Minbar Libya

بقلم مختار غميض

يمكن توصيف المشهد العسكري في ليبيا حاليا بعد مايربو عن نصف عام من إعلان الحرب على العاصمة طرابلس، بانكفاء كامل لقوات حفتر عسكريا بعد تعثرها العثرة تلو الأخرى.

الجزء الثاني

2- التصعيد السياسي ضد حفتر

أالجامعة العربية تخرج عن صمتها:

في موقف غير مسبوق وربما مفاجئ طالب وزير خارجية الوفاق محمد سيالة في العاشر من سبتمبر المنقضي، الجامعة العربية بالخروج عن صمتها واتخاذ موقف واضح لوقف الدعم العسكري للقوات المعتدية، والضغط بجدية على حفتر الذي وصفه بالغادر، والمخالف للقرارات الدولية.

فجاء رد المجلس واضحا لأول مرة ولو على استحياء وذلك برفض مشروع قرار مصري لتلجيم صلاحيات حكومة الوفاق، لكن بيان اجتماع وزراء الخارجية الذي تلاه أبو الغيط أكد على تنفيذ اتفاق الصخيرات كمرجعية للحل ودور المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق باعتباره السلطة الشرعية الوحيدة.

وهو القرار الذي لم تصوت عليه الدول الداعمة لحفتر، بينما صوتت له كل من تونس،الجزائر، المغرب، الأردن، الكويت، قطر، العراق، وعمان.

هذا الانتصار معنويا مهم ومؤثر إذا علمنا أن ثماني دول كذلك لم يسمها سيالة، عارضت منتصف شهر يوليو الماضي عقد اجتماع طارئ لجامعة العرب لبحث هجوم حفتر على طرابلس.

وبالتالي فإنّه كما مثّل حينها دعما لحفتر، فسيحطّ القرار الجديد من معنويات قواته المسنودة من مصر، وهو رسالة مخيبة لآماله، إضافة لخيبة أمل الداعمين، أمر قد يفسر خروج الناطق باسم حفتر، المسماري في مؤتمر صحفي من أبو ظبي كرسالة باستمرار دعمه، وهي نقطة ندّد بها فايز السراج من منبر الأمم المتحدة في أكبر محفل دولي.

في المقابل هذا القرار وإن كان على مستوى وزاري، فانه حظي بتقدير ليبي كبير باعتباره أوقف الدعم لحفتر وداعميه وأقصى الحكومة الموازية في الشرق، لكن هذا في حاجة لتحرك أكبر من الرئاسي لكسب مزيد من الاعتراف الدولي، بعد الاعتراف العربي.

بمجلس الأمن الدولي يعترف:

يومان فقط على اعتراف الجامعة العربية بشرعية الوفاق الوحيدة، قرّر بدوره مجلس الأمن الدولي أن حكومة الوفاق هي الحكومة الشرعية الوحيدة، بل أكثر من ذلك أكد على ضرورة توقف الدول الأعضاء بالمجلس عن دعمه لمؤسسات الشرق الموازية وإيقاف التعامل و الاتصال بها وبمن هو خارج اتفاق الصخيرات.

ومثلت هذه النقاط صفعة جديدة، وضعت حدا لتدخل دول دائمة العضوية عبر منعها من إصدار أي قرارات لصالح حكومة السراج على حساب حكومة البيضاء الموازية وميليشياتها المدعومة إقليميا.

وأول مكسب من اعتراف مجلس الأمن حينها بشرعية الوفاق، هو إبطال إيطاليا لصفقة بيع الأسماك الليبية الموقعة بين إتحاد الأسماك الإيطالي وهيئة الاستثمار العسكري التابعة لأحد أبناء حفتر وهو أحد أجهزة تمويل الجبهات، وهي جسم غير شرعي، كغيره من الأجسام الأخرى التي تستغلها مصر و الإمارات ومصر خاصة في مجال المواد البترولية.

وبالتالي أرجع قرار مجلس الأمن، موارد الدولة النفطية والاقتصادية والمالية، والتصرف فيها، إلى حكومة الوفاق حصرا، وخاصة المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس.

