Minbar Libya

بقلم سيلين م. بولمي

على مدى السنوات الأربعين الماضية، تم دمقرطة العديد من دول العالم. وما بين عامي 1974 و1990، تضاعف تقريباً عدد الحكومات الديمقراطية في العالم.

.

الجزء الثامن

خاتمة

تخضع معظم دول الشرق