Minbar Libya

بقلم وليد ارتيمة

ربما أكون أكثر السياسيين أو الإعلاميين الليبيين معرفة بالراحل جمال خاشقجي، إذ كانت معرفتي به قبل كونه ذلك الصحفي السعودي المقرب من بلاط الحكم، وذلك الكاتب الشهير الذي كان له مقال شبه ثابت في جريدة الحياة اللندنية.

انقضت سنة على مقتل خاشقجي، ومر شبه عام على مقالي هذا، المكتوب بعد نحو شهر من رحيله، دون أن أنشره حينها لأسباب أنا نفسي لا أعلمها ربما آنذاك، أو لعلي لا أذكرها الآن، وها هي ذكراه تعود إلى العالم شهيدًا لكلمته التي قالها ومشى، وترجع إلي أنا صديقًا لا يسعني غير تخليد ذكراه بأسطر تشهد لجمال الإنسان قبل الصحفي.

بدأت معرفتي بخاشجقي رحمه الله مع نهايات ثورة فبراير أواخر عام 2011م، واستمرت علاقتنا بعد أن اختار الرحيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والكتابة في صحيفة واشنطن بوست الشهيرة.

جمال شخصية طبيعية، فهو لا يختلف في الواقع كثيرا عما تعودنا عليه في الشاشات، مهتم إلى حد ما بليبيا، يسأل عن بعض الأمور التي لا تتضح له دون مكابرة، يدقق فيما يكتب عن ليبيا بشكل لافت.

كانت الصحافة والكتابة جزءا مهما من حياة جمال خاشقجي، وأخذت حيّزا واسعا من شخصيته، وتجلى ذلك لي عندما مُنع منها، وأُمر بوقف نشاطه الإعلامي، وبعد أن طالت فترة الإيقاف أذكر أنني اتصلت به مستفهما، ورددت عليه أبياتا من قصيدة المنفرجة اشتدي أزمة تنفرجي.. قد آذن ليلك بالبلج.. فظلام الليل له سرج.. حتي يغشاه أبو السرجفرد علي حينها بصوت ممزوج بين الحزن والمزاح إني مستمتع بإجازة مع بناتي“.

جمال إنسان طيب الطباع محب لبناته كثير الذكر لهن، قال لي مرة وهو في أمريكا، إن جل ما يهمه هو تأمين مستقبل كريم لعائلته، وأذكر أيضا أننا تحدثنا عن قناة العرب التي كان يديرها والتي أُقفلت بعد يوم واحد من انطلاقها في البحرين، وعن أي المدن أنسب لبث القناة من جديد، وكانت أنقرة وقبرص التركية من بين هذه الخيارات المتاحة أمام جمال، ولكنه وحسب ما فهمت منه في حينها فإنه كان يفضل التريث نتيجة الظروف التي تمر بها المنطقة برمتها، غير أني سمعت بقرار إقفالها من الإعلام، وعندما سألته بعدها عن أسباب الإقفال وموت المشروع رد هذا ما حصل يا عزيزي“.

كانت أغلب نقاشاتنا دائما تدور عن الأوضاع في ليبيا التي كان يرى فيها فرصة للجميع سواء لليبيين أو السعودية، وكذلك فرصة لجيران ليبيا، إذ كان يقول إن سقوط ليبيا في مستنقع الفوضى العبثية لا يخدم أحدا.

طائف ليبية

خاشقجي رحمه الله كان يفسر الصراع الليبي على أنه ليس صراعا بين يمين ويسار، بل كان يصفه بأنه صراع بين من يرفض التعايش وقبول الآخر، ومن لا يمانع في العيش المشترك، ومن هذا المنطلق كان متحمسا جدا لفكرة طائف ليبيةترعاها السعودية على غرار اتفاق الطائف اللبناني“.

وكان جمال يرى أن تحقيق السلام وإرساء الأمن في ليبيا عبر طائف ليبيةممكن، بل وأسهل مما حصل في لبنان بكثير رغم تعقيدات الحالة الليبية، وازداد حماس جمال لهذه الفكرة بعد انطلاق عاصفة الحزم، حيث كان أيضا يحاول تشجيع السلطة في السعودية بأن تتعامل بحزم مع الدول الإقليمية الفاعلة في الملف الليبي، وخاصة الإمارات ومصر وقطر وتركيا.

غير أنه كان يعتقد حينها أن قطر وتركيا مستعدتين لإفساح المجال للسعودية للعب دور إيجابي، إذا ما لمستا حزما تجاه مصر والإمارات في ليبيا، وأذكر أيضا أننا بدأنا فعلا بتحركات واتصالات للتهيئة لهذا المشروع الذي وجد استجابة ملموسة من طيف واسع من الشخصيات الليبية، خصوصا مع تعثر بعض جولات حوار الصخيرات.

ولكن حماسة خاشقجي واستعداد الساسة الليبيين وُوجِهت ببرود من بعض دوائر القرار والنفوذ في السعودية، وكتب جمال خاشقجي حينها مقالا في صحيفة الحياة اللندنية في 22 مايو 2015، ولم يتوقف عند هذه النقطة، بل وبعد توقيع الاتفاق السياسي وعرقلة البرلمان اعتماد مقترح السراج.

