الثورة الهدف الأساسي لرفاقهم في المعارضة ولم تكن قوى الدولة العميقة لتحتاج الكثير من الجهد لتفكيك هذه البنية الهشة.

إن أقسى الهجومات التي تعرض لها نظام الرئيس محمد مرسي المنتخب ديمقراطيا إنما جاءت من الفصائل والتشكيلات التي كانت تشاركه المعارضة قبل سقوط مبارك.

أما آخر أدوات الثورة المضادة فقد كانت الفاعل المادي الممثل في القوة العسكرية التي تدخلت في الجزء الختامي من المشهد لتُنجز الفصل الأخير من الانقلاب الدامي وهو نفس المشهد الذي مازال جاريا اليوم في ليبيا.

إن القوة المادية في شكلها المسلح ليست في الحقيقة إلا الأداة الأخيرة للثورة المضادة لأنها تمثل الحلقة النهائية في مسلسل الانقلاب.

نهاية الصلاحية

سجلت الجماهير العربية قفزة نوعية كبيرة على مستوى الوعي بأدوات الثورة المضادة كما أدركت الطبقات الشعبية أن الانقلاب على السلطة المنتخبة في مصر خاصة لم يكن انقلابا على الإخوان أو على هذا المكون السياسي أو ذاك بل كان انقلابا على ثورة وعلى مطالبها.

ظهرت السلطة الحاكمة اليوم أكثر شراسة وعنفا من النظام الذي ثار عليه المصريون والليبيون، حيث استعمل الانقلابيون أدوات قمعية لم يستعملها النظام الاستبدادي قبل الثورات من مذابح ومجازر وصولا إلى الأسلحة المحظورة.

كما أدركت القوى السياسية المعارضة في مصر أن الانقلاب والقمع الذي لحقها لم يكن يستهدف حركة الإخوان فقط بل شملها هي أيضا بعد أن تمكن النظام الانقلابي من السيطرة على السلطة.

هذا الأمر هو الذي سيمنع السلطة السياسية من تفعيل ورقة التفريق في حال اندلاع الموجة الثورية الثانية.

فحتى الأذرع الإعلامية التي أبلت بلاء شديدا في شيطنة الثورات ورموزها لم تعد اليوم تحظى بنفس المصداقية التي كانت لها بل إن جزءا كبيرا من الجماهير العربية اليوم ترى أن الإعلام الرسمي العربي بشقيه العمومي والخاص كان فاعلا أساسيا في تدمير الثورات وفي التغطية على فساد النظام وجرائمه.

هذا الوضع الجديد يؤكد أن أدوات الثورة المضادة التي أسست للانقلاب على الموجة الثورية الأولى قد استنفذت كل شروط وجودها وأنها لن تكون قادرة على التأسيس لقواعد انقلاب جديد في حال اندلاع موجة ثورية أخرى.

وهو الوضع نفسه الذي لا يترك أمام القوى الانقلابية إلا الأداة الأخيرة للوقوف في وجه الموجات القادمة ممثلة في القوة العسكرية أو المسلحة لحسم المعركة.

إن ما يخوضه النظام السوري ضد شعب سوريا وما يفعله الانقلابي حفتر منذ سنوات ضد شعب ليبيا هو استعمالٌ أقصى للأداة الوحيدة التي لا تزال فاعلة في يد النظام الاستبدادي بعد سقوط بقية الأدوات واستنفاذ شروط استعمالها.

بناء على ما تقدم فإنّ الفوضى المهيمنة في البلاد العربية وانتشار فرق الموت والمرتزقة والجيوش الخاصة وكل التشكيلات المسلحة ليست في الحقيقة إلا وجها من وجوه الثورة المضادة التي تلعب آخر أوراقها.

لكنه من الصعب اليوم وفي ظل الغليان الشعبي والاحتقان الكبير الذي تعاني منه المنطقة بعد ما يقارب عشر سنوات من عمر الموجة الأولى أن تنجح القوة المادية في إيقاف الموجات الثورية المنتظرة التي ستكون حتما مختلفة عن سابقتها.

_______

.

.

.

.

^^^^^^^^

لهذه الأسباب تنتكس الثورة المضادة

بقلم محمد عايش

أصبح واضحاً أن الثورات المضادة في عالمنا العربي بدأ نجمها يأفل وبدأت تتراجع وتمنى بهزائم ونكسات واحدة تلو الأخرى، وما تظاهرات مصر الأخيرة إلا واحدة من تجليات هذا التراجع، فضلاً عن أن القوى الإقليمية الداعمة لهذه لثورات المضادة والمعادية لحركة الشعوب، باتت تتكبد الخسائر أكثر من أي وقت مضى.