ولا شك أن أهمية هذا القرار المنبثق من مجلس الأمن الدولي سيدفع حكومة الوفاق للضرب بقوة أمنيا وسياسيا، كسلطة استطاعت استرجاع شرعيتها من جديد بعد شبه عزلتها دوليا، مع الاعتداء على عاصمتها وتهديد كل المدن الواقعة في حاضرتها.

وخاصة في مشهد دولي بقي جالسا على الربوة ينتظر مساندة المنتصر، هذا الأمر منح فائز السراج شحنة معنوية هائلة جعلته يعتلي أعلى منبر أممي ويسمى الأشياء بمسمياتها أمام زعماء مائة وثلاث وتسعين دولة.

جالسراج يقلب الطاولة

ربما لم يكن فايز السراج في حالة انتشاء قصوى بعد إعتداء حفتر على طرابلس، أكثر مما كان عليه يوم إلقائه كلمة ليبيا في منبر الأمم المتحدة بنيويورك أمام الأعداء قبل الأصدقاء، فدخل السراج في جوهر الموضوع مباشرة وبدون لف أو دوران، مستغلا استماع العالم له.

كما اتهم السراج الإمارات ومصر وفرنسا بدعمهم العسكري والمالي لحفتر ، محاولا إدانتها من خلال إنتهاك قرار مجلس الأمن الدولي بشأن حظر الأسلحة ودعم مجرم الحرب المتمرد خليفة حفتر، كما لم يسميه من قبل.

بل أكثر من ذلك دعا السراج الأمم المتحدة بإدراج اسم خصمه على قائمة العقوبات، مورطا إياه في جرائم حرب، ومؤكدا توثيق جرائمه ومعددا ذلك وداعيا لإرسال بعثات للتقصي.

وهي نفس النقاط تقريبا التي جاءت في بلاغ حكومة الوفاق عندما رحبت بقرار مجلس الأمن بالتجديد للبعثة الأممية والاعتراف بشرعية الرئاسي الوحيدة.

لكن الجديد هذه المرة هو رفض الحوار مع حفتر بعد أن شن عليه حربا كلامية غير مسبوقة محققا بذلك خرقا كبيرا في دبلوماسية التعاطي معه ومع الداعمين له، سواء لاستجلاب الدعم لحكومة الفوق أو للضغط على المجتمع الدولي نحو إيلاء القضية مزيد من الزخم و وضع الجميع أمام الأمر الواقع وتحميل المسؤوليات أو التفكير في مخرج جدّي يستثني حفتر الذي لم يعد شريكا للسلام.

إن عودة حفتر للعملية السياسية لم يكن مطروحا وإلا فلم هاجم طرابلس قبيل ايام من حوار شامل، كما أن يأس حلفاء حفتر من قدرته على الحسم العسكري في الوقت الذي لم يتقدم فيه ميدانيا، جعلهم يتقاربون ويتنادون إلى ضرورة الحوار الذي أثارته منذ شهر كل من روسيا وفرنسا.

لكن هذه المرة يبدو السراج أكثر إصرارا في استبعاد الحوار على حفتر بعد أن كانت طرابلس تكتفي بشرط رجوع قوات حفتر إلى قواعدها قبل العدوان.

دالسبيعة وما وراءها:

بات من شبه المستحيل الدخول إلى طرابلس من كل محاورها الشرقية بعد الغربية، ولعل شراسة الحرب الأسبوع الماضي وكثافتها في محور السبيعة يكشف تخبّطا في قوات الكرامة التي أصبحت تتصرف عشوائيا، بعد فشل كل خططها.

لكن كشف قوات الوفاق مؤخرا عن وجود مرتزقة روس تابعين لشركة فاغنريقاتلون إلى جانب قوات الكرامة مثل مفاجأة خاصة مع عدم تحقيق أي نجاحات على الأرض.

وبالتالي يطرح فرضية استقدامهم مؤخرا لمحاولة تحقيق اختراقات في محور العزيزية انطلاقا من بئر بوعلاق وصولا إلى مدينة العزيزية لاتخاذها كقاعدة للتسلل إلى العاصمة.

