Minbar Libya

بقلم مختار غميض

يمكن توصيف المشهد العسكري في ليبيا حاليا بعد مايربو عن نصف عام من إعلان الحرب على العاصمة طرابلس، بانكفاء قوات حفتر عسكريا بعد تعثرها العثرة تلو الأخرى،

من هزيمة كوبري الزاوية إلى هزيمة غريان إلى فضيحة الإماراتيين في الجفرة ومقتل قادة اللواء التاسع بترهونة .. مما دفع بالقوات الغازية إلى بحثها عن بدائل أخرى عسكرية وسياسية، تحفظ ماء وجهها بعد الفشل في مزيد التحشيد إلى العاصمة رغم تحديدها مرارا ساعة الصفرلدخولها،

حتى وصل الأمر أخيرا بقبول الجلوس للحوار، وذلك بمخاطبة حفتر بنفسه السراج لخطب ودّه قبيل مخاطبة الأخير للعالم من أعلى منبر أممي بنيويورك وباسم الشرعية الليبية الوحيدة، أمر انعكس على حكومة الوفاق التي أصبحت دبلوماسيتها أكثر جرأة وتحررا في التعاطي السياسي مع دول العالم، لانقلاب موازين القوى لصالحها في الداخل والخارج.

الجزء الأول

المقدمة:

يكاد يكون شهر سبتمبر في ليبيا هو شهر الأحداث الكبرى في عبر تاريخها في شكل انتصارات أو إخفاقات، هناك أسباب عملية ورئيسية كانت وراء هزيمة قائد عملية الكرامة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر وإن حظي بصمت دولي كبير منحه فرصة لكسب المعركة،

عكس ذلك توخت قوات الوفاق من خلال إدارتها لغرفة بركان الغضب، وجناحها السياسي في المجلس الرئاسي، منهجا عمليا، أبرز سماته التدرج في نيل المكاسب الميدانية والسياسية، ويمكن تقسيم الهزائم إلى عسكرية وسياسية.

1- تتالي الهزائم العسكرية:

أأسرى الزاوية

فبعد يومين فقط من إعلان حفتر نيته السيطرة على العاصمة طرابلس، سقطت قواته في أول جبّ فكانت الزواية العثرة الكأداء الأولى في خط سيره نحو العاصمة، وبالتالي إسقاط محاولة دخولها من الطريق الساحلي الغربي.

كما كانت للصور والفيديوهات التي نشرها المجلس العسكري لثوار الزاوية، لأكثر من مئة أسير وقعا كبيرا على نفسية قوات الكرامة وأهاليهم منذ البداية رغم الأرتال الكبيرة التي صورها إعلام الكرامة في صورة المنقذ للعاصمة من براثن الإرهاب.

كما سيكون لعشرات الأسرى من اللواء 106 ومن الكتيبة 107 التابعين لحفتر، بعد أسرهم في البوابة الأمنية 27، وزيارة رئيس المجلس الرئاسي لثوار المدينة، أثرا كبيرا في رفع معنويات الجيش التابع لقوات الوفاق الوطني، فكان لها ما بعدها.

ب_ خسارة غريان

لم تكد قوات الكرامة تتنفس الصعداء بعد مضي ثلاثة شهور على أسر جنودها بالزاوية، وتلملم صورتها المنكسرة أمام حلفائها كـ رجل ليبيا القوي، كما يسميه حلفاءه الذين نفذ صبرهم (نفاذ مهلة فرنسا بيومين)، حتى جاءت عثرة جديدة أشد وطأة من سابقتها.

لقد مثلت خسارة غريان بالنسبة إلى قوات حفتر خلخلة كبيرة في طريق إمداد قواته نحو العاصمة بالعتاد والرجال، فلم تبق له سوى ثنايا صعبة وملتوية، أمر التقفه الناطق باسم حفتر حيث لم يعترف بخسارة المدينة الإستراتيجية المطلة على العاصمة.

وتفاديا لهذا الوضع الجديد، حاول حفتر تغيير خطته العسكرية، وذلك بالتعويل على الطيران المسير وبضرب المطارات في طرابلس ومصراتة وزوارة، في مسعى لمنع الطيران المسير المضاد له.

وأمام تكافئ الفرص الذي خلقه الطيران المسير الذي تمتلكه قوات الوفاق ومع فشل التفافها على العاصمة من الغرب، لم تجد قوات الكرامة بدا من معاضدة مجهودها الحربي من الجهة الشرقية، وذلك بمحاولة إيجاد ولاءات قبلية داخلية في تخوم العاصمة، الذي أضحت تركز عليها أكثر من أي مكان آخر، ومدينة ترهونة خير مثال.

