Minbar Libya

بقلم فرج كُندي

أعلنت دولة إثيوبيا في فبراير (شباط) 2011 عن عزمها إنشاء سد مائي على مجرى نهر النيل الأزرق، والذي يقع على بعد 20-40 كم من الحدود السودانية بسعة تخزينية تقدر بحوالي 74 مليار متر مكعب .

وتم التعاقد مع شركة «ساليني» الإيطالية المتخصصة في بناء السدود المائية بالأمر المباشر، وتم الشروع في وضع حجر الأساس لهذا السد في 2 أبريل (نيسان) 2011، وهو يمثل أحد السدود الأربعة التي اقترحتها دراسة الأمريكية تعود إلى عام 1964.

***

في مقال بحثي، عرض الباحث فرج الكندي تلخيصا لمجموعة الحقائق حول هذا السد الأثيوبي – سد النهضة – أو سد الألفية الكبير كما تطلق عليه الحكومة الأثيوبية، وفي إجابته على السؤال التالي: ما تداعيات المشروع على ليبيا؟ كتب:

أما تداعيات بناء السد على ليبيا، تلك الدولة التي ليست دولة منبع ولا ممر ولامصب لنهر النيل؛ تكمن في تلك الارتدادات المزلزلة الناتجة عن بناء السد وتأثيراته الخطيرة المباشرة على دولتي مصر والسودان، وخاصة مصر.

وامتدادها يصل بطريقة غير مباشرة، ولكنها مؤثرة تأثير عميق وجذري على الدولة الليبية التي تمتلك حدود برية واسعة مع مصر والسودان.

في حين هي تمتلك مساحات شاعة من الأراضي تطفو على بحار من النفط مع قلة في عدد السكان, وفي ظروف سياسية معقدة تتمثل في انقسام حاد في مؤسساتها السيادية وانهيار المؤسسة العسكرية والامنية مع احتراب داخلي واقع تحت مؤثرات إقليمية ودولية متجاذبة ومتصارعة على الاستفادة من مقدرات الدولة الليبية.

نجح المحيط الاقليمي والدولي في استقطاب العناصر الليبية المتصارعة وجعلها أطرافًا مرتهنة للطرف الداعم لها كل حسب مصالحه مع الطرف الداعم.

وكان لمصر دور بارز في تأجيج الصراع بين الأطراف الليبية بتخليها عن دور الوسيط واصطفافها إلى جانب طرف ترى أنه الجدير بتحقيق المصالح والأهداف المصرية المتصاعدة في ليبيا بصفة عامة والشرق بصفة خاصة. لكونه يمثل القرب الجغرافي وبكونه منطقة غنية بالنفط الذي تفتقده مصر.

وهو ما أعلن عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر من رغبة المجلس العسكري الحاكم آنذاك في الاستيلاء على الشرق الليبي المعروف تاريخيًا بإقليم برقة، وتبعه الكثير من التصريحات للمسؤولين المصريين وأعضاء برلمان.

وكان آخرها رفع دعوة أمام إحدى المحاكم المصرية للنظر في تبعية جزء من التراب الليبي برقة للدولة المصرية. 

تلا هذه التصريحات والدعوات تصريحات من   بعض القادة العسكريين الليبيين المتنفذين في الشرق تصب في نفس الموضوع

منها تقديم مصلحة مصر على ليبيا ومنها الدعوة إلى تصدير النفط الليبي إلى مصر دون مقابل واعتباره حقًا لها،

وكذلك تصريح أحد النواب بأنه يفضل أن تحكمه مصر على أن يبقى تحت حكم طرابلس،

وآخر تصريح لمسؤول عسكري كبير في الشرق الليبي قال فيه أن ليبيا تحتاج إلى توطين 10 مليون إنسان للمشاركة في عملية التنمية، وهو ما لاقى استياءً كبيرًا وقلق شديد لدي الكثير من الليبيين.

والخطورة لم تعد في بناء السد، الذي شرعت الحكومة الإثيوبية في بنائه وقطعت شوطًا كبيرًا في مراحل البناء بوتيرة متسارعة وبدعم دولي وإقليمي كبير، سهل أمامها إنجاز مراحل البناء إلى أن قاربت 70%.

، النقاش تجاوز حول أصل بناء السد الذي أصبح أمرًا واقعًا إلى النقاش حول المدة الزمنية التي تستغرقها فترة ملء السد، والتي تعمل الحكومة الإثيوبية على أن تكون مدة ثلاث سنوات، بينما الحكومة المصرية تطالب أن تكون فترة تعبئة السد لا تقل عن سبع سنوات على أضيق تقدير يمكن أن تتحمله.

إلا ان الحكومة الإثيوبية مصرة على مسابقة الزمن في تعبئة السد لتفعيل المشاريع الزراعية وإنتاج الكهرباء، وهو الغرض الأساسي الذي أقيم السد لأجله،

وهو ما يعود على مصر بتبوير أكثر من 4 ملايين فدان من الأراضي الزراعية التي يعيش عليها ما يقارب من 25 مليون مزارع مصري، أي بنسبة تصل إلى ربع العدد الإجمالي من سكان القطر المصري.

وهو ما يدفع بهم إلى هجر الأراضي التي سوف تتحول إلى بور نتيجة تداعيات التعبية المتسارعة للسد؛ مما يضطرهم إلى هجرة داخلية وخارجية، ونظرًا لشح المياه في الداخل سوف يكون أكبر عدد من المهاجرين سوف يتجه إلى الخارج، وسوف تكون ليبيا هي الوجهة الأقرب والأسهل للمعطيات التي ذكرنا سابقًا.

فهجرة عدة ملايين من المصريين تجاه ليبيا سوف تأخذ أحد الطابعين:

الطابع الأول سوف يكون على شكل تدفق هجرات عبر الحدود باتجاه الغرب في البحث عن فرص العمل وتتمدد مع الوقت في العمق الليبي.

الطابع الثاني ربما يكون عن طريق تدخل عسكري تحت أي شعار مصحوب بموجات بشرية كبيرة ومتلاحقة يؤمن لها الاستقرار في ليبيا والانتفاع بما فيها من ثروات نفطية كبيرة مع التخفيف من حدة الكثافة السكانية في مصر التي تضررت بسبب نقص مياه النيل.

وبالنظر إلى الكثافة السكانية المحدودة في ليبيا والتركيبة الاجتماعية التي تمر بتمزق كبير فإن هذه الموجات سوف تؤثر على التركيبة الديموغرافية الليبية وتقلبها راسًا على عقب على المدى القريب، وليس البعيد،

وربما نجد شكلًا آخر أو ربما مسمى، أو مسميات أخرى وجديدة لدولة ليبيا إن لم تستطيع الحكومة المصرية كبح جماح إثيوبيا وإجبارها على تبني خطة طويلة نسبيًا في عملية ملء سدها،

وكذلك إن لم يأخذ الليبيون بكافة توجهاتهم السياسية والجهوية والمصلحية خطورة تداعيات ملء سد إثيوبيا عليهم، وعلى مستقبل بلادهم الواقعة بين الاحتراب الداخلي وخطر التغيير الديموغرافي الذي تفرضه ظروف دوليه وإقليمية لا تضع مصلحة ليبيا ولا الليبيين في عين الاعتبار طالما لا تؤثر هذه الأخطار على مصالح تلك الدول”.

***

فرج كُندي ـ كاتب وباحث ليبي

_______