Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

.

الجزء السادس

الانتخابات كأداة لنظام استبدادي

 لدى معظم دول الشرق الأوسط اليوم شكل من أشكال الأحزاب السياسية وانتخابات منتظمة. ومع ذلك، فإنه في هذه الأنظمة، لا يعني وجود انتخابات متعددة الأحزاب أنه خطوة نحو تحقيق الديمقراطية لأنها لا تسمح بمنازعتها في ذلك بشكل كبير ولا تزال السلطة السياسية ثابتة في أيدي هذه الأنظمة. فهي تسمح لحركات المعارضة بخوض الانتخابات فقط عند ضمان عدم تعريض سلامة سلطتها للخطر.

ومن ثم لا يسمحون بإجراء انتخابات حرة ونزيهة . وفي معظم الحالات، يتم حظر أو استبعاد أحزاب المعارضة من الدخول في المنافسة الانتخابية، ويتم وضع زعماء المعارضة في السجون عندما يُشكلون تهديداً للنظام. ويُمنع المراقبون المستقلون أو الأجانب من التحقق من النتائج ومراقبتها، مما يوفر فرصاً واسعة للتزوير في الأصوات .

وعلى الرغم من عدم رغبتها في قبول نتائج الانتخابات الديمقراطية، فإن عدد الأنظمة الاستبدادية التي تتبنى انتخابات متعددة الأحزاب يزداد يوماً بعد يوم. فمن عام 1975 إلى عام 2000، عقدت 44 دولة انتخابات محدودة متعددة الأحزاب في ظل ظروف الاستبداد المستمر. ونتيجة لذلك، أصبح استبداد الانتخابات شكلاً حديثاً من أشكال الاستبداد .

 وإذا كانت الانتخابات لا تعبر عن مطالب الناخبين، فما الهدف الذي تحققه الانتخابات في هذه الأنظمة الاستبدادية؟ أوضح بوهلر هذا الهدف باستخدام استعارة “صمام الأمان”. فالانتخابات تساعد الأنظمة الاستبدادية على إضعاف واحتواء المعارضة السياسية مع تلبية مطالب الديمقراطية في الداخل والخارج.

وفي دراسة الحالة التي أجراها على الانتخابات في المغرب، أوضح بوهلر كيف تعاملت النخب والنظام الحاكم في المغرب مع القواعد الانتخابية والمؤسسات الرسمية لتقويض المعارضة الإسلامية بين عامي 2007 و2010. ووفقا له، فقد كانت أفضل وسيلة لكسر المعارضة أن يتم توظيف التغييرات التي أُجريت على قوانين الانتخابات وتجنيد المؤسسات السياسية الرسمية (مثل الأحزاب السياسية) ووسائل الإعلام لتعمل لصالح النظام.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القيام بالتلاعب في نتائج الانتخابات هو بالتأكيد أكثر فائدة وأقل إشكالية من استخدام القوة العسكرية الغاشمة لنزع فتيل المعارضة .

وتلعب الانتخابات دوراً مميزاً في تحديد استقرار النظام من خلال مساعدة الحكام ليس فقط في قمع المعارضة والسيطرة على الناخبين ولكن أيضاً في إدارة النخب الحالية. فقد أكد بوهلر على الحاجة إلى “حزب حاكم” في أي دولة استبدادية.

وفي تفسيره لذلك، يقول إن الحزب الحاكم يجعل النظام أقوى من حكم الديكتاتور صاحب الكاريزما أو العنيد أو عديم الرحمة لأن الحزب يوفر الحلول للنزاعات التي تحدث بين النخب ويحول دون استيائهم مما قد يضعف النظام. فإرضاء النخب أمر هام لمستقبل النظام. ويُظهر البحث التجريبي الذي أجراه أن الانتقال الديمقراطي يكون أكثر احتمالاً إذا تمكنت النخبة من ضمان الحفاظ مصالحهم. وبهذا المعنى، فإن الانتخابات الاستبدادية مصَمَمة بطريقة تضمن تقاسم السلطة بين ساسة الحزب الحاكم.

وفي الحالات التي لا تحظر فيها الأنظمة الاستبدادية المعارضة، يسمح النظام للنخبة بإنشاء أحزاب سياسية مستقلة لهم ويضمنوا لهم أن يكون لها مكان في الهيئة التشريعية . وفي الوقت نفسه، تشير الانتصارات الساحقة لنظام ما إلى أن النخبة ليس لديها أي مستقبل سياسي خارج النظام الحاكم. فإذا امتثلوا لقواعد الحكم الاستبدادي، فقد يحصلون على السلطة والوظائف والمصالح التي يوزعها من يمسك بزمامها. ولا يقوم النظام من خلال ذلك إلى تثبيط المعارضة المحتملة فحسب، بل يعزز كذلك دعم النخب للنظام .