جترهونة والضربة الموجعة

لم يمض شهران ونصف على هزيمة غريان حتى نكبت قوات الكرامة في قيادات نوعية كانت تمثل عمودها الفقري في مدينة ترهونة المفتاح الوحيد الذي بقي لحفتر ليعول عليه في تحقيق طموحه بدخول طرابلس.

حاولت مدينة ترهونة دائما أن تحافظ على سلميتها ومسالمتها مع الجميع بعد ثورة فبراير، ولم تجد نفسها أكثر إحراجا مثل هذه المرة، رغم انحدار اللواء السابع (أو ما يعرف بالكانيات) منها، والذي لم يكن واضح الانتماء حتى أن البعض وصفه بالخلية النائمة الموالية لنظام القذافي والتي تتحرك كلما تهيأت الظروف، بدءا بحجة توفير الأمن واسترجاع مؤسسات الدولة صيف 2018 ، وانتهاء بدعمها قوات حفتر مؤخرا تحت مسمى اللواء التاسع .

ذلك العداء المعلن لقوات الوفاق، واجهته الأخيرة بحذر كبير فوجدت نفسها بين المطرقة والسندان، لا تستطيع دخول المدينة ولا قصفها، لكن ما من شك أن مقتل قيادات بارزة منتصف هذا الشهر كان تحولا كبيرا في العلاقة مع الكانيات أو اللواء التاسع المسيطر على ترهونة.

ولا يمكن التكهن بالطرف الذي يقف خلف مقتل تلك القيادات بين من قال باستهدافهم من طرف قوات الوفاق وهو ما لم يعلنه الناطق باسم جيش الوفاق محمد قنونو، وبين القائل باغتيالهم داخل ترهونة، وبين من قال باستهدافهم من قوات حفتر نفسه لعدم امتثالهم للأوامر وخوفا من منافستهم له، كما تخلص من قبل من قيادات أخرى، في بنغازي.

لكن تبقى عملية الكانيات منعرجا كبيرا في العمليات العسكرية نحو حسم معركة طرابلس، وضربة موجعة للمحور الممتد من ترهونة إلى السبيعة مرورا بسوق الخميس، ومؤثرة بكل المقاييس في قوات الكرامة التي نعتهم بحسرة كبيرة. وكانت من ضمن المرات القلائل التي تعترف فيها دون مواربة بقتلى يتبعونها، وذلك يثبت حجم الخسارة سواء أكانت عملية استخباراتية أو حتى عرضية .

دقصف قاعدة الجفرة

بالتزامن مع استهداف قيادات اللواء التاسع، شهدت قاعدة الجفرة عملية عسكرية نوعية.

ورغم اعتراف الإمارات بمقتل جنودها (الستة) مع تحفظها على ذكر مكان مقتلهم وتبني أطراف غير رسمية في اليمن بقتلهم، فإن طرفا رسميا ليبيًّا اعترف باستهدافهم، وهو الناطق باسم جيش قوات الوفاق الذي أقر بمقتل الجنود الستة في غارة جوية لطيرانه على القاعدة، وتم خلالها تدمير غرفة عمليات مركزية بالجفرة.

ولئن لم يكن تدخل الإمارات ودول أخرى أمرا خفيا من قبل، فإنه من غير السابق لأوانه، أن يتم استهداف قوات أجنبية أو قاعدة عسكرية بهذا الحجم، مما بات يؤشر على مدى حدة ودقة القدرات العسكرية لآلة الحرب لدى قوات الوفاق الوطني، الأمر الذي يعكس حقيقة حديثها عن دخولها في الطور الثاني من العمل العسكري وهو مرحلة الهجوم بعد الدفاع.

هذا الهجوم وصل بقوات الوفاق حد مطاردة قوات حفتر إلى مناطق غوط الريح والعربان جنوب غريان، وهي تمركزات مرتفعة في جبال نفوسة، تشرف على ترهونة لقطع إمدادت قوات الكرامة على طريق الشويرف، جنوب شرق طرابلس.

هذا المكسب تعزز بمكسب جديد سيمثل أول انتصار سياسي وهو خسارة حفتر للدعم العربي في الجامعة العربية باعتراض ثماني دول على قرار مصري باعتراف الجامعة بحفتر وحكومته الموازية.

البقية في الجزء التالي

***

مختار غميض ـ صحفي مهتم بالشأن الليبي

________________