Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

.

.

الجزء الخامس

الثقافة العربية والأبوية الجديدة [2]

 في حين أن دراسة ستيبان وروبرتسون، مثل الدراسات الأخرى المذكورة هنا، تدحض الحجج حول أن الإسلام غير متوافق مع الديمقراطية، فإن دراستهم تعاني من ضعف تفسير ثقافي آخر. فمن الممكن العثور على أمثلة أخرى لــ”الاستثنائية العربية” التي تلقي باللوم على الثقافة العربية وليس الدين في عجز الديمقراطية.

حيث تلقي هذه الدراسات باللوم على الثقافة السياسية في المنطقة، بما في ذلك المؤسسات السياسية والإجراءات و مواقف المواطن وقيمه، بكونها معادية لظهور المؤسسات الديمقراطية.

 وشرح أحد أنصار هذا النهج، هيرشام شرابي، مقاومة المنطقة للديمقراطية بمفهوم “الحكم الأبوي الجديد. جادل شرابي بأن السمة المركزية للمجتمع العربي هي القمع والهيمنة الكاملة للأب في الأسرة وللذكور في العلاقات بين الرجال والنساء. وكذلك لا توجد سوى علاقات رأسية بين الحاكم والمحكوم وبين الأب والطفل.

هذه العلاقات تتكرر ليس فقط في المجتمع الأوسع، ولكن أيضاً في العلاقات بين الدولة والمواطن. وتؤسس هذه الآلية لثقافة الهيمنة والتبعية في الحياة الاجتماعية والسياسية . وقد تفاعلت هذه الهيمنة التقليدية (الأبوية) مع الحداثة في العالم العربي المعاصر. فالمجتمع العربي “ليس حديثاً وليس تقليدياً” في نفس الوقت .

وأطلق شرابي على هذه التركيبة الهجين “الأبوية الجديدة”، والتي تؤثر على الحياة الاجتماعية والسياسية في العالم العربي. ونتيجة لذلك، فقد سادت في الدول العربية أشكال حديثة مشوهة، بغض النظر عن البناء المؤسسي والتشريعات الحديثة،. ووفقاً لشرابي ، فإن هذه الدولة “من نواح كثيرة ليست أكثر من نسخة حديثة من السلطة الأبوية التقليدية”.

وفي إطار مشاركة معظم النهج االذي تبناه شرابي بأن الأبوية ظلت النمط السائد للقيادة في سياسة الشرق الأوسط على مدى قرون، أكد بيل وسبرينج بورج على الدور المحوري للمجموعات المعاونة والمؤسسية في النظام السياسي الغربي. وكان ما يميز بنية المجموعة المهيمنة على الحكم في العالم الإسلامي هو أنها مجموعة “غير رسمية” أكثر من كونها “مجموعة رسمية”. حيث يتطلب تشكيل بنية مجموعة رسمية قابلة للبقاء:

1- مستوى معقول من مهارات التنظيم،

2- درجة أدنى من مدى الثقة والتعاون،

3- أموال ضخمة لتمويل المعدات والتوظيف،

4- التسامح السياسي واستعداد من جانب النخب السياسية لتحمل وجود مثل هذه المجموعات.

ووفقاً لبيل و سبرينج بورج . فإنه نادراً ما تكون الشروط الواجب توفرها في مثل هذا الهيكل التنظيمي موجودة جميعها في مجتمعات الشرق الأوسط.

وانتقدت أندرسون بشدة توجه بيل وسبرينج بورج. وأكدت أنه حتى الأسرة في المجتمع العربي، وليس المجموعة المعقدة من الأسر التي تشكل القبائل، تفي بمعظم شروط تشكيل جماعة رسمية. وقالت إن الشرط الرابع فقط – التسامح السياسي – غير موجود في العالم العربي . كما لفتت أندرسون الانتباه إلى الهجرة في المناطق الحضرية وهجرة الأيدي العاملة، والتي غيرت تركيبة المجتمع وقلصت نسبة “الأبوية” بشكل عام.