ثمة العديد من الأسباب التي تدفع اليوم للاعتقاد بأن الثورات المضادة بدأت تتراجع وتنهار، وأن لا مستقبل لها في العالم العربي، وأن الشعوب ستستأنف حركة التغيير وتستمر في صناعة مستقبل جديد، بعيد عن الاستبداد والقهر والتسلط والسلطوية.

فالإنسان العربي يستحق أفضل بكثير مما هو فيه الآن، وهو ليس أقل شأنا ممن يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية حرة.

السبب الرئيس والأهم وراء الاعتقاد ببدء تراجع الثورة المضادة هو أن شريحة واسعة من المواطنين العرب كانوا يعتقدون أن ثورات التحرر وموجة الربيع العربي التي بدأت مطلع العقد الحالي (2011) إنما كانت تشكل تهديداً لمصالحهم وحياتهم واستقرارهم وأمنهم.

وهؤلاء تبدلت قناعات الكثيرين منهم، إن لم يكن أغلبهم، بعد تجربة السنوات العجاف الماضية، التي أدت إلى تدهور أكبر في كل أحوالهم وشؤونهم وأوضاعهم.

في مصر مثلاً، وهي الدولة العربية الأكبر والأهم في المنطقة، تنطلق موجة الاحتجاج الجديدة، بمعزل كامل عن القوى التقليدية التي تتمثل في جماعة الإخوان المسلمين أو القوى والأحزاب السياسية.

ويبدو الحراك شعبياً خالصاً لا تشوبه أي «شائبة نخبوية» على الإطلاق، وواقع الحال أنه احتجاج الغلابة الذين يتهاوون تحت خط الفقر والقمع والاستبداد.

في صيف عام 2013 كان الدولار الأمريكي يعادل 7 جنيهات مصرية فقط، أما اليوم فهو يتجاوز 16 جنيهاً، ما يعني باختصار أن المصريين فقدوا نحو 70% من قيمة مدخراتهم أو قوتها الشرائية، ومن ليس لديه مال يدخره فقد هوى راتبه أو دخله المالي المنتظم بالنسبة نفسها.

ومن ليس ضمن هؤلاء ولا هؤلاء فها هو يكتوي الآن بنار ارتفاع الأسعار الذي تسبب به هذا الانهيار في سعر الصرف. ثمة سبب آخر مهم يدفع للاعتقاد أن الثورة المضادة تتراجع.

ذلك أن القوى والدول التي ترعى وتهندس وتبرمج هذه الثورة، تمنى بالانتكاسات واحدة تلو الأخرى منذ سنوات، وهو ما تسبب بضعف في تمويل حلفائها، فالمليارات التي كان يتم إغداقها خلال الفترة من عام 2011 وحتى 2014 أو 2015 لم تعد متوفرة الآن.

بل إن الظروف السياسية الدولية تتغير، حيث لا يبدو أن الولايات المتحدة بإدارة ترامب يمكن أن تقدم الكثير من الدعم لهذه الأنظمة الرجعية العربية.

وأمام هذه المعطيات فإن عام 2019 يقترب من نهايته والمشهد يبدو أكثر وضوحاً، فقد سجلت الثورة المضادة وحلفاؤها خلال العام الحالي فشلاً ذريعاً في كل من اليمن وليبيا.

وبدأ المصريون لأول مرة منذ سنوات يتململون نحو العودة الى الشارع لتكون المليارات، التي كان يُراد لها أن تشتري سكوت الشعب قد ذهبت أدراج الرياح.. وإلى جانب هذا وذاك، انهار نظامان عربيان بإرادة شعبية خالصة، في حالة استئناف مؤكدة لمسيرة التغيير التي يشهدها العالم العربي.

خلاصة القول إن الثورة المضادة في العالم العربي تبدو في أسوأ أحوالها، والأنظمة التي دعمتها تبدو هي الأخرى في أسوأ حال، وهي تسجل فشلاً تلو آخر بعد أن أنفقت مليارات الدولارات على الحروب والسلاح وتمويل الحلفاء.

والأمر المؤكد أن المنطقة العربية تستأنف اليوم موجة التغيير والتحرر، لأن شعوبها تستحق أن تعيش في ظل حكومات ديمقراطية حرة ومنتخبة. وهذا هو المآل الطبيعي للأمور.

__________