Minbar Libya

بقلم ايليج نون

يفترشن الطرقات منذ ساعات الفجر الأولى، يقفن في الصفوف الأمامية، وتصدح أصواتهنّ في الوطن أجمع: ثورة، ثورة، ثورةإنهن النساء اللواتي يؤكدن باستمرار أنه بوسعهنّ هزّ الأوطان، كسر حاجز الخوف والتغلّب على الصور النمطية.

في خضمّ المظاهرات التي يشهدها لبنان، تحوّلت الأنظار جميعها إلى المرأة اللبنانية ودورها الفعال في تحريك الرأي العام، والمطالبة بحقوقها وظروف حياتية أفضل، وعلى رأسها: حقها بالحضانة ومنح الجنسية لأولادها، محاربة التمييز الجنسي والوقوف بوجه المحاكم الشرعية والعقلية الذكورية.

فقد انتشرت في الأيام القليلة الماضية العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي تكشف الدور الكبير الذي تلعبته المرأة اللبنانية في ساحات التظاهر، ومن بينها صورة تعود لشابة قامت بركل حارس شخصي تابع لأحد الوزراء اللبنانيين، لمنعه من الاعتداء عليها وعلى المتظاهرين، وقد تحولت هذه الصورة إلى أيقونةتجسّد قوة المرأة وجرأتها في الدفاع عن نفسها وعن وطنها.

وبالفعل تصدّرت النساء الغاضبات، المقهورات والمتمردات، المشهد الإعلامي اللبناني، من خلال قيادة التحركات في الشارع، أو قيادة الهتافات وتغطية التحركات إعلامياً.

تعتبر البعض أن هنالك تغيير جذري حصل في السياق الجندري،  ظهرت ملامحه من اللحظة التي بدا واضحاً ما أنتجه الفعل التراكمي للنضال النسوي للمرأة اللبنانية على مرّ السنين.

هذا التغيّر التي تجسّد  في كل ملامح الثورة اللبنانية وفضاءاتها العامّة.

ومن هنا،  أصبح شعار الثورة أنثىعملياً، امتد إلى المطالبة بتعديل الجملة الواردة في النشيد الوطني اللبناني والتي تقول: “سهلنا والجبل منبتٌ للرجال، لتصبح: “سهلنا والجبل منبتٌ للنساء والرجال“.

كيف بدت صورة المرأة اللبنانية في الانتفاضة الشعبية؟

أجمل ما رأيته خلال هذه الثورة هو الوجود النسائي القوي والذي لا يمكن إنكاره وتجاهله على الإطلاق، هذا ما قالته الناشطة اللبنانية ساندرين افرام لموقع رصيف22.

في البداية تشير افرام إلى أن اللبنانيات اللواتي افترشن الطرقات بأجسادهنّ، استطعن كسر حاجز الخوف، بسبب الجوّ الآمن الذي تم خلقه في مختلف الشوارع اللبنانية: “لم تعد المرأة تخاف من الشارع، وبتنا نرى الكثير من السيدات اللواتي يتجولن على الطرقات بمفردهنّ في ساعات متقدمة من الليل، وينظر إليهنّ الجميع باحترام وتقدير، من دون التعرض لهنّ بأي كلمة نابية“.

من خلال تواجدها الدائم في ساحات المظاهرات، تكشف ساندرين أنّ مشهد الانتفاضة قد اختلف هذه المرة عن غيره من المرّات: “في السابق اعتدنا أن يأخذ الرجال زمام المبادرة في إغلاق الطرق والبدء في المظاهرات، غير أن هذه المرة خرجت النساء، من جميع الأعمار والطوائف والمذاهب، إلى الشارع، مرددات الكثير من الشعارات الجميلة التي تحمل الطابع النسوي مثل: “نزلت تتظاهر طالعة، عالاعتصام طالعة، بدها حرية طالعة، هيدي ثورة البنات عليهم يا نسوية…”.

ووسط محاولات عرقلةهذه التحركات عن طريق زرع الفتنة، تشيد افرام بالدور الهام الذي لعبته النساء لجهة الحفاظ على سلمية المظاهرات: “من الجميل رؤية نساء يقدن الهتافات وأخريات يقفن في الطليعة للدفاع عن الآخرين، دون أن ننسى الحزام البشري الذي قمن بتشكيله على خط المواجهة بين الشرطة التابعة للسراي الحكومي والمتظاهرين، ما ساهم في إخماد أي شرارة عنف“.

ورداً على بعض الأصوات التي تحاول التقليل من شأن المرأة في الحراك الشعبي، تجيب ساندرين: “وقفت النساء في الصفوف الأمامية وقمن بتشكيل درع لحماية جميع المتظاهرين، هل هناك من قوة أكثر من ذلك؟ أثبتت المرأة للجميع أنها في الطليعة، وأعتقد أن ما تفتقده الطبقة السياسية هو وجود المزيد من النساء اللواتي لا يخشين مواجهة الخطر والأزمة“.

تعتبر ساندرين أن تثقيف جيل المستقبل حول المواطنة وتأدية الواجب نحو الوطن هو أمر بالغ الأهمية في مثل هذه الثورات، كاشفة عن الدور الكبير الذي تقوم به الكثير من الأمهات اللبنانية على أرض الواقع: “اصطحبت احدى الأمهات أولادها إلى ساحة رياض الصلح لجعلهم يشاركون في حملات التنظيف والحفاظ على الصورة الحضارية للثورة، انطلاقاً من فكرة أن الأولاد في هذه المرحلة الدقيقة ليسوا في إجازة إنما بحاجة إلى تقديم يد العون تماماً كسائر أفراد المجتمع“.

هذا وتؤكد ساندرين افرام أن دور المرأة ضروري في الشارع اللبناني بغية رفع صوتها عالياً والمطالبة بحقوقها وعلى رأسها: محاربة النظام الذكوري، وعن هذه النقطة تقول: “تقود النساء هتافات وتطلق شعارات تدعو من خلالها إلى المساواة وإلى إقرار قوانين تحمي المرأة وتكفل حقوقها الاجتماعية والاقتصادية“.

بدورها أشادت الناشطة اللبنانية ميرا عبد الله بالحضور النسائي الكبير في الانتفاضة التي يشهدها لبنان، بخاصة وأن المشاركة تأتي من جميع أطياف المجتمع، وفق ما تؤكده لرصيف22: “كل النساء عم بينزلوا لأنن جزء أساسي من يلي عم بصير بالبلدما كان في شي رح يصير من دون مشاركتن“.

وعن سبب تموضع النساء في الخطوط الأمامية، تشير عبد الله إلى أن هذه الخطوة تهدف بشكل خاص إلى تجنب الاحتكاك مع القوى الأمنية والجيش، بالإضافة إلى الحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات.

أما النقطة الأهم التي لمستها ميرا من خلال تواجدها في الشوارع فهي كسر حاجز الخوف في الكثير من المناطق المحافظة، والتي لطالما سادها الفكر الذكوري التقليدي، وإطلاق شعارات نسوية تفاعل الناس معها بإيجابية: “هدفنا إطلاق شعارات بنّاءة لا تركز على الجسد الأنثوي والأعضاء التناسلية، هذا بالإضافة إلى قيام الكثير من المتظاهرات بنشر الوعي عن طريق تصحيح بعض المصطلحات الخاطئة والتي تسيء بشكل خاص إلى مجتمع الميم: “لم يكن البعض يعلم مثلاً أنه لا يجب أن يستخدم كلمة لوطيعند إطلاق الشتائم“.

المرأة في الثورات العربية

لقد سجّلت المرأة العربية حضوراً لافتاً في الثورات الشعبية التي اندلعت في الكثير من البلدان العربية، لتؤكد أنها لا تقلّ شأناً عن الرجال، رغم الظروف الحياتية الصعبة التي تمرّ بها والصور النمطية التي تلاحقها في مجتمعات يغلب عليها الطابع الذكوري.

فبالعودة إلى أول الانتفاضات التي شهدتها البلدان العربية في الألفية الثانية، وهي ثورة الياسمين في تونس، تزعمت المرأة الاحتجاجات مثلما فعل الرجل تماماً، وبقيت التونسيات في ساحات الاحتجاج لحين الإطاحة بحكومة زين العابدين بن علي في يناير 2011.

وفي ليبيا كان الحضور النسائي بارزاً في الثورة التي انطلقت في شهر فبراير 2011، والتي أطاحت بالقذافي، وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، قامت النساء حينها برعاية المقاتلين الجرحى وإعداد الطعام وبيع المجوهرات الخاصة بهنّ لشراء سيارات الجيب القتالية.

وفي ثورة مصر التي انطلقت في 25 يناير 2011، وأدت إلى سقوط نظام الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير، شاركت المرأة بقوة في المظاهرات الحاشدة، بحسب ما توثّقه العديد من الصور ومقاطع الفيديو، فنزلن إلى الشارع ورفعن الكثير من الشعارات وعبّرن عن حقوقهنّ بكل جرأة.

أما في سوريا فكانت المرأة شرارة الثورة ومحط أنظار الرأي العام، ففي درعا تم اعتقال النساء والأطفال، بالإضافة إلى اعتقال ناشطات سياسيات في دمشق، وعليه برزت المظاهرات النسائية في درعا في تشييع الشهداء، وخرجت النساء أيضاً في حمص وحلب ودمشق ودير الزور وإدلب وغيرها من المناطق السورية، لتثبت المرأة أنها ليست بعيدة عن ثورتها وأنها شريكة حقيقية للرجل.

وفي اليمن أيضاً، كان للمرأة دور مهم في الثورة التي شهدتها البلاد في 11 فبراير 2011، والتي أجبرت علي عبد الله صالح على التنازل عن الحكم في فبراير 2012، وقد لمع أسماء ناشطات يمينيات كثيرات، يعتبرن اليوم من أبرز المدافعات عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة في اليمن

في الجزائر كان الحضور النسائي بارزاً في التظاهرات التي شهدتها البلاد منذ فبراير 2019، حيث نجحت هذه الثورة بإزالة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أعلن استقالته في أبريل من العام نفسه، وكانت ساحات المظاهرات في الجزائر تضج بأصوات النساء الثائرات وهتافاتهنّ التي لم تهدأ حتى تحققت رغبة الشعب في تغيير سلطة الحكم.

وعلى غرار النساء في ثورات البلدان العربية الأخرى، كانت المرأة السودانية بدورها حاضرة بقوة مع الرجل في مظاهرات حاشدة، فكانت تقف أمام القوات الأمنية وتهتف بصوت مرتفع من أجل إسقاط النظام الذي اعتمد سياسة قمعية تجاه النساء.

واللافت أنه في بداية المظاهرات برزت صورة لشابة ترتدي ثوباً أبيض، بدت كأنها تخاطب حشداً من المتظاهرين، وأعرب المغردون حينها عن إعجابهم بقوتها وثقتها بنفسها، ووصفوها بأنها أيقونةالثورة السودانية، معتبرين أن الثورة السودانية أنثى“.

***

ايليج نون ـ صحافية لبنانية، تعمل في مجال الاعلام الالكتروني، فضلاً عن كونها مدربة متخصصة في قضايا الجندر والإعلام.

_________