Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

.

الجزء السابع

التنمية الاقتصادية والدولة الريعية

 أحد أكثر الأساليب انتشاراً للأسباب الكامنة وراء الحكم الاستبدادي هو بناء علاقة بين النظام السياسي وحالة التنمية الاقتصادية. فبالاعتماد على نظرية الحداثة، يعتقد هذا النهج أن مستوى التصنيع والتنمية الاقتصادية (الثروة، التصنيع، التحضر، التعليم) مهم للغاية في هذا الخصوص.

وزعم سيمور مارتن ليبسيت في نصه التأسيسي “بعض المتطلبات الاجتماعية للديمقراطية” أن الدول الأكثر تقدماً من الناحية الاقتصادية وفقاً لمؤشرات الثروة، والتصنيع، والتحضر، والتعليم ، تتمتع بفرص أكبر للحفاظ على الديمقراطية.

وبالتالي، فإن متوسط الثروة ودرجة التحول الصناعي والتحضر ومستوى التعليم أعلى بكثير في الدول الأكثر ديمقراطية.

وجادل ليبسيت بأن الثروة المتنامية والعوامل الاقتصادية الأخرى تسبب سلسلة من التغييرات الاجتماعية التي تؤدي إلى الديمقراطية.

لذلك الديمقراطية غير قابلة للحياة في مجتمعات ما دون الحداثة. وعلى الرغم من حقيقة أن هذا النهج قد تعرض لانتقادات حادة بسبب تبسيطه في السنوات التالية، فقد تم إعادة إنتاج نظرية الحداثة استجابة لموجة العولمة وإرساء الديمقراطية في التسعينيات.

فتسلط هذه النسخة الجديدة منها الضوء على التغييرات الثقافية المستمرة مثل ظهور المساواة بين الجنسين من أجل التغلب على أوجه القصور في الإصدار المبكر للنظرية.

تعاني نظرية الحداثة من مشاكل في تفسير دمقرطة بعض الدول، مثل الهند، والتي لديها مستويات منخفضة نسبياً من الحداثة؛ أو الأنظمة الشيوعية والفاشية الأوروبية ذات المستويات العالية جداً من الدخل والقدرة على التعبئة الاجتماعية.

لقد اقترح هينبوسك أن فشل الدول المعاصرة ذات الدخل المرتفع بسبب ثروات النفط في الشرق الأوسط في إضفاء الطابع الديمقراطي يظهر أيضاً أوجه القصور في نظرية الحداثة.

وهو يرى أنه “لا يتم تجاوز عتبات الحداثة طالما أن الكثير من هذا الدخل مستمد من الريع الخارجي الذي يزيد (وينقص) دون وجود الكثير من التعبئة المجتمعية أو التعقيد الذي تعتقد نظرية الحداثة أنه يجعل الحكم الاستبدادي غير قابل للتطبيق”.

ثم كيف يمكن تفسير العجز في الديمقراطية في الشرق الأوسط عندما ينظر المرء بشكل خاص إلى البلدان الغنية بالنفط ذات الدخل العالي؟

ويشرح كثير من العلماء هذا الوضع الاستثنائي لدول الشرق الأوسط باستخدام الطبيعة المحددة لاقتصاد المنطقة على أساس دخل الريع.

حيث تُستخدم نظرية الدولة الريعية على نطاق واسع منذ صياغة حسين مهداوي لها لأول مرة في عام 1970.

فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور ديمقراطيات جديدة، أصبحت النظرية أكثر تداولاً مرة أخرى لشرح عجز الديمقراطية في الشرق الأوسط. أشار هنتنجتون، على سبيل المثال، إلى أن الاتجاه الديمقراطي قد يتجاوز المنطقة لأن العديد من هذه الدول تعتمد اعتماداً كبيراً على صادرات النفط، مما يعزز سيطرة بيروقراطية الدولة. وأكد ببلاوي وأندرسون وروس أن الكميات الكبيرة من ثروة النفط تتعارض مع إنشاء مؤسسة ديمقراطية.

وعلى الرغم من أن هيمنة إنتاج النفط كمصدر للدخل في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس المصدر الوحيد.

فالدول الفقيرة المجاورة ترتبط بالاقتصاد النفطي من خلال هجرة العمالة وتحويلاتهم المالية. وبعض هذه الدول يحصل على معونة مباشرة من دول الخليج أو رسوم عبور للمرات المائية أو رسوم مرور لخطوط الأنابيب .

ومن المعلوم أن أكثر من نصف إيرادات الحكومة في المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والكويت وقطر وليبيا تأتي من عائدات بيع النفط.

وتحصل إسرائيل ومصر والأردن على كمية كبيرة من المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة كل عام. بينما تتمتع حكومات الأردن وسوريا ومصر بإيرادات من رسوم مرور خطوط الأنابيب من أراضيها أو رسوم العبور والمرور عبر قناة السويس.

وتعد تحويلات العمال مصدراً مهماً للنقد الأجنبي في مصر واليمن وسوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب . كما تعد إيرادات السياحة مصدراً مهماً أيضاً، لا سيما بالنسبة لمصر وبعض دول شمال إفريقيا، كشكل آخر من أشكال الدخل .

 كيف تتسبب الدخول الريعية في عجز الديمقراطية أو هيمنة الاستبداد في الشرق الأوسط؟ تؤكد نظرية الدولة الريعية أن تحصيل إيرادات كبيرة ليس من الإنتاج أو الضرائب، بل من مصادر ريعية أخرى (كالثروة النفطية على سبيل المثال) يجعل الدولة منفصلة عن مجتمعها من حيث مصادر دخلها.

وهذا في حقيقة الأمر يخلق عقلية ريعية، مما يتسبب في “كسر العلاقة السببية بين ’العمل والمكافأة‘. أما ’دخل المكافأة‘ أو ريع الثروة، فلا يرتبط بالعمل”؛ وهو معزول أيضاً عن الإنتاج.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الدولة أو الحكومة التي لا تطلب ضرائب على التمويل، تكتسب القوة من توزيع كميات كبيرة من إيرادات الريع كوظائف وفرص رعاية اجتماعية. كما توفر قوة هذا التوزيع للدولة سلطة إدارة علاقات النخبة، وهذا ما يعتبر بديلاً أوسع للشرعية.

ويتم تنظيم المصالح الاجتماعية والاقتصادية بحيث تحصل على حصة جيدة من هذا الريع. وعلى حد تعبير ببلاوي، فإن “المواطنة تصبح مصدراً للمنافع الاقتصادية”.

ونتيجة لذلك، أصبح الناس يعتمدون اعتماداً كبيراً على الدولة في أسباب المعيشة، مما يمنعهم من ممارسة الضغط على الحكومة لتحقيق مطالبهم. ويتم إعفاء الدولة من المساءلة داخلياً.

هذا الهيكل الاقتصادي لا يروج لنظام استبدادي فحسب، بل يوفر أيضاً ثروة من أجل حمايته .

 تبني نظرية الدولة الريعية علاقة إيجابية بين الديمقراطية وعملية دفع الضرائب وتقبل ذلك كمحرك رئيسي لإرساء الديمقراطية في الغرب.

وطبقاً لهذا الرأي، تمنح الضرائب للمواطنين درجة من السلطة على الحكام للمساومة والمطالبة بالمساءلة والتمثيل في الحكومة.

ونتيجة لذلك، فإن الحكومات التي تمول نفسها من خلال عائدات النفط من المرجح أن تكون سلطوية.

وفي المقابل، فإنه من المرجح أن تصبح الحكومات التي تمول نفسها من خلال الضرائب حكومات ديمقراطية .

ومع ذلك، فبعض الأبحاث التجريبية أسفرت عن نتائج غامضة أو معاكسة حول تأثير الضرائب على الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يقول ووتربيري، أنه “لا يوجد من الناحية التاريخية ولا في القرن العشرين أدلة كثيرة (في الشرق الأوسط) على أن دفع المواطنين للضرائب أثار مطالب لمساءلة الحكومات بخصوص استخدامها لأموال الضرائب.

ومع ذلك، فقد أدت الضرائب الباهظة إلى احتجاجات، وخاصة في الريف، لكن لم يتم ترجمة العبء الضريبي إلى ضغوط لإرساء الديمقراطية”.

منذ تقديم نظرية الدولة الريعية، تغير الهيكل الاقتصادي لمعظم دول الشرق الأوسط.

ويلفت جراي الانتباه إلى دول مجلس التعاون الخليجي، البحرين والكويت وقطر وعمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي أكثر ارتباطاً بالعولمة، حيث أنفقت عائدات ثرواتها على تنمية اقتصاداتها ومجتمعاتها وحاولت تنويع إيراداتها لتقليل اعتمادها الكبير على النفط.

وكان هناك أيضاً تغيير في علاقة الدولة بالمجتمع. ومع ذلك، فإن كل هذه التغييرات لا تعني حدوث تحول جذري في بنية نظم دول مجلس التعاون الخليجي.

حيث إن هذه الدول لا تزال غير ديمقراطية. إنها تحمي طبيعتها الاستبدادية ولا تسمح لأي معارضة أو إصلاحات سياسية بتحدي سلطة الدولة .

وبالتالي، فإن نظرية الدولة الريعية تتمتع بالقدرة على شرح الديناميات السياسية بدلاً من الديناميات الاقتصادية. وأصبحت الهياكل الاقتصادية لهذه الدول أكثر تعقيداً مع التغير في السكان والعولمة وضغوط الأعمال والضرورات التي تفرضها الظروف الدولية الجديدة.

ولذلك زعم جراي أن نظرية حالة الريعية الكلاسيكية غير كافية لشرح هذا الهيكل المعقد في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي .

***

*هذا المقال هو ترجمة لفصل في كتاب باكيس قاراقوش وجولدا قاراقوش ” الاستبداد في الشرق الأوسط قبل وبعد الربيع العربي” بالجراف ماكميلان، المملكة المتحدة، 2015.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

_____________________