Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

أزمة قطاع التعليم التي تتمظهر اليوم في شكل إضرابات واحتجاجات حول المرتبات المتدنية إنما تعود في جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي.

وذلك بعد أن شهدت الدولة واقتصادها انعطافا حادا أثقل الخزانة العامة وجعلها مكبلة بالتزامات مالية ضخمة عجزت معها على إيفاء الاستحقاقات وتحسين مستوى عيش أفرادها.

جذور الأزمة

لقد اختار النظام السابق تحت حمى الأيديولوجيا والشعارات الاشتراكية تأميم معظم نشاطات القطاع الخاص، وإحلال القطاع العام محله في أغلب مجالات الإنتاج والتوزيع فتحول نحو 70% من القادرين على العمل الذين كانوا يعملون في القطاع الخاص إلى مستخدمين في القطاع العام.

في العام 1981م صدر قانون 15 الخاص بالمرتبات، والذي كان نتيجته تجميد الأجور عند حدها الأدنى، حتى صار معظم الليبيين تحت رحمة مرتبات محدودة وتتأثر بالظروف الاقتصادية العصيبة التي مرت بها البلاد لمدة عقدين جراء نزاع مع المجتمع الدولي وتراجع إنتاج النفط وانخفاض أسعاره.

الدولة لم تعد قادرة على خلق فرص عمل منتجة، ولم يعد بإمكانها استيعاب الأعداد الكبيرة من خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة فأصبح قطاع التعليم هو الملجأ حتى تضخم كادره خلال العقود الثلاثة الماضية ليصل اليوم إلى ما يزيد على 600 ألف.

فشلت كل برامج توسيع قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل خلال الأربعين سنة الماضية وظل القطاع الخاص محدود الإمكانيات بسبب الصدمة التي تلقاها في الثمانينيات.

وفي أثناء الثورة تسابق الطرفان إلى ترضية الشريحة الواسعة برفع المرتبات فتضاعفت التزامات خزانة الدولة لتصل اليوم إلى 25 مليار دينار، أي 66% من الانفاق العام حسب ميزانية 2018م.

وضع معيشي صعب للمعلم

وجه التناقض في الأزمة هو إنفاق عام ضخم في مقابل مرتبات محدودة جدا للموظف في قطاع التعليم لا يتجاوز في المتوسط الـ800 دينار ليبي (ما يعادل 180 دولارا)، وإذا علمت أن الليبيين يعتمدون في أكثر من 80% من غذائهم وكسائهم ومتطلبات عيشهم على الخارج، ومع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق، فإن المرتب لا يمكن أن يوفر لهم الحد الدنى من العيش الكريم.

في ظل هكذا وضع يكون من الطبيعي أن يحتج المعلم على وضعه المزري، وزاد من حنق وسخط هذه الشريحة الكبيرة والمهمة الهدر في المال العام والتفاوت الكبير في المرتبات، فأعضاء برلمان ومجلس أعلى للدولة، المغضوب عليهم لفشلهم في تقديم حل للأزمة وهم في نظر الرأي العام أحد أسبابها، يتقاضون نحو 20 ألف دينار شهريا، وربما أكثر، ما بين مرتبات وميزات، أضف إليهم أعضاء الرئاسي والوزراء والوكلاء وعديد المناصب في المؤسسات لعامة وكثير من موظفي الشركات والهيئات الأخرى.

عوائق وخيارات

بناء عليه تصبح مطالبة المعلمين بتحسين أوضاعهم المالية مبررا بل ضروريا، ويكون مبدأ المساواة مقبولا بل منطقيا، غير أن الوضع المالي بسبب خلل هيكل الاقتصاد وتضخم الجهاز الإداري للدولة واستمرار توسع الكادر الوظيفي والذي يصل اليوم إلى نحو 1.850 مليون موظف (تونس 670 ألف، المغرب 830 ألف)، لا ييسر خيار زيادة مرضية في مرتبات المعلمين، خاصة في ظل ازدياد أعدادهم وانخفاض إنتاجيتهم.

فلا يعقل أن تكون نسبة المعلمين إلى التلاميذ معلم لكل أربع أو خمس طلاب، ويكون الأداء بالشكل القائم اليوم، وتلزم الدولة بزيادة مرتبات الجميع، إذ إن التمييز في ظل الظروف الراهنة والذي مظهره الأساسي هشاشة الدولة وضعف الحكومة، قد يدفع الشريحة المتكاسلة ضمن القطاع، وهي كبيرة، إلى افتعال مشاكل تصعب مجابهتها.

قد يكون نهج المساواة بإعادة النظر في الفروق في أجور كافة موظفي الدولة في المدى القصير هو الأفضل، على أن يكون من أولويات ما بعد الاتفاق السياسي ترتيب الأوضاع الاقتصادية بشكل يحقق التوزان بين القطاع العام والخاص ويخفف العبء على الأول ليتمكن من تحسين مستوى أجور موظفي الدولة.

ما للوزارة وما عليها

جزء من المشكلة يكمن في الظرف السياسي والاقتصادي والأمني الذي تواجهه البلاد، وفي مثل هذه الظروف يكون من المهم وجود سلطة تنفيذية حازمة بمواقف صارمة لمنع تردي الوضع وتفاقم الأزمة.

ويمكن أن يكون موقف وزير التعليم منطلقا من هذه الزاوية، غير أن الحزم كان مطلوبا في مجالات أخرى بشكل أكثر إلحاحا كمواجهة الجريمة والمجموعات المسلحة المتغولة، ولو رفعت الحكومة الكرت الأحمر لهؤلاء من البداية لكان الموقف الصارم اليوم من احتجاجات موظفي الدولة مفهوما وذلك إذا اقترن برؤية وبرنامج يطرحان ضمن تفاوض مع ممثلي كوادر التعليم.

الديمقراطية تقتضي أن يمارس المعلمون حقهم في الاحتجاج، ومن مسؤولية الحكومة التصدي للتجاوزات والتي منها منع من يرغب من المعلمين مباشرة العمل وممارسة ضغوط عليهم للانضمام للاحتجاج، والتفاوض والحوار البناء يمكن أن يكون جزء من حلول احتواء الأزمة على أساس المساواة النسبية بين جميع موظفي الدولة في الأجور، ثم الانتقال في مرحلة لاحقة إلى المعالجات الجذرية التي ينبغي أن تتضمن زيادة في المرتبات بعد غربلة القطاع والتفريق بين العامل الكادح والكسول المستغل.

.

.

.

***

تحديث المحرر:

قدم وزير التعليم استقالته طالبا من رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق إعفاءه من منصبه، مسببا استقالته بأنها تمت على خلفية إصدار القرار بفصل وزارة التعليم إلى وزارتين، إحداهما للتعليم العام والأخرى للتعليم العالي.

وأوضح في استقالته بأنه لا يتحمل المسؤولية لعلمه بفشل ما سيترتب على هذا القرار وأنه يرفض أن يكون الفشل قرينه وأنه لا يرتضي لنفسه ذلك خاصة بعد كل الإنجازات والإصلاحاتالتي حققتها وزملائي في هذا القطاع خلالالسنتين ونصف الماضيين.

استطرد في رسالته إلى السيد السراج قائلا أن التغييرات الجوهرية والإصلاحات الكثيرة التي حققها في قطاع التعليم ستظل علامة فارقة في تاريخ التعليم في ليبيا.

___________