Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

الجزء الثالث

إنه من الصعب للغاية التمييز بين الأنظمة “السلطوية التنافسية” و “السلطوية الانتخابية” وقياس كل هذه المعايير في كل دولة. وقد قام لاري دياموند، الذي أكد أيضاً على هذه الصعوبة، بتصنيف دول الشرق الأوسط في عام 2002 على النحو التالي: إيران واليمن ولبنان كأنظمة سلطوية تنافسية؛ الكويت والأردن والمغرب والجزائر وتونس ومصر كأنظمة سلطوية انتخابية؛ والبحرين وعمان والإمارات وقطر والعراق وليبيا والمملكة العربية السعودية وسوريا كأنظمة سلطوية مغلقة سياسياً.

واليوم يمكن تصنيف تونس والعراق وليبيا على أنها أنظمة سلطوية تنافسية. ولا يزال مستقبل النظام في مصر غير واضح بعد الانقلاب العسكري.

وفي أماكن أخرى من المنطقة، لا تزال هناك دول مستبدة إلى حد ما. أما النظام الإقليمي الحر الوحيد الذي يصنف على أنه ديمقراطي في المنطقة هي تركيا، التي التي لم تكن أبدا ديمقراطية ليبرالية.

وعلاوة على ذلك، ففي السنوات الأخيرة، تعرض حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لانتقادات واسعة النطاق على الصعيدين الوطني والدولي بسبب التحرك تجاه الحكم الاستبدادي.

ولا تزال تركيا تُصنَّف على أنها حرة جزئياً من قبل مؤسسة فريدوم هاوس الأمريكية، ولكن تم تخفيض معدل حرية الصحافة بها من حرة جزئياً إلى غير حرة في عام 2014.

وباعتبارها أقوى ديمقراطية في المنطقة، لا تزال تركيا تعاني من سياسات غير ديمقراطية بعد مرور حوالي 70 عاماً على أول انتخابات متعددة الأحزاب بها.

لا تزال أسس الديمقراطية غير مستقرة أو غائبة تماماً في جميع دول الشرق الأوسط تقريباً. هذه الحقيقة الواضحة تقود المرء إلى التفكير في الأسباب الكامنة وراء الميول الاستبدادية في دول الشرق الأوسط.

ما هي الأسباب وراء ذلك؟

لا توجد إجابة سحرية تفسر العجز الديمقراطي في المنطقة. وهناك عدد من العوامل الداخلية والخارجية التي تفسر الاستبداد في الشرق الأوسط، على الرغم من وجود إجماع ضئيل بشأن ذلك. استندت الكثير من الكتابات في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلى تفسيرات اجتماعية واقتصادية تؤكد على العلاقات بين المستويات العالية للتنمية الاقتصادية والديمقراطية.

وقد جادل ليبسيت (1957) بأن هذه العلاقة أثرت على العديد من التحليلات خلال هذا الوقت.

ولا يزال العديد من العلماء يتبنون التفسيرات الاقتصادية، ولكن التركيز تحول بعيداً عن التنمية إلى مصادر الإيرادات وتركيبة الطبقات (الاجتماعية).

وهناك تفسيرات أخرى أكثر ديمومة وهي الثقافة والدين. فقد اعتبر الباحثون أن ثقافة المنطقة تقاوم بشكل استثنائي جهود إرساء الديمقراطية.

وبهذا المعنى، اتهموا الثقافة العربية والإسلامية بالوقوف وراء الاستبداد في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من أن نظرية “استثنائية الشرق الأوسط” تعرضت لانتقادات شديدة بسبب منظورها الاستشراقي في السنوات الأخيرة، إلا أنها تعتبر التفسير الأكثر انتشاراً. وهناك أيضاً جدل حول فرضية التقسيم الاجتماعي والثقافي وفرضية الأبوية، التي تستخدم الهيكل الاجتماعي للمجتمع كأداة لتفسير ذلك.

وبعد تسعينيات القرن العشرين، أكدت كثير من الأعمال على دور الانتخابات في الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية.

وفي السنوات الأخيرة، استرعت القدرة والإرادة ووضع الجيش كجهاز قسري للدولة لقمع أي مبادرة ديمقراطية – استرعت انتباه بعض الأدبيات. وقد يكون التاريخ هو العامل الأكثر إهمالاً في الدراسات في هذا المجال.

لقد ركزت التفسيرات التاريخية بشكل أساسي على التجارب السابقة للدول مع الديمقراطية أو تأثير الإسلام والثقافة العربية، ولكنها لم تولي اهتماماً كبيراً لتأثير الماضي الاستعماري في ذلك.

إن التركيز على الديناميات الداخلية يؤدي إلى التغطية على الدور المنتقَد للقوى العظمى بخصوص الاستبداد والديمقراطية في الشرق الأوسط، ليس فقط خلال الحقبة الاستعمارية ولكن حتى اليوم أيضاً.

في الأدبيات الاستبدادية، تؤكد بعض الدراسات على آثار عوامل أخرى مثل الصراع العربي الإسرائيلي، ومعدل محو الأمية (الإلمام بالقراءة والكتابة)، ووضع المرأة وغيرها على انتشار القواعد الاستبدادية في جميع أنحاء المنطقة.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الدراسات وحججها التي يمكن دحضها بسهولة تفشل في شرح أسباب الاستبداد في المنطقة، فإن مجموعة من النظريات تعطي نظرة ثاقبة حول كيفية تمكن الأنظمة الاستبدادية من البقاء لفترة طويلة.

تأثير الماضي

الميراث المؤسسي

 من أجل فهم بنية الدولة في الشرق الأوسط، يجب أن نلقي الضوء على تاريخ المنطقة. يمكن إرجاع أصول الحكم الاستبدادي واستمراره في المنطقة إلى الحقبة الاستعمارية.

فقد كانت جميع دول الشرق الأوسط الحديث وشمال إفريقيا، باستثناء إيران والمغرب ومحيط شبه الجزيرة العربية، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وأصبح معظمها بعد ذلك خاضعاً لحكم القوى الاستعمارية الأوروبية – باستثناء إيران والمملكة العربية السعودية واليمن الشمالي وتركيا.

 وكما أشار أندرسون، فقد بدأ تشكيل الدولة والتطور البيروقراطي في الشرق الأوسط في فترة الحداثة في ظل الإمبراطورية العثمانية. ومع ذلك، فقد تم تعليق التطوير الإداري العثماني عندما قام الأوروبيون بتفكيك الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى.

وفي بعض الحالات، مثل تلك الموجودة في مصر وتونس، سمح الأوروبيون بالاستمرار في عملية تشكيل الدولة. أما في معظم بقية دول الشرق الأوسط، فقد قام المحتلون الأوروبيون الذين كانوا يحكمون هذه الدول بتدمير المؤسسة البيروقراطية والعسكرية والمالية العثمانية واستبدالها بمؤسساتهم الخاصة.

وقد أدى هذا الإيقاف إلى خلق إدارة غير مستقرة تفتقر إلى الشرعية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أربك المستعمرون الأوروبيون السلطة السياسية حسب مصلحتهم ومنعوا ظهور الجماعات المنافسة عن طريق تقسيم المجتمع ودعم الحكام المحليين المتحالفين معها وإبقاء المجتمع المدني في حالة من الضعف.

وعلى الرغم من وجود بعض محاولات لإرساء الديمقراطية خلال الانتداب البريطاني والفرنسي في المنطقة، إلا أنها كانت مجرد إصلاحات تجميلية للتغطية على الهيمنة الأجنبية أكثر من كونها جهود حثيثة نحو إنشاء دول ديمقراطية . ففي تونس وجنوب اليمن والجزائر على سبيل المثال، أنشأت فرنسا وبريطانيا هيئات برلمانية زائفة، لكن هذه الهيئات حرمت النخب المحلية من لعب دور سياسي .

كان هذا هو نفس ما حدث في برلمانات العراق والأردن وسوريا. ونتيجة لذلك، فعندما نال عدد كبير من دول الشرق الأوسط الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، ورثت الدول الجديدة مؤسسات ضعيفة، ومجتمعات مدنية ضعيفة، وهيكل سلطة أساسي محدود.

 ووفقاً لميشيل بينر أنجريست ، فإن طبيعة أنظمة الأحزاب المحلية الناشئة عند رحيل القوى الاستعمارية الأوروبية أثرت في النهاية بشكل كبير على نوع الأنظمة السياسية التي ظهرت بعد حصول دول الشرق الأوسط على استقلالها.

ففي دول مثل تونس واليمن الجنوبي والجزائر، اتحدت النخب السياسية تحت حزب واحد لتعبئة الجماهير في احتجاجات واسعة النطاق ضد القوى الإمبريالية. وفي الدول التي كان فيها حزب واحد مهيمن وقت الاستقلال، تطورت إلى دولة الحزب الواحد. ويجادل أنجريست بأن دول الحزب الواحد، لم تجعل الاستبداد فيها أمراً حتمياً فحسب، بل مكَّنت النخب غير الديمقراطية أيضاً من بناء أنظمة استبدادية بسرعة وفعالية كبيرة لأنهم ببساطة لم يواجهوا أي أطراف منافسة.

وعلى الرغم من وجود شكل من أشكال السياسة التنافسية في العراق والأردن ومصر وسوريا خلال الاستقلال، فقد مهدت الطريق تدريجياً إلى حكم استبدادي.

كما أضاف أنجريست، أنه إذا وصلت الجهات الفاعلة الرئيسية إلى نتيجة مفادها أن تكوين نظام حزبي معين يهدد وضعهم ومصالحهم (المكتسبة أو التي كان يتم الحفاظ عليها في ظل الهيمنة الاستعمارية الأوروبية)، فمن المرجح أن يتنكروا تماماً للمعايير الديمقراطية ويدعموا الجهات الفاعلة والمؤسسات والمبادرات غير الديمقراطية.

وعلى الرغم من أن هناك دراسات أخرى تتحدث عن الآثار الإيجابية للتراث الاستعماري البريطاني، إلا أنها لا تستطيع تقديم أي دليل على ذلك من الشرق الأوسط أو إفريقيا. وقد ذكر مايرون وينر في مقال معروف له أن الإدارة الاستعمارية البريطانية كان لها تأثير قوي في إنشاء أنظمة ديمقراطية في العالم الثالث.

ومع ذلك، فهناك ستة دول فقط تنطبق عليها المعايير التي أوردها وينر؛ كما أكد هنتنجتون، أن هناك عدد أكبر بكثير من المستعمرات البريطانية السابقة التي لم تدعم الديمقراطية.

وفي بحثه التجريبي، قام فيش ، أيضاً باختبار هذه الجدلية، واعتبر أن التراث الاستعماري البريطاني الذي ترك “نموذج وستمنستر البرلماني” وراءه لا يوفر بالضرورة ميزة كبيرة لأي دولة في التحول الديمقراطي.

وهذا يعني أيضاً أن المستعمرات السابقة للقوى الأوروبية الأخرى ليست أكثر عرضة للاستبداد.

 ويعتقد إريك شاني، وهو باحث آخر، أن السبب وراء الاستبداد في الشرق الأوسط يكمن في التاريخ، لكنه يعود بذلك إلى ما قبل الهيمنة الأوروبية على المنطقة.

ووفقاً له، فإن الافتقار إلى الديمقراطية في المنطقة هو نتاج توازنها السياسي الفريد، الذي نشأ أثناء الفتح العربي، أكثر من خصائصه الثقافية أو الإثنية أو الدينية .

وركز تشاني في مقاله على الدول التي غزتها الجيوش العربية خلال فترة التوسع الإسلامي قبل 1100 م. وزعم فيه أن “غياب الديمقراطية في العالم العربي” هو نتاج الإرث الطويل لهياكل التحكم التي نشأت في بدايات العالم الإسلامي.

ووفقاً لفرضيته تلك، فإن المناطق التي غزاها العرب تشتمل على مؤسسات سياسية استبدادية على نحو غير عادي نتيجة ميلهم إلى تبني جيوش من المماليك.

وسمح استخدام جيوش المماليك للحكام بتقويض قواعد النخب المحلية على نطاق واسع، مما أدى إلى تدميرها. ومع تزايد تركيز السلطة السياسية في أيدي القادة العسكريين المدعومين من جيوش المماليك، ظهر الزعماء الدينيون باعتبارهم الاختيار الوحيد المقبول لتولي السلطة.

لم ينتج عن التحالف بين القادة العسكريين وعلماء الدين نشوء مؤسسات ديمقراطية، حيث عملوا سوياً لتطوير وترسيخ نوع من التوازن المؤسسي “الكلاسيكي.

واستمر هذا التوازن السياسي في العديد من المناطق حتى القرن التاسع عشر وخلف تركة من المؤسسات الضعيفة والمجتمع المدني الضعيف. وعلى مدار القرن الماضي، حافظ المستعمرون الأوروبيون والحكام الأصليون على الهيكل السياسي التاريخي.

وتوفر فرضية تشاني نظرة تاريخية مختلفة. ومع ذلك ، كما أشار أكيرلوف فحتى لو قبلنا فرضية تشاني، كيف يمكننا إهمال وجود سلطات لمجموعات جديدة، مثل سياسات الشرق الأوسط، وتأثيرها على هيكل النظام اليوم؟

فمنذ الفتح العربي إلى اليوم، تم احتلال دول الشرق الأوسط عدة مرات. ومما لا شك فيه أن تأثير الاحتلال الأوروبي الأخير لهذه الدول على مأسسة هذه البلدان أكبر بكثير عن التأثير الذي حدث في الماضي. وبالإضافة إلى ذلك، فيمكننا أن نجد مثل هذه الأنواع من تحالفات القوى في التاريخ الأوروبي أيضاً، رغم أنها لم تمنع ظهور الديمقراطية وتكريسها في أوروبا.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

_____________