أذكر أننا عاودنا الكرة في مطالبة السعودية بإنزال ثقلها بهدف توسيع دائرة التوافق، وإنهاء الأمتار الأخيرة من الاتفاق السياسي، واقترحنا التعاون مع الجزائر والمغرب، وكنا نرى بأن الثقل السعودي المدعوم بمكانة الجزائر والمغرب سوف ينهي الانقسام، ويهيء الساحة لعمل سياسي أكثر نضجا.

وأذكر أننا شاركنا سويا في برنامج حديث الثورة على قناة الجزيرة في مارس 2016م للحديث عن هذا المشروع، لكنه جُوبه مرة أخرى بجفاء سعودي، وعندما بدا لنا أن السعودية تتعامل مع القضية الليبية بشكل مختلف، أو قل بشكل خاص عبر قنوات ليست ليبية، قال جمال إن كل ما علينا هو الكتابة والحديث عن الموضوع، وأتمنى على قومي أن يسمعوني“.

خاشقجي وحفتر

دون شك إن الحديث عن وَحَوْلَ وفيالشأن الليبي والتحديات التي تواجه جهود إنهاء الفوضى في البلاد يقود إلى الحديث عن حفتر وطبيعة دوره في عملية تأخير السلام، ومن توصيف عنوان مشروع حفتر وحربه على الإرهاب لم ألمس أي موقف شخصي من جمال حول تجاه اللواء المتقاعد.

مشكلة جمال الأساسية مع حفتر حينهاكانت تتمثل في مشروع عسكرة ليبيا، والقضاء على طموحات الثورة بالديمقراطية، عبر شغفه للعب دور السياسي المرتدي البزة العسكرية أو العسكري الذي يمارس السياسة.

كان خاشقجي ينتقد شغف حفتر للسلطة من دون النظر لتكلفة هذا الشغف، ولعل أكثر ما كان ينتقده في مشروعه هو المبالغة بالتوسع في تعريف الإرهاب، بل وحشر حفتر لكل خصومه في زاوية الإرهاب.

كان يرى الدور المصري في تعميق الأزمة الليبية أو تأخير حلها بوضوح، غير أنه يُرجع هذا الدور إلى رعاية خليجية جعلت مصر عاملا لعدم الاستقرار بشكل قد يضر حتى المصالح المصرية نفسها. إجمالا، جمال خاشقجي لم تكن لديه مشكلة بأن يكون حفتر جزءا من المشهد في ليبيا، ولكن دون أن يضر بمسيرة البناء الديمقراطي للدولة الليبية المنشودة، وألا يستخدم لافتة الحرب على الإرهاب شماعة للوصول للسلطة، وإنتاج نظام عسكري شمولي.

لجمال تعليق دائم ومستمر حول التركيبة الدينية التي كانت تشكل مكونا أساسيا في تركيبة قوات حفتر، وكان يعتقد ومن خلال هذه النقطة إضافة إلى ثقل السعودية الإقليمي وتأثيرها على الإمارات ومصر، بأن السعودية قادرة على تأطير مكان حفتر في الحكم في ليبيا إن قررت هذا.

في النهاية

اليوم وقد جرى من الماء تحت الجسر ما قد جرى، أثبتت السعودية فشلها سلفا في طائف ليبية، بل وربما كارثية نتائجها إن تولت الملف فعلا، بعد ما أظهرته رياض بن سلمان من هياج سياسي ومن تعامل غير منطقي، وبعد أن تحول حزم بن سلمان في اليمن إلى كارثة إنسانية مؤلمة، ستبقى وصمة عار في الضمير الإنساني والديني العربي، بل سيطال عار جرائم بن سلمان حتى الضمير العالمي.

وبعد حصارها لدولة شقيقة وجارة لأكثر من سنة وعلى أسباب مفتعلة لا يقبل عقل ولا نقل، وبعد أن أقدمت على حجز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري وأجبرته على الاستقالة، ولولا لطف الله ثم وساطة ماكرون بلبنان والحريري لرجعت بيروت لسواد ثمانينيات القرن الماضي.

ناهيك عن دورها في مصر والعراق والسورية دون أن ننسى التصرفات السياسية الشاذة تجاه القضية الفلسطنية وتفريطها في أول القبلتين، إن زدنا عليها حملات اعتقالات محمومة وهستيرية طالت علماء وخبراء وناشطين وأمراء ورجال أعمال سعوديين وعرب، أغلب تهمهم هي الصمت عن المديح لا المعارضة السياسية.

لقد تجلى جنون سعودية بن سلمان الطاغي إلى درجة قتل صديقي جمال خاشقجي غيلة، وتقطيع جسده بكل وحشية في جريمة تعد سابقة في عالم الاغتيالات السياسية من حيث بشاعتها وكسرها غير المعهود لكل الأعراف القانونية والدبلوماسية والأخلاقية.

كل هذه الممارسات تجيب بما لا يدع مجالا للشك عما وصفته في بداية مقالي هذا بالبرود السعودي الذي قابل جهودنا حينها فيما يخص طائف ليبية، فمقترف تلك الأعمال قطعا لن يكون معول سلام وأمن في ليبيا، وبلدي لن تكون استثناء من هذا الهوس الذي طال الدول والشعوب والحكومات، بل وحتى الأفراد بصورة تشكل سابقة في انفلات العربدة والطغيان السياسي.

***

وليد ارتيمة ـ باحث ومحلل سياسي

__________