ويُشكك معظم العلماء اليوم في التفسيرات المرتبطة بالثقافة. ويوافق فيش على بعض المآخذ المتعلقة بتفسير السياسة من خلال العلاقات الأسرية؛ ومع ذلك، فقد حذر من أنه لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الأمر. وهو يرى أن “الأفراد الذين اعتادوا بشكل أكبر على العلاقات الهرمية الصارمة في حياتهم الشخصية قد يكونون أقل عرضة لمقاومة هذه الأنماط من السلطة في السياسة”. وبالتالي، فإن معاملة المرأة هي أمر مهم في هذا الخصوص، ولكنه عامل واحد فقط من بين عدة عوامل .

 وبشكل عام، تعتبر التفسيرات الثقافية عامل الثقافة شرطاً أساسياً لنجاح تطبيق الديمقراطية وتعتقد أن هناك خطأ ما في الثقافة العربية. ومع ذلك، فإن البحوث والبيانات التجريبية في العالم العربي تشير إلى عكس ذلك. فوفقاً للبيانات التي تم جمعها من 20 دراسة استقصائية مختلفة أجريت في تسع دول عربية بين عامي 2000 و 2006، فإن الدعم الشعبي للديمقراطية واسع الانتشار في المنطقة.

وتشير أيضاً البيانات الشاملة لمنطقة الشرق الأوسط والتي جاءت نتيجة لـ “استطلاع القيم العالمية” إلى أن دعم الديمقراطية في العالم العربي مرتفع أو أنه أعلى من أي منطقة أخرى . ووفقاً للورنس روزن ، فإن الثقافة مهمة ولكن هذا لا يشير إلى أن هناك شيئاً متأصلاً في الثقافة العربية أو الإسلام يمنع تطور الديمقراطية. وقال إن بناء المؤسسات قد يتبع مساراً مختلفاً في العالم العربي عنه في الغرب. وحذر روزن من الافتراضات المعدة سلفاً بأن الهياكل الدستورية الغربية سوف تفي بالضرورة بالاحتياجات المحلية في الشرق الأوسط .

 تأثير الحاضر

 دور الغرب: تعزيز الديمقراطية

 من المهم أن نلاحظ تأثير القوى الخارجية على عملية التحول الديمقراطي في جميع أنحاء العالم. وتلعب عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، دوراً مهماً في دمقرطة أوروبا الشرقية.

إن لضغوط وحوافز الاتحاد لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على إقرار الديمقراطية، ليس فقط في الدول الأعضاء، ولكن أيضاً في الدول المرشحة للانضمام إليه. ومع ذلك، فإن الضغوط الخارجية التي تهدف إلى دمقرطة المنطقة في فترة ما بعد الحرب الباردة لم تجلب الديمقراطية إلى الشرق الأوسط. وخلال سنوات الحرب الباردة تم دعم الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط من قبل كلتا الدولتين العظميين، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

لقد قدموا الأسلحة والدعم الفني والمالي بصرف النظر عن نوع النظام الذي تقدم له هذا االدعم ما لم يكن يشكل تهديداً على مصالحهم. وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، فرضت الولايات المتحدة سياسة جديدة تستند إلى دعم عملية التحول إلى الديمقراطية من أجل تأمين الأنظمة الموالية لأمريكا ضد تهديدات الحركات الإسلامية المتطرفة التي تزداد شعبيتها في المنطقة.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر، دعمت الإدارة الأمريكية سياسة تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط. ففي البداية، ركزوا في الأغلب على تعزيز إقامة انتخابات حرة ونزيهة وإصلاح مؤسسات الدولة؛ وفي وقت لاحق، أصبح دعم المجتمع المدني والحقوق المدنية وحقوق الإنسان جزءاً من برامج المساعدات الديمقراطية. ومع ذلك، لم تؤدي كل هذه الجهود إلى إحداث تغيير سياسي حقيقي في الشرق الأوسط.

وفي ترويجها للديمقراطية، اتبعت حكومة الولايات المتحدة نمطين اثنين، أحدهما لـ “أصدقاء” الولايات المتحدة والآخر لـ “خصومها” . فكان الضغط الذي تمارسه على “الأصدقاء” محدودا للغاية. وبدأت بعض الأنظمة مثل البحرين وقطر والكويت واليمن والسعودية ومصر والأردن والجزائر والمغرب في إجراء إصلاحات، ولكن بشكل محدود وبطريقة خاضعة تماماً للرقابة من النظام

وبسبب تعدد أولويات الأمن والطاقة في الغرب  لم تواجه معظم الأنظمة الاستبدادية ضغوطاً خارجية حقيقية ما لم تهدد مصالح الغرب الحيوية. ونتيجة لذلك، لم تحد هذه الإصلاحات من الصلاحيات الكبيرة الممنوحة لقادة هذه الدول؛ وفي كثير من الحالات، ساعدتهم الإصلاحات على تعزيز حكمهم وإحكام قبضتهم. وباختصار، فقد كان تحقيق الديمقراطية في المنطقة دائماً هدفاً ثانوياً تطغى عليه المخاوف الأمنية الحيوية للولايات المتحدة وأوروبا.

