Minbar Libya

بقلم إيناس بوسعيدي

أغوص في تلك المنصة التي تدعى تويتر يوميا أبحث أراقب أفحص وأكتب بالضرورة عما يجول في خاطري من أراء تمثلني بعيدا عن مهنتي كصحفية.

فأنا لا أشاطر المتحفظين من الصحفيين عن أرائهم بحجة الحياد والموضوعية والابتعاد عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية ولا شيء يتصدر اهتماماتي في كل ذلك عدا الإنسان.

ولي من الأسباب الكثير أولها أن لا حياد في مهنة الصحافة، هناك موضوعية ومهنية وتوازن.

ثانيهما أن موضوعيتي لا تتجاوز محيط عملي أما خارجه أنا إنسانة لي أرائي ووجهاتي نظري توافقني، تخالفني، ترفضني ذاك حقك.

وثالثهما إيماني القوي أن لا موضوعية مع الطغاة ولا مهنية مع من يبحثون وضع شعوب المنطقة تحت أقدام العسكر ولا توازن مع من يرفع راية الحرب، بالمال والجاه، بالاعتقال والإعدام، بالحروب والقتل، أو حتى بالورقة والقلم.

أما عبيد العسكر فردودي عليهم ستكون ذاتها دائما أنا راضية بتهم من قبيل أردوغانية ومرتزقة وإخوانية مدامت تلك تهم من تسري في دمه صفة الإنسانية.

 لا يخفى على أحد حجم الوعي لدى الشعوب العربية بما يجري في المنطقة من يخربها؟ من يكبلها؟ من يمرح فيها شرا ومكرا؟ وإن لا أنكر وجود من لا يرى كل ذلك وهم بالنسبة لي ليسوا سوى أبواق نظامية مأجورة أو خائفة أو عبيد للعسكر أو ذباب إلكتروني كما بات يصطلح على جيوش الحسابات المزيفة عبر المنصة الزرقاء.

من السودان إلى الجزائر مرورا بليبيا وصولا إلى مصر جميعها ترفع شعار لا لحكم العسكر، مئات الملايين يصدحون بالهتافات ذاتها “يسقط حكم العسكر” لأنهم وببساطة ذاقوا “مره وقراحه” وإن اختلفت الطرق.

وفق النظرية السيساوية والحفترية و من يدعهم في أبوظبي هؤلاء جميعهم إخوان وإرهابيون تحركهم أيادي تبحث عودة الإسلام السياسي إلى الحكم في المنطقة، نجح هؤلاء في نشر بعبع الإخوان والإسلام السياسي في العالم.

فبالمال تشترى العقول والمواقف، وما يغيضهم فشلهم في نشره في منطقة تدرك شعوبها جيدا من يقف وراء سياسة الذل والترويع والقتل وتعي جيدا من يبحث الخراب والدمار ومن يلهث وراء دوسها وتكبيلها وكتم أفواهها.

فاللعبة باتت مكشوفة وأدرك كثيرون أن من يبني القصور ويعلي البنيان في أبوظبي ودبي ويرفع شعار السعادة والتسامح هو ذاته من يحاول وضع الشعوب تحت أقدامه عبر أنظمة دسها ودعمها مالا وشرا ومكرا.

لم يكفه التخطيط ليتحول إلى التنفيذ خوفا من فشل من أوكلت لهم مهمة القضاء على كل صوت حر وكل نفس تتوق للديمقراطية في بلدها.

يقال إن “الإنسان لن يدرك وقع الظلم وأهميّة الوقوف في وجهه إلا عندما يتعرض له” لكن في منطقتنا تفوح رائحته عن بعد ولست في حاجة بذلك إلى معايشته حتى تلحظه، أما إزاحته فتحتاج فقط إلى الكلمة إلى إعلاء الصوت إلى قول الحقيقة.

لم يكن ما حدث في مصر من مظاهرات مؤخرا سوى نموذج لقدرة الكلمة والضغط على التحرك وللسلطة الكبيرة التي باتت منصات التواصل الاجتماعي تفرضها، وقدرتها على الحشد والتعبئة للمناوئين أو المناصرين لا يهم، المهم أنها باتت تخيف الأنظمة الديكتاتورية والطغاة وترصد حجم دعمهم من عدمه وتكشف زيف ديمقراطيتهم والصناديق التي جاءت بهم بنسبة تسعين في المائة تماما كما جاءت بالسيسي.

لهث الرجل منذ أيام إلى تنظيم مؤتمر للشباب في محاولة للملمة فضائح فساده في بلد ينهش الفقر الملايين من مواطنيه، فكان أن اعترف بسذاجة مفرطة بما هز منصات التواصل من اتهامات بشأن قصوره قيد الإنشاء، واعتقد أن نسبة ملكيتها للمصريين ستقنع الملايين بنبله وبراءته لكن كلماته لم تكن بالنسبة لكثيرين سوى محاولة للاستهزاء بعقول الناس.

بدا وكأن الرئيس العسكري الأصل والمنشأ يبحث عن خدعة جديدة توقف الغضب العارم لدى عموم الشعب رغم معرفته جيدا أنه بات مرفوضا وأنه بعيدا عن حاشيته وبيادقه من الإعلاميين و”النخب” المزيفة لا مكان له لدى شعب كتم صوته وأعدم أبناءه وفرض قبضته على كل مناحي الحياة فيه لا صوت يعلو سوى صوت عبيده ممن يبيعون الأوهام خوفا أو طمعا، وممن لم يعتبروا من تجربة ثورة يناير، وهم كرئيسهم يعون جيدا أن القبضة انفطرت والقيد انكسر والخوف انخشع وأن قيد الشعب “بالأغلال أهون من قيده بالأوهام”.

واقع مصري تطمح أبو ظبي فرضه في ليبيا دافعة بأموالها وطائراتها لقصف طرابلس وسكانها بعد فشل رجلها في تحقيق مهمة السيطرة على العاصمة وفرض حكم العسكر في البلاد.

ولا يخفى على أحد طموحها لفرض هذا النمط في دول عدة أخرى وسط دعوات ومطالب تهز المنصات أن كفي يدك عنا.

لا أخفي سعادتي بحجم الوعي لدى شعوبنا التواقة للحرية فالربيع العربي بموجتيه رسخ حقيقة ترعب الطغاة مفادها أن فرصة هز عروشهم متى حانت لا تُنتظر وإنما تُصنع.

ولا يخفى عن الطغاة أن منصات التواصل وحدها باتت كفيلة بصناعة تلك الفرصة والتحشيد لتطبيقها عبر ما توفره من مساحة لا قدرة لرصاصهم على اختراقه، ولا لذبابهم على صدها أو مقارعتها، في المقابل لكلمة الحق فيها قدرة على اختراق حصونهم الهشة رغم متانة أسوارها.

***

إيناس بوسعيدي ـ صحفية تونسية

__________