Minbar Libya

بقلم سالي هايدين

يمول الاتحاد الأوروبي خفر السواحل الليبي لإبعاد المهاجرين عن أوروبا واحتجازهم في دولة فاشلة الأمر الذي يجعلهم تحت رحمة الميليشيات والمتاجرين بالبشر.

الجزء الأول

على مدار ثلاثة أيام من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، شاهدت فاطمة عثمان داربو ابنها البالغ من العمر 7 سنوات يموت جراء إصابته بالتهاب الزائدة الدودية، تورمت معدة الطفل وتلوّى من الألم.

تسنى لمعظم الأمهات الأخريات إحضار أطفالهن إلى المستشفى، إلا أن داربو كانت مسجونة داخل مركز احتجاز في الصحراء الليبية. بدلاً من ذلك، طلبت من الحراس المساعدة وتوسلت مرارا وتكرارا لكن رجاءها قوبل بالتجاهل.

لقد توفي طفلها الصغير في سيارة حين أشفق عليه مدير مركز الزنتان واصطحبه إلى المستشفى.

لم تكن كل من الهيئة الطبية الدولية، وهي المنظمة التي يُفترض أنها مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية اللازمة في مركز الاحتجاز، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة متواجدين في أي مكان.

في الحقيقة، رفضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والهيئة الطبية الدولية التعليق على هذه القضية. وفي بيان خطي أرسلته لمجلة فورين بوليسي، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الوفاة كانت بمثابة تذكير صارخ بالظروف القاسية التي يُجبر المهاجرون على تحملها داخل مراكز الاحتجاز، مؤكدة أنها علقت تقديم المساعدة الصحية في الزنتان بين تشرين الأول/ أكتوبر 2018 وكانون الثاني/ يناير 2019 “بسبب مشاكل مع الإدارة بشأن إمكانية الوصول“.

لم تسمح السلطات المحلية في الزنتان، أين أُحتجزت داربو، بدفن المعتقلين من غير المسلمين علما بأن عائلة اللاجئة كانت مسلمة. مع ذلك، لم يُدفن ابنها إلا بعد مرور شهر.

وتجدر الإشارة إلى أن داربو وزوجها قدما من دولة غامبيا لكنهما عاشا في ليبيا لسنوات عديدة، وعندما تدهورت صحة زوجها حاولا عبور البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا على أمل الحصول على رعاية طبية أفضل.

ومثل عشرات الآلاف الآخرين، أُلقي عليهما القبض واحتُجزا إلى أجل غير مسمى ضمن نظام وصفه المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين بالانتهاك لضمير الإنسانية“.

بعد مرور أسابيع على دفن ابن داربو، توفي زوجها أيضًا بسبب سكتة دماغية جراء صدمة فقدان طفلهما. لم يتسنى لداربو، التي كانت محبوسة في قاعة منفصلة خاصة بالنساء، توديع زوجها رغم أنها توسلت ليسمحوا لها برؤيته في الساعات التي سبقت وفاته. وعندما علمت أنه فارق الحياة، تعرضت لصدمة قوية.

لم تكن وفاة زوج داربو وابنها الحالة الوحيدة، إذ بدأ اللاجئون والمهاجرون في مراكز الاحتجاز الليبية في الاتصال بي في آب/ أغسطس 2018، بعد أن أخبرهم أشخاص قابلتهم في السودان السنة الماضية عن تقاريري.

ومنذ ذلك الحين، تحدثت مع عشرات المحتجزين في العديد من المراكز المختلفة حيث يستخدمون الهواتف خلسة لإرسال معلومات عما يحدث لهم.

على هذا الأساس، شرعتُ في مراسلة كل من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بالبريد الإلكتروني حول ارتفاع عدد القتلى في الزنتان في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أي بعد مرور فترة وجيزة على تورط الأمم المتحدة في نقل مئات المهاجرين واللاجئين من العاصمة طرابلس إلى هناك.

وبعد مرور سبعة أشهر فقط، حين توفي 22 محتجزًا بسبب نقص الرعاية الطبية وتردي الظروف، تحدثت الأمم المتحدة أخيرًا عما حدث في الزنتان ودعت إلى إعادة نقل المعتقلين.

في سياق متصل، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن تبادل التقارير غير المؤكدة حول هذه الأحداث من شأنه أن يهدد سلامة المهاجرين المحتجزين. وقد أكد موظفو الأمم المتحدة في السابق للمجلة أنه لا وجود لمنظمة تتولى متابعة مسألة المحتجزين الذين يموتون داخل مراكز الاحتجاز التابعة لليبيا.

تعتبر هذه الأحداث مجرد سلسلة من الفضائح اللامتناهية في مراكز الاحتجاز التي يتولى، ظاهريا، الجهاز الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة والتي تتخذ من طرابلس مقرا لها، إدارتها. وفي الواقع، تخضع العديد من مراكز الاحتجاز لسيطرة الميليشيات.