ويمكن أن تتحول الانتخابات إلى فخ لجماعات المعارضة تحت النظام الاستبدادي. فبادئ ذي بدء، تزود الانتخابات النظام بمعلومات عن مؤيديه ومعارضيه. هذه المعلومات مفيدة للغاية ليس فقط للسيطرة على المعارضة وقمعها عند الضرورة ولكن أيضاً لفحص المؤيدين واختبار ولائهم. وعلاوة على ذلك، فإن الانتخابات والعمليات الانتخابية السابقة تخدم النظام من خلال السماح له بترتيب الانتخابات وفقاً للدعم الجماهيري للحزب الحاكم وتوزيعه الجغرافي .

وتعمل الهيئات التشريعية والانتخابات الاستبدادية أيضاً على تقسيم المعارضة. فيقوم المتنفذون في النظام بتقسيم المعارضة عن طريق منح تنازلات محدودة لجزء صغير منها وترك باقي المعارضة خارج هذه التنازلات. ويوضح التحليل المقارن لإيلين لاستأوكر عن سياسات الأنظمة ضد المعارضة بعد الانتفاضات الشعبية في الأردن والمغرب كيف أن النظام الاستبدادي يقوي نفسه من خلال تفعيل استراتيجية “فرق تسد”.

وتتمتع النخب الاستبدادية بسلطة تحديد المعارضين الذين قد يشاركون أو لا يشاركون في النظام السياسي الرسمي. ووفقاً لتصنيف لاستأوكر، يؤدي هذا الاختلاف إلى ثلاثة أنواع من البيئات السياسية: غير مقسمةحصرياً، وغير مقسمةمع احتواء البعض، ومقسمة. ففي بيئة غير مقسمة، لا يقسم الحكم الاستبدادي المعارضة؛ فهو يسمح إما لهم جميعا أو لا أحد منهم بالمشاركة في العملية السياسية.

في البيئة المنقسمة، في المقابل، يسمح النظام لبعض المعارضين السياسيين بالمشاركة في النظام السياسي مع استبعاد الآخرين. ووفقاً لنتائج دراسة الحالة التي أجرتها لاستأوكر، عندما لا تستطيع النخب الحالية خلق انقسامات بين جماعات المعارضة، إما عن طريق إتاحة الوصول إلى المشاركة السياسية أو عن طريق منعها تماماً، فمن الأرجح أن تقوم نخب المعارضة بالحشد للاضطرابات السياسية.

ومع ذلك، عندما ينجح النظام في إحداث الانقسامات بشكل فعال في صفوف المعارضة السياسية ويحولهم إلى معسكرات موالية وأخرى راديكالية، يكون المعارضون أقل قدرة على التعبئة من أجل الاضطرابات السياسية .

 وعلى الرغم من وجود العديد من الأدلة على إمكانية تحويل الانتخابات إلى أداة في أيدي الحكام الاستبداديين للحفاظ على النظام، فإن بعض الكتاب يجادلون بأن الانتخابات يمكن أن يكون لها تأثير مزعزع للاستقرار الذي ينشده الحكام، أو حتى في إرساء الديمقراطية. فقد زعم فيليب كونتز ومارك تومسون  أنه في الاستبداد الانتخابي، يكون للاحتيال في الانتخابات القدرة على إثارة احتجاجات واسعة النطاق.

وقد تؤدي إلى حشد المواطنين العاديين، وتعزيز المعارضة، والمساعدة على التغلب على الخوف من العمل الثوري الجماعي وتتحول إلى محرك يمكنه تحطيم النظام. ويولي براونلي أهمية للانتخابات الاستبدادية. ويذكر أن التحول إلى الاستبداد من خلال انتخابات متعددة الأحزاب لا يمثل خطوة غير مقصودة نحو تحقيق الديمقراطية الكاملة، لكن لا يمكن حماية الحكام بشكل تلقائي من خلال الانتخابات التي يتم التلاعب بها.

ويرى براونلي أن الانتخابات الاستبدادية هي مرحلة في عملية سياسية طويلة قد تؤدي إما إلى استبداد دائم أو إلى فرص لإرساء الديمقراطية. وعلى الرغم من أن الانتخابات في الأنظمة الاستبدادية ليست نزيهة أو حرة، فإن براون يشير إلى أن هذه الانتخابات توفر معلومات عن الحكام ونقادهم والفصائل المتنافسة التي تدعمها في عموم السكان. ومن المؤكد أنه يمكن التلاعب بالانتخابات وأنها لا تحدث تغييراً كبيراً، ولكنها تؤدي إلى الكشف عن الاتجاهات السياسية .

العسكر: في أي جانب؟

 لطالما كان الجيش في الشرق الأوسط فاعلاً سياسياً مهماً يلعب دوراً رئيسياً في التاريخ السياسي للمنطقة. ووفقاً لأحد الآراء في ذلك، فإن هذا اعتماد تمييز القوات المسلحة ينبع من الموروث التاريخي للمنطقة المتمثل في (البرايتورية أو هيمنة الجيش) أو (الباتريونيالية أو السلطة الأبوية الوراثية)، والذي يعود إلى عهد الإمبراطورية العثمانية .

فقوات الأمن إما تسيطر على الدولة مباشرة أو تعمل كجهاز أساسي لنظام مدني استبدادي؛ لذلك، فإن لديهم تأثير كبير على مصير التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. تقول بيلين إن “الانتقال الديمقراطي لا يمكن تنفيذه بنجاح إلا عندما يفتقر جهاز الدولة القسرية إلى الإرادة أو القدرة على سحقه. وحيثما ظل هذا الجهاز القسري سليماً ومعارضاً للإصلاح السياسي، فلن يحدث انتقال ديمقراطي”. ووصفت بيلين هذا بأنه وضع استثنائي حقيقي في هذه المنطقة.

وترى بيلين كذلك أنه لا تتطلب قوة الاستبداد قدرة الأجهزة القسرية فحسب، بل أيضاً إرادتها لقمع المعارضة. كما أكد براونلي على العلاقة بين قدرة النظام وجهازه الأمني. ويشير كلا الباحثين إلى أطروحة لـ ثيد اسكوكوبول ومفادها أن الثورات لا تتحقق إلا عندما يفقد الجهاز القسري للدولة إرادته أو قدرته على قمع خصومه .

وقد أثبت البحث التجريبي لألبرتوس ومينالدو (2012) أيضاً أن زيادة القدرة القسرية في ظل الاستبداد له تأثير سلبي قوي على مستوى الديمقراطية في بلد ما وكذلك على احتمالية التحول الديمقراطي. ففي الشرق الأوسط، كانت لدى قوات الأمن في العديد من الدول هذه القدرة والإرادة، لكن كيف أدارت هذا الأمر؟

وأشارت بيلين إلى العوامل التي تحدد قدرة وإرادة الجهاز القسري. أول هذه العوامل هو الصحة المالية. بمعنى آخر، عندما يتعذر على الجيش دفع الرواتب أو ضمان إمدادات الأسلحة والذخيرة، يتفكك الجهاز من الداخل.

ومن هنا فإن القدرة الاقتصادية للدولة مهمة. إن الدول الغنية بالنفط أو المستفيدين الرئيسيين من عائدات الريع المختلفة لا تتردد في إنفاق الأموال للجيش . وادعى روس كذلك أن الإيرادات الريعية لها تأثير قمعي من خلال مساعدة القادة الاستبداديين على بناء قوات الأمن الداخلية الخاصة بهم لقمع حركات الاحتجاج.

وحتى الدول الفقيرة تجعل من أولويتها الأولى دفع رواتب الجيش من أجل تعزيز أجهزتها الأمنية . إن دول المنطقة رائدة على مستوى العالم في نسبة الناتج المحلي الإجمالي التي تنفق على الأمن. ووفقاً للتقرير الأخير لمركز أبحاث الأمن الداخلي ، فإنه في حين أن قادة السوق هما الصين والولايات المتحدة، من حيث إجمالي الناتج المحلي، فإن دول الشرق الأوسط تنفق ما بين ضعفي إلى أربعة أضعاف ما تنفقه القوى العظمى على الأمن على مستوى العالم.

وفي هذا الصدد، تعد المساعدات الخارجية حاسمة، خاصة بالنسبة للبلدان الفقيرة في المنطقة لتقوية أجهزتها الأمنية. حيث أكدت بيلين على دور الدعم الدولي في تشكيل متانة قوات الأمن. فإذا فقدت المؤسسة الأمنية هذا الدعم المالي أو الفني أو السياسي الهام، فمن المرجح أن تفقد ليس فقط القدرة ولكن أيضاً الإرادة في التمسك بالسلطة.

ومن أجل الحفاظ على المساعدات الخارجية، يتلاعب القادة الاستبداديون بـما يُطلقون عليه “خطر الإسلاميين المتطرفين”. ويُعد الصراع العربي الإسرائيلي ذريعة أخرى تستخدمها هذه الأنظمة لتبرير وزيادة قدرتها العسكرية. وقد بين ستيبان وروبرتسون  أن التهديد الذي تشكله إسرائيل على الدول العربية يشار إليه غالباً على أنه سبب لإنفاق الأموال على المؤسسة الأمنية القوية وبناء جيوش كبيرة في الشرق الأوسط.

وقد لعبت هذه الحالة الطارئة دوراً مهماً في تعزيز الاستبداد في المنطقة. فعلى الرغم من أن الصراع العربيالإسرائيلي يمثل ديناميكية مهمة في السياسة الإقليمية، فإنه ليس محدداً للاستبداد في المنطقة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تفسير سبب وجود جيوش كبيرة في بلدان بعيدة عن منطقة الطيران الإسرائيلية، مثل المملكة العربية السعودية أو المغرب أو تونس.

ويمثل المستوى المؤسسي لقوات الأمن عاملاً مهماً آخر يحدد قدرة وإرادة المؤسسة الأمنية ضد الانتفاضات الداخلية. ووفًقا لبيلن، فكلما كانت المؤسسة الأمنية والعسكرية ذات طابع مؤسسي أفضل، وكانت معايير الدخول والترقية فيها منطقية، في ظل علاقات أساسية بالسلطة التنفيذية، كلما كانت أكثر استعداداً للسماح بالإصلاحات السياسية.

إن الجيوش الأقل مؤسسية تكون أكثر مقاومة للإصلاحات الديمقراطية. في ظل السلطة الأبوية، فإن لدى الضباط سبب للخوف من أن تكون أوضاعهم في خطر من الإصلاحات السياسية بينما يعتقد نظراؤهم في الجيوش المؤسسية أنه يمكنهم حماية مكاسبهم وسلطتهم بعد الإصلاحات. في معظم دول الشرق الأوسط، يحكم الجيش المنطق الأبوي. ويمكن للعلاقات الأبوية الواسعة أن تساعد النظام على تحمل التحديات وهزيمة خصومه المحليين.

ففي الأردن والمغرب، على سبيل المثال، يعيّن الملك أقاربه الذكور بانتظام في مناصب عسكرية رئيسية؛ وفي كل من المملكة العربية السعودية وسوريا ، فإن فروع الجيش والأمن بالكامل هي شؤون عائلية . وعلى النقيض من ذلك، في مصر وتونس وتركيا، أصبح الجيش مؤسسياً للغاية. وهذا أحد العوامل التي تفسر سبب دعم الجيش للانتفاضة ضد المستبدين في مصر وتونس خلال الربيع العربي.

 وتجادل بيلين بأن التكلفة المحتملة لقمع حركات المعارضة لها تأثير على قدرة وإرادة قوات الأمن والنظام. إن التكلفة السياسية والاقتصادية لقمع المجموعات الصغيرة نسبياً أقل من قمع المجموعات الكبيرة.

وبالتالي، ففي ظل الحكم الاستبدادي القوي المدعوم من جيش كبير، يظل لدى الاحتجاجات الجماهيرية فرصة في إجبار النظام على الإصلاح. ومع ذلك، فإذا كانت تكلفة الإصلاح أعلى من قمع المتظاهرين وكان النظام لديه القدرة على القيام بذلك، فقد تختار النخب الاستبدادية قمع الانتفاضة دون الانتباه إلى حجمها.

 وتُعَد العلاقة القوية بين النظام وجهازه القسري أحد العوامل الرئيسية التي تدعم الأنظمة الاستبدادية القوية في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أن دعم القوات المسلحة ليس مضموناً دائماً، إلا أن الجيوش موالية للحكام الاستبداديين نتيجة للتركيبة الأبوية الموروثة في معظم دول الشرق الأوسط.

ولا يختلف المواطنون في دول الشرق الأوسط كثيراً عن غيرهم من الأشخاص من حيث المطالبة بالحقوق. وليس من الصعب أن نجد أعمال شغب وانتفاضات وحركات احتجاجية في تاريخ المنطقة: مثل أعمال الشغب التي وقعت في حماه عام 1982 في سوريا، والإضرابات والثورات التي وقعت في الخمسينيات في المملكة العربية السعودية، وأعمال الشغب التي اندلعت عام 1977 في مصر، والاحتجاجات الاقتصادية في الأردن والمغرب خلال الثمانينات.

ومع ذلك، فقد تم قمع أعمال الشغب هذه بعنف من جانب الحكومات، التي تنفق الكثير من ثروتها لبناء أجهزة أمنية قوية لمنع تطلعات السكان الديمقراطية.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

_______________