لكن هذا يبقى مجرّد خطّة بعيدة المنال بالنظر إلى كونها تخضع لكفاءة أسامة جويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية والذي يربح ولا يخسر،  والذي استرجع المدينة الإستراتيجية غريان بعد عدوان مفاجئ.

وإضافة إلى كون محور العزيزية من أشد المحاور خطورة على قوات الوفاق في الوقت الحالي، حيث تمثل خسارته زلزالا ستتأثر له بقية المحاور، لذلك يبقى هذا المحور مجرد ملاذ تستعرض فيه قوات حفتر ما تبقى لها من قوة بعد الضغط الهائل عليها وعلى قائدها بتعثرها عسكريا وانهزامها سياسيا.

هذا الضغط استشعره حلف حفتر بانهزامية بعد إلقاء السراج لكلمته في اجتماعات الجمعية العامة الأممية، وقبله من خلال إطلاقه للمرة الأولى منذ بدء عدوانه على طرابلس قبل نصف عام.

وهو إعلانه بنفسه عن ضرورة العودة للحوار في النهاية والجلوس والعملية السياسية والوحدة، كلها مصطلحات أوردها مترادفة ومتتالية، اللهم إلا إذا كان مناورة ليس إلا أراد توجيهها للرأي العام الدولي قبيل كلمة السراج، لمزيد ربح الوقت في معركته.

لكن مما لا شك فيه أن المعارك المقبلة ستكون أشد ضراوة وستتسع رقعتها بشكل أكبر، برّا وجوّا، باعتماد الطيران المُسيّر، بحيث لم تعد قوات الوفاق تهتم بما يُروّج عن حوار، (سواء أكان من حفتر أو من فرنسا وإيطاليا وترحيب ألمانيا باحتضان حوار ليبي قريبا)، بقدر ما الذهاب إلى الأمام أكثر وهذا الأمر في مصلحتها محليا وإقليميا.

خاتمة:

تجاوز عدوان قوات الكرامة على العاصمة طرابلس الستة أشهر دون تحقيقا إنجازا ميدانيا مع خسارتها البشرية والمادية الفادحة وترنّحها بعيدا عن حاضنتها الشرقية، و صعوبة تموينها مع تقطيع سبل إمدادها، مما زاد القيادات العليا رهقا.

وبالتالي تعكّر صفو علاقاتها، ممّا ولّد ضغطا أكبر على رأس القيادة العليا التي انفتحت أخيرا، مُرغمة أو بإرادتها، على السّلام والإقرار بالجلوس للحوار، قبيل ضغط سياسي هائل سلّطه المُحاور المغدورمن منبر الأمم المتحدة.

وسواء قبل السراج بالحوار أو رفضه فإنه في النهاية لم يستسلم على عكس حفتر الذي بدأ بالحرب وانتهى بإعلانه القبول الجلوس للحوار.

هذا الأمر تبرّره أسبابٌ موضوعية أضرّت بوضعية رجل ليبيا القويكما يصفه حلفاؤه، فالوضع الإقليمي حاليّا سيئ للغاية، فالسعودية والإمارات أكبر داعمي حفتر ماديّا وتسليحا، عالقتان في اليمن، مع تدهور علاقتهما السياسية.

كما أن النظام المصري الداعم الآخر القوي لحفتر، يعاني من ضغط جماهيري كبير ضدّه، وبالتالي بقي حفتر كمكشوف الظهر، إذا أقبل زاد وحله، وإذا أدبر طُعن من الخلف.

لذلك كلما استشعر نهايته قبل بالحوار، لكن يبدو هذه المرة على خلاف العادة، السراج يرفض الحوار ويطلبه للعدالة الدولية، مقابل مضي قوات الوفاق قدما في حربها، لتبقى نهاية الحرب مسألة وقت، في انتظار تشكل نضج الحراك البرقاوي الذي بدأ في التشكل منذ مدة كبديل وكمخاطب توافقي وحيد مع حكومة الوفاق.

***

مختار غميض ـ صحفي مهتم بالشأن الليبي

________________