منذ سنة 2017، تلقّى خفر السواحل الليبي الدعم من قبل الاتحاد الأوروبي الذي زوّده بمعدات بقيمة عشرات الملايين من الدولارات. ويُزعم أن الاتحاد الأوروبي يُقدّم الدعم لخفر السواحل بهدف التحايل على مبدأ منع الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي، والذي يحظر على السفن الأوروبية إعادة طالبي اللجوء واللاجئين إلى بلد يمكن أن يواجهوا فيه الاضطهاد.

داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا، يُحرم الآلاف من اللاجئين والمهاجرين من الطعام وأشعة الشمس والماء ويصبح الكثير منهم ضحايا للاستغلال الجنسي والاعتداء، وحتى التعذيب أو القتل.

وقد نُقل 22 محتجزًا إلى غرفة تحت الأرض وتعرضوا للتعذيب إثر احتجاج في مركز اعتقال طريق السكة، وهو المقر غير الرسمي للجهاز الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية.

ووفقًا لمسؤولي الإغاثة وأشخاص مطلعين على هذه المسألة عملوا مع الأمم المتحدة، فشل المسؤولون في المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الدفاع عن الضحايا كما ينبغي على الرغم من أنهم كانوا على دراية بالوضع.

منذ اندلاع النزاع الأخير الذي جد في طرابلس في نيسان/ أبريل الماضي، أي بعد أن أمر خليفة حفتر قواته بالتوغل نحو العاصمة، يؤكد اللاجئون والمهاجرون أن حياتهم تغيرت إلى الأسوأ.

وقال محتجزون في خمسة مراكز احتجاز مختلفة للمجلة إنهم أجبروا على مساعدة الميليشيات التابعة للحكومة الوطنية عن طريق تحميل الأسلحة أو نقلها، وتنظيف القواعد العسكرية وفي بعض الأحيان القتال بالسلاح على الخطوط الأمامية.

في مقابلات عديدة مع فورين بوليسي، اتهم سبعة من مسؤولي الإغاثة الذين يعملون حاليا في ليبيا أو عملوا هناك خلال السنتين الأخيرتين، الوكالات التابعة للأمم المتحدة بتجاهل أو محاولة التقليل من شأن سوء المعاملة الممنهجة ضد المهاجرين في مراكز الاحتجاز بهدف حماية عشرات الملايين من الدولارات من التمويل المتأتي من الاتحاد الأوروبي.

رفض جميع هؤلاء المسؤولين الكشف عن هويتهم خوفا من العواقب الوخيمة التي قد يواجهونها على الصعيد المهني. وأشار جميعهم إلى أن كلا من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة متورطتان في تبييضالآثار المدمرة والرهيبة لسياسة الاتحاد الأوروبي المتشددة والرامية إلى إبقاء اللاجئين والمهاجرين خارج أوروبا.

عند سؤالهم عن دور الاتحاد الأوروبي في تسهيل استغلال وتعذيب وإساءة معاملة الآلاف من اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، دائما ما يشير المتحدثون باسم الاتحاد الأوروبي إلى دور الأمم المتحدة في مراكز الاحتجاز زاعمين أن الاتحاد الأوروبي يحاول تحسين الظروف ويود لو يتم إغلاق هذه المراكز.

في حين كان دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان حاسما في قضية اللاجئين، فإنهما لا تكفان عن توجيه الشكر للاتحاد الأوروبي على التمويل الذي يمنحه، على الحسابات الخاصة بهما على مواقع التواصل الاجتماعي، مع التغاضي عن ذكر أن الاتحاد يؤدي دورًا رئيسيًا في إرسال اللاجئين والمهاجرين إلى مراكز الاحتجاز.

نشرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 30 تموز/ يوليو تغريدة على حسابها الرسمي على موقع تويتر كتبت فيها: “الصداقة تعني أنه لا ينبغي أن يكون هناك شخص متخلّف عن الركب. المفوضية ممتنة للدعم الذي يقدّمه الاتحاد الأوروبي لعمليات الإجلاء الإنسانية للاجئين من ليبيا“.

وفقا للمراقبين، يقف هذا النوع من الرسائل الانتقائية على طرفي نقيض مع وسم هذه المنظمة الأكثر استخداما # مع اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، ذكر مسؤولو الإغاثة والمحتجزون أن هذا الأمر يُعتبر أحد الأسباب التي تحول دون تمثيل المفوضية لآراء اللاجئين.

المصدر: فورين بوليسي

البقية في الجزء التالي

***

سالي هايدن صحافية مستقلة متخصصة في شؤون اللاجئين وتركز على الهجرة وحقوق الإنسان والأزمات الإنسانية. وقد كتبت لقناة الجزيرة ، الأيرلندية تايمز ، التايم ، واشنطن بوست ، نيوزويك ، وغيرها.

____________