Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

الجزء الأول

وفقاً لهنتنجتون، بدأت موجة ثالثة من التحول الديمقراطي في البرتغال وإسبانيا خلال السبعينيات ثم اجتاحت دول العالم النامي خلال الثمانينيات والتسعينيات.

وتسارعت موجة الديمقراطية هذه مع نهاية الحرب الباردة. وعلى الرغم من انخفاض وتيرة تحسين أوضاع الحقوق السياسية وحقوق الإنسان والحريات المدنية وجمودها أحياناً، فقد زاد العدد الفعلي للدول الديمقراطية منذ منتصف السبعينيات.

ومع ذلك، فإن عملية إرساء الديمقراطية لم تترسخ بقوة في الشرق الأوسط. بدأت تجربة الشرق الأوسط مع الديمقراطية في السبعينيات. حيث شرع عدد من الزعماء المستبدين في المنطقة في عمل بعض الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، وأتاحوا بعض المجال السياسي للمعارضة وقاموا بإدخال أنظمة تسمح بتعدد الأحزاب وإجراء انتخابات حرة نسبياً.

ومع ذلك، فقد تم إلغاء هذه الإصلاحات المحدودة، التي لم تهدف مطلقاً إلى تغيير الهيكل السياسي، بعد أن أدت الأزمة الاقتصادية خلال الثمانينيات إلى اندلاع انتفاضات شعبية في العديد من دول الشرق الأوسط.

وشهدت المنطقة لفترة قصيرة في أوائل التسعينيات موجة أخرى من التحرر السياسي. وأدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى تحركات غير مسبوقة من أجل إرساء الديمقراطية في أوروبا الشرقية.

وفي أوائل التسعينيات، بعد حرب الخليج، أطلقت الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عملية لتعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط ودعمت “الإصلاحات السياسية” من خلال رصد مساعدات تهدف إلى تشجيع قيم الديمقراطية.

ولكن ترويج الغرب للديمقراطية لم يؤد إلى إرساء ديمقراطية حقيقية؛ بل إنه كان في الواقع أحد الأسباب التي حالت دون بزوغ فجر الديمقراطية في المنطقة. فقد استخدم الزعماء المستبدون في الشرق الأوسط هذه المساعدات وعملية الانتخابات كأدوات لتعزيز سلطتهم، فتلاعب العديد من هذه الأنظمة بمسار العملية الانتخابية.

وفي حال مُنوا بالهزيمة في صناديق الاقتراع على الرغم من هذه التلاعبات، فإنهم يقومون بإلغاء الانتخابات وحظر المعارضة واعتقال المعارضين. ونتيجة لذلك، فقد أعقب هذه الفترة القصيرة من محاولات “التحول الديمقراطي” إعادة إرساء الاستبداد في المنطقة.

لقد تم كسر الصمت في الشرق الأوسط من خلال اندلاع أول ثورة عربية شعبية ناجحة في تونس في نهاية عام 2010. وشكل الربيع العربي أملاً كبيراً في جميع أنحاء العالم بانهيار الأنظمة الاستبدادية وإقامة حكومات ديمقراطية في الشرق الأوسط من تونس إلى مصر.

وكان سقوط القادة القدامى وظهور قادة جدد – إلى جانب إنشاء أحزاب سياسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة – من أهم المكاسب التي حققتها الانتفاضات في المنطقة العربية.

وبدأ المواطنون في المطالبة بحقوقهم ومساءلة حكوماتهم. لقد كانت هناك علامات مشجعة على أن عملية التحول الديمقراطي ستسود في جميع أنحاء المنطقة. ولكن لسوء الحظ، فإن هذه الفترة لم تستمر طويلاً، وتلاشت علامات التفاؤل التي أثارها الربيع العربي رويداً رويداً.

ووفقاً لتقرير فريدوم هاوس للحريات لعام 2014 الصادر عن مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية، فقد سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أسوأ الدرجات على مستوى الحريات المدنية في العالم. واليوم، فإن جميع دول الشرق الأوسط من المغرب إلى المملكة العربية السعودية، باستثناء إسرائيل، لا تصنف ضمن البلدان الحرة.

فبينما تُصنف تونس ولبنان والمغرب وليبيا والكويت بأنها دول حرة جزئياً، بين دول المنطقة، حسب التقرير، فقد تم تصنيف بقية الدول مثل الأردن والجزائر ومصر وقطر وعُمان واليمن والعراق والإمارات العربية المتحدة وإيران والبحرين والمملكة العربية السعودية وسوريا على أنها دول غير حرة .

وفقدت مصر، التي كانت من أكثر الدول الواعدة في الربيع العربي، تقريباً جميع مكتسباتها التي حصلت عليها من خلال ثورة يناير عام 2011 التي انطلقت شرارتها من ميدان التحرير.

فبعد الإطاحة بمحمد مرسي – أول رئيس منتخب ديمقراطياً في البلاد – من قبل الجيش، تم تخفيض وضع الحرية في مصر حسب التقرير من “حرة جزئياً” قبل الانقلاب إلى “غير حرة” بعده.

وبعد مرور ثلاث سنوات على أسر ومقتل الديكتاتور معمر القذافي، لا يزال الوضع السياسي في ليبيا هشاً. وفقدت الحكومة المؤقتة الضعيفة السيطرة على جزء كبير من البلاد والمجمعات النفطية الضخمة في الصحراء لصالح مقاتلي الميليشيات.

وما زالت ليبيا تكافح من أجل بناء أسس ديمقراطية للحكم. وليس لدى البلاد دستور جديد بعد؛ بينما يلقي التوتر السياسي وانعدام الأمن المستمر ظلالاً من الشك على قدرة ليبيا على استكمال انتقالها إلى الديمقراطية.

ولا يزال الوضع يتدهور في سوريا التي تُعد مأساتها إلى حد كبير أسوأ المآسي التي منيت بها المنطقة. فقد بدأت الاحتجاجات السورية في مارس 2011 للمطالبة بالحرية ووضع حد للفساد، لكنها تحولت إلى حرب أهلية بسبب الاستخدام الممنهج للعنف الشديد من جانب الحكومة ضد المتظاهرين السلميين.

وانتهكت جميع أطراف النزاع القوانين الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان الدولية، كما تزداد حدة العنف والوحشية بلا هوادة يوماً بعد يوم. وبينما تتزايد أعداد القتلى والجرحى من المدنيين، تتصاعد أعداد السوريين الفارين إلى خارج البلاد هرباً من هذا الوضع المأساوي.

ويواجه السكان المدنيون العنف والجوع والمرض بالإضافة إلى مصاعب أخرى تحت الحصار المفروض عليه، والذي قد يستمر لسنوات.

ويبدو أن تونس هي الأمل الأخير لإنجاز التغيير السلمي بعد أحداث الربيع العربي. فعلى الرغم من اغتيال اثنين من القادة العلمانيين في عام 2013 وبعد شهور من الجمود في الموقف السياسي بين الائتلاف الحاكم بقيادة الإسلاميين والمعارضة التي يغلب عليها الطابع العلماني إلى حد كبير، عززت تونس انتقالها إلى الديمقراطية من خلال اعتماد دستور جديد يُعد هو الأكثر ديمقراطية في تاريخها.

وبعد مرور أربع سنوات تقريباً على ثورات الربيع العربي، لا تزال هناك شواهد كبيرة على حالة عدم التيقن المسيطرة على الوضع هناك. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أنه لن يكون من السهل الحفاظ على عملية إرساء الديمقراطية في المنطقة.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

___________