Minbar Libya

محمد أحمد مرسي

من قاعدة عملياته في شرق ليبيا، أطلق الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر قبل ستة أشهر، معركة الانقضاض على طرابلس من الشرق والغرب في آن.

متوقعًا حصد انتصاراتٍ سريعة في معركة الوقت، ومُراهنًا على تحييد الوحدات الرئيسية لميليشيات حكومة الوفاق عند احتدام المواجهة أو الانضمام إليه.

لكنّ جُل تقديراته السياسية والعسكرية كانت خاطئة؛ فبدلًا من أن يحسم الحرب في أسبوعين كما قال ووعد، بقيت قواته عالقةً على أطراف العاصمة في حرب استنزافٍ طاحنة، وفشلت في إحراز أية انتصارات فارقة تُمكنه من التفاوض بعد احتراق ورقته العسكرية.

وعلى الجانب الآخر من الجبهة، فحكومة الوفاق المُعترف بها دوليًا، توسلت في البداية لإيقاف الحرب التي تستهدف إسقاط آخر رقعة جغرافية ليست في متناول أمير الحرب الليبي، لكنّ المفاجأة التي لم يتوقعها أطراف القتال، هي أنّ المعركة تحولت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم المضاد، ثم الزحف إلى ثكنات حفتر ومواقعه القديمة قبل القتال، والبداية من الجنوب الليبي.

هذا التقرير يشرح لك آخر تطورات الوضع الميداني، وحصاد الخسائر خارج نطاق معركة طرابلس.

كيف وقعت قوات حفتر في مأزقٍ عسكري؟

في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي، شنّت قوات حفتر هجومًا ضاريًا على مدن غلاف طرابلس، بدءًا من مدينة غريان التي تعتبر أضعف ثغرة جنوبية تبعد 100 كم جنوب طرابلس، ودخلت بعض الأحياء المحيطة بالعاصمة، بدايةً بمدينة الزاوية وحي زهرة في الغرب إلى حي عين زارة ووادي الربيع في الجنوب الشرقي، نهاية بالاستحواذ على مطار طرابلس الدولي

وبالرغم من أنه دخل غريان بدون قتال، وزحف نحو مدينة الزاوية إلا أن قواته سُرعان ما انهزمت وخسرت نحو 40 آلية عسكرية، وسقط نحو 120 في الأسر. لكنّ صمود الساعات الأولى لقوات حماية طرابلس التابعة لحكومة الوفاق مكّنها من طرد ما يعرف بـ «الجيش الوطني الليبي» وحلفائه خارج الضواحي الغربية للعاصمة، ومع بدء الجولة الثانية للقتال حاول كلا الجانبين التقدم داخل مناطق الآخر، قبل أن يعودا مرةً أخرى إلى الخطوط الأمامية في الضواحي الجنوبية للعاصمة، دون أن يتمكن أيٌّ منهما من فرض سيطرته على أراضٍ جديدة، أو إحراز انتصارٍ حاسم.

وتنقسم محاور القتال حاليًا إلى تسعة محاور رئيسية (طريق المطار، وخلة الفرجان وعين زارة، ووادي الربيع، ومعسكر اليرموك، والزطارنة، والعزيزية، والرملة، وقصر بن غشير). وقبل أيام شنت قوات حكومة الوفاق هجومًا موسعًا على عدة محاور جنوب العاصمة لإبعاد قوات حفتر عن ضواحي العاصمة ضمن خُطة بدء التوغل في الجنوب الليبي، وأسفرت المواجهات الممتدة منذ ستة أشهر عن مقتل نحو 1100 شخص بينهم عشرات المدنيين، وإصابة نحو  6 آلاف آخرين، في حين تجاوز عدد النازحين 120 ألف شخص، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

خسائر حفتر الميدانية الكبرى تسببت في سلسلة تغييرات عسكرية وأمنية قام بها داخل قيادات الصفوف الأولى لقواته، تزامنًا مع الدفع بالكتيبتين «36 صاعقة» و«15 صاعقة» من الشرق الليبي، باتجاه العاصمة للالتحاق بالوحدات الأخرى الموجودة في محاور القتال.

الخسارة الأكبر التي لحقت بحفتر تمثلت في خسارته أهم تقدم عسكري حققه في المعركة بسقوط مدينة «غريان» التي انطلق منها لمهاجمة طرابلس وحوّلها لغرفة عملياته الرئيسية ومقرّ الإمدادات المركزي طيلة ثلاثة أشهر، وهي الضربة التي ما زالت تهدد مشروعه العسكري في الغرب الليبي بأكمله.

الوفاق أيضًا دمّر خطوط الإمداد الرئيسية لحفتر عبر قصف قاعدة «الجفرة» الجوية –وسط ليبيا– وهو ما أسفر عن تدمير حظيرة طائرات مسيرة وطائرة شحن ومنظومة للدفاع الجوي، ويُعتقد بأنّ القاعدة –التي أصبحت مسرح العمليات بعد فقدان مدينة «غريان»– كانت تضم ضباطًا وخبراء أجانب إلى جانب طائرات إماراتية.

على مدار المعركة المستعرة منذ 200 يومًا، شهدت الحرب أربع جولات مختلفة؛ فالجولة الأولى التي امتدت نحو 20 يومًا بدأت بوصول قوات الجنرال الليبي إلى مدينة غريان التي تعد أضعف ثغرة جنوبية، ثم زحفت بعدها نحو مدينة الزاوية – 48 كم غرب طرابلس– قبل أن تتمكن قوات حماية طرابلس بفضل تحييد سلاح الطيران في الساعات الأولى من استعادة أغلب المدن التي خسرتها.

لكنّ الجولة الثانية من المعركة شهدت جمودًا ميدانيًّا طيلة 30 يومًا في ظل الأزمة المالية التي عصفت بحفتر لتمويل حربه، وهو ما دفع رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري، للقيام بزيارة عاجلة إلى كلّ من قطر وتركيا. التي أعلنت دعمها حكومة الوفاق بشكل غير مشروط، لتظهر بعدها العربات التركية في شوارع طرابلس إلى جانب الطائرات المُسيرة التي استغلت بُعد القواعد الجوية التابعة لحفتر عن مواقع الاشتباكات.

وبعد أربعة أشهرٍ من القتال، شهدت الجولة الثالثة تطورًا مفاجئًا بعد الانتصارات العسكرية التي حصدتها قوات حفتر أمام حكومة الوفاق في محاور مطار طرابلس إضافة لاحتكاره سماء المعركة، بفضل الدفاع الجوي الروسي الذي مدت به الإمارات الجنرال الليبي، وتمكن بفضله من إسقاط طائرة تركية من طراز «درون» باهظة الثمن.

وفيما رفض حفتر دعوة المبعوث الأممي لليبيا لوقف إطلاق النار، استطاعت حكومة الوفاق ضبط إيقاع المعركة عبر إسقاط مدينة غريان وقصف قاعدة «الجفرة»، وهو ما مثّل نهاية رمزية للمعركة، خاصة بعدما خسر الجناح الغربي ممثلًا في مدينتي «غريان والزاوية».

بخسارة حفتر معظم مواقعه القديمة التي سيطر عليها في بداية المعركة، دخلت العمليات العسكرية منذ منتصف الشهر الماضي في جمودٍ انتهى بدخول مرتزقة روس تابعين لشركة «فاجنر» الروسية التي يقاتل أعضاؤها في سوريا، بحسب ما أعلنته حكومة الوفاق، التي يتهمها الجنرال الليبي بدوره بالاستعانة بمرتزقة أتراك، وسبق لقوات حفتر أن أعلنت أنها ألقت القبض على طيارٍ أمريكي يعمل لصالح طرابلس ولكن الطيار ظهر في صفحته على الفيسبوك ينفي تلك الفرية..

الجنوب الليبي.. لعنة الجبهة الأضعف تجاه الشمال الصامد

في فبراير (شباط) عام 2014، أعلن حفتر انقلابًا عبر شريط  مصور قرر بموجبه تجميد عمل المؤتمر الوطني (البرلمان المؤقت) والحكومة، لكنّ طرابلس الحصينة ظلت عصية على السقوط؛ ففشل الانقلاب بتصريحٍ تليفزيوني كما بدأ.

لكنّ الرجل المدعوم من مصر والإمارات أطلق «عملية الكرامة» بعد ثلاثة أشهر فقط بدعوى محاربة الإرهاب؛ فبسط نفوذه على الشرق وأخضع بنغازي –مهد الثورة، وكسر شوكة درنة –معقل الإسلاميين، ثم أطلق بعدها عملية «فرض القانون» أوائل عام 2018 للاستحواذ على ما تبقى من الجنوب الليبي، وبعدما فرغ من انتصاراته العسكرية شرقًا وجنوبًا، أعلن بدء معركته الأخيرة في الغرب لتحرير طرابلس.

لأن معركة إسقاط العاصمة استندت أولًا على الحرب الخاطفة، فإن تعدد جبهات القتال لم يكن في صالح حفتر، الذي قسّم جيشه عبر أكثر من جبهة حول العاصمة، وبينما سحب قواته من الجنوب، عاد «تنظيم الدولة» من جديد للتموضع في الجبهات الخاوية، حيث استهدف مركزًا للجيش في مدينة سبها، فقتل وأصاب نحو 16 شخصًا، وقطع رؤوس الأسرى، بينما أُعدم الآخرون بالرصاص.

الثغرة الجنوبية منحت «تنظيم الدولة» فرصة نادرة لتطوير تكتيكه القتالي من السيطرة على الصحراء إلى الزحف إلى البلدان، واستخدام تكتيك حرب العصابات في الهجوم عليها ثم الانسحاب منها سريعًا تفاديًا للخسائر البشرية، والبداية كانت بعد شهرٍ واحدٍ من هجوم طرابلس.

فالتنظيم هاجم في تطورٍ لافتٍسجن ومركز تدريب عسكري في سبها، للكتيبة 160 التابعة لحفتر، في عملية نوعية قتل فيها 10 جنود، وأطلق سراح 200 سجين من بينهم عناصر من التنظيم انضموا إليه صفوفه.

والجنوب الذي تتمركز فيه حقول النفط، يعاني بالأساس من طول خطوط الإمداد لقوات حفتر، وتشتت كتائبه في مناطق شاسعة؛ مما يسهل استهدافها في هجمات خاطفة.

إضافة إلى أن الجنرال الليبي نفسه يواجه في الجنوب أزمة ثقة بعدما فشل في انتزاع ولاء القبائل له، فقبيلة «التبو» إحدى أكبر القبائل التي تناصب الجنرال الليبي العداء بعدما اعتبرت أن عملياته العسكرية تستهدف تطهيرها عرقيًا تحت ذريعة تطهير «التنظيمات المتطرفة وعصابات التهريب».

يوضح الإعلامي الليبي ياسين خطّاب حقيقة الجنوب الليبي عن قُرب قائلًا: «حفتر لم يتمكن من السيطرة علي الجنوب بشكل كامل أو يؤمنه، خاصة وأن تأمين الجنوب له علاقة بتفاهمات مع دول الجوار باعتبارها رقعة شاسعة تحتاج حدًا أدنى من التفاهم بين القبائل المتواجدة فيها، وهو ما يجعل تأمينه مكللًا بالتحديات الداخلية والخارجية، ويتجاوز الشق الأمني البحت إلى مسألة سياسية تخضع لاعتبارات دولية».

ويضيف خطّاب لـ«ساسة بوست»: «فشل حفتر في جنوب ليبيا يعود إلى أنّ مطامعه منذ أن دخله كانت منصبة نحو طرابلس، وكان يريد فقط أن يؤمن الجنوب من أجل ضمان التحرك في طرابلس، والأمر ليس كما يُصور؛ فالجنوب من أكثر المناطق تهميشًا وظلمًا، وهو ما يظهر جليًا في خروج القوات المناهضة لحفتر، التي ما انفكت تعلن رفضها لسياساته ولوجوده».

مؤتمر برلين.. كيف تدعم مصر والإمارات حفتر للبقاء في المشهد؟

تستعد ألمانيا لعقد مؤتمر برلين حول ليبيا بداية الشهر المقبل، والذي سيضم وزراء خارجية مجموعة الدول السبع (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية) إضافة للدول المعنية بالملف الليبي من أجل الوصول إلى حلول فعلية للأزمة في ليبيا ووقف التدخلات الخارجية ومنع تدفق السلاح، والأهم وقف الاقتتال الدائر حاليًّا في العاصمة.

وتراهن ألمانيا التي طالما بقيت طرفًا محايدًا في الملف الليبي على إنجاح المؤتمر، كما تروج بأن المؤتمر سيختلف عن مؤتمري إيطاليا وفرنسا، كونه سيشهد غياب القوى الليبية الفاعلة، وبالتحديد طرفا الصراع الغارقين في قتال داخلي «حفتر والسراج».

رئيس حكومة الوفاق فائز السراج رحّب بالمبادرة لكنه اشترط مشاركة كل الدول الفاعلة في الملف الليبي، في إشارة إلى دولتي تركيا والجزائر التي لم تتلق أي منهما دعوة للحضور، وهو ما تخوفت منه الوفاق وأن يكون المؤتمر بهدف وقف إطلاق النار، ومنح حفتر ورقة تفاوضية جديدة لم يكن يمتلكها من قبل، ممثلة بالتفاوض وقواته مرابطة على مدن غلاف طرابلس، وهو ما يحوّل هزائم تلك القوات لانتصارات سياسية.

تجاهل تركيا والجزائر، يأتي لصالح مصر والسعودية والإمارات المشاركين في المؤتمر، ومن المتوقع أن يدعموا حفتر للبقاء في المشهد رغم خسارته العسكرية، من دون إقصائه من الإشراف على القوات المسلحة الليبية.

واللافت أن أعضاء مؤتمر برلين يُشار إليهم بأنهم شركاء الحرب، فحفتر أطلق حفتر النفير العام للسيطرة على طرابلس، مدعومًا بدعمٍ أمريكي فرنسي روسي، بالإضافة لذخيرة مصرية، وأموال سعودية، وطائرات إماراتية، كما وصفها المتحدث باسم الجيش الليبي بـ«الضربات الجوية الصديقة».

وسبق لحكومة الوفاق أن اتهمت دولًا كبرى (الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا) بتوفير غطاء دولي لحفتر بعدم إصدار قرار من مجلس الأمن بتوقف القتال إلا بعد إحراز الجنرال الليبي تقدمًا ميدانيًا يجعله شريكًا في العملية السياسية المقبلة.

وسبق لحكومة الوفاق أن طلبت من فرنسا إيضاحات عاجلة بشأن العثور على صواريخ فرنسية داخل قاعدة تابعة لحفتر، والأمر نفسه تكرر، بعدما أعلنت الولايات المتحدة بفتح تحقيق عاجل بشأن تسليم الإمارات أسلحة أمريكية للجنرال الليبي استخدمها في معركته.

ومع اشتراط رئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، استبعاد حفتر من المفاوضات الدولية والعملية السياسية؛ وجد الجنرال الليبي نفسه مُجبرًا على خوض الحرب حتى النفس الأخير، مدعومًا من مصر والسعودية والإمارات لخوض معركة الحسم، وهو ما كشفته صحيفة روسية بشأن حصول حفتر على منظومة دفاع جوي متطور من طراز «بانتسير إس1/ إس آي 22» روسية الصنع، تُنقل على عربة «مان إس إكس 45» ألمانية الصنع.

وحسب الصحيفة، فإن الإمارات هي الدولة العربية التي تمتلك 50 قطعة عاملة من هذه المنظومة، وعلى الأرجح فإنها هي التي مدت الجنرال الليبي بها.

حصول حفتر تحديدًا على منظومة دفاع جوي متطور، جاء نتيجة حصول حكومة الوفاق على الطائرات المسيرة من طراز «بايراكتار تي بي ، التركية الصنع، والتي حوّلت مسار الحرب خلال الجولة الثانية متفوقة على الطائرات الإماراتية والليبية التابعة لحفتر، والتي اتهمتها «منظمة العفو الدولية» بالقصف العشوائي للمدنيين والمناطق السكنية، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية.

وبفضل الدفاع الجوي الذي امتلكه حفتر، تمكنت قواته من إسقاط طائرة تركية من طراز «درون» باهظة الثمن، وهو ما مثّل مفاجأة كبيرة للوفاق، دفعت الجنرال الليبي –الذي تمكّن من ضبط إيقاع المعركة لصالحهلإعلانه رفض مبادرة إطلاق النار إلا بعد دخول طرابلس.

وفي حال نجح مؤتمر برلين في إصدار قرار من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، يكون الجنرال الليبي الذي عجز عن إنهاء المعركة بتحقيق أهدافها، أو إحراز أي تقدم عسكري قد حصل فعليًا على مكسبٍ سياسي يُمكّنه من التفاوض مجددًا باعتباره أقوى رجلٍ في ليبيا كما يعتبر نفسه.

_____________