وكما أوضح كاروثرز، “عندما يبدو أن الديمقراطية تتناسب مع المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة تعزز الديمقراطية. وعندما تصطدم الديمقراطية بالمصالح المهمة الأخرى لها، يتم التقليل من أهميتها أو حتى تجاهلها” .

وبالمثل، أعطى التوجه إلى تعزيز الاتحاد الأوروبي للديمقراطية الأولوية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي. فتجاهلت معظم الدول الأوروبية القمع السياسي للأنظمة لصالح مصالحها الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، حصلت مصر، على الرغم من القمع السائد للنظام، على أكبر قدر من المساعدات المالية الأوروبية للحفاظ على الوضع الراهن في الشرق الأوسط الذي أسست له معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979.

فقد منحت الدول الأوروبية بشكل فردي والاتحاد الأوروبي كمنظمة الأنظمة الاستبدادية بالمساعدات المالية؛ ومع ذلك، فقد قللوا من اتصالهم بالجماعات السياسية الإسلامية التي واجهت مضايقات أشد من هذه الأنظمة. وبالاختباء وراء ذريعة أن “الإسلاميين قادمون”، تركت أنظمة الشرق الأوسط مساحة محدودة للغاية للقوى الإسلامية غير العنيفة للانخراط في السياسة.

فعلى الرغم من السماح للأحزاب السياسية بالترشح للانتخابات في الأردن والكويت واليمن والمغرب، فقد تعرضت للقمع المستمر من قبل الحكام عندما كانوا يُظهرون أداءً جيداً في أي انتخابات. وكان رد فعل الاتحاد الأوروبي على قمع الأنظمة للإسلاميين هو الصمت.

 وتكمن المشكلة الرئيسية لتعزيز الديمقراطية الغربية في أنه تُعطى الأولوية للانتخابات متعددة الأحزاب على أبعاد أخرى للديمقراطية، مثل الحريات المدنية. وبالإضافة إلى ذلك، يجادل ليفيتسكي وواي بأن الضغط الخارجي من أجل التحول إلى الديمقراطية ليس له نفس التأثير على كل دولة؛ فالنتيجة تعتمد على تأثيرات “النفوذ المالي” و “الارتباطات”.

إذا كانت الدولة غير الديمقراطية عرضة للضغط من الغرب (النفوذ)، وكانت هناك روابط واسعة عبر الحدود وتدفقات مالية تربط بين الطرفين، فإن الضغط سيكون عندئذٍ فعالاً. وخلاف ذلك، فإن درجة فعالية الضغط الخارجي محدودة، كما هو الحال في الشرق الأوسط. ويشرح ليفيتسكي وواي كيف تشكل موارد الطاقة وقضايا الأمن جدول أعمال تعزيز الديمقراطية في الغرب وتحد من تعرض المستبدين للضغط الخارجي.

يمكن للمملكة العربية السعودية أو مصر، على سبيل المثال، أن تجادل بسهولة بأن الانفتاح السياسي قد يعرض المصالح الأمنية الأمريكية أو وصول الغرب إلى النفط للخطر. ويساعد استغلال الهموم الأمنية المختلفة للغرب الأنظمة الاستبدادية في المنطقة في الحفاظ على الدعم الدولي لها (بيلين، 2004، ص 149).

 وبعد مرور ما يقرب من 30 عاماً، تبدو نتائج الترويج للديمقراطية في الغرب غير ملموسة وغير فعالة في الأغلب الأعم. وقد يكون التوسع في الانتخابات متعددة الأحزاب في الشرق الأوسط النتيجة الوحيدة الملحوظة لهذه العملية الطويلة، لكن الانتخابات لم تجلب الديمقراطية؛ لقد أدت إلى ترسيخ الوضع الاستبدادي القائم في معظم الحالات.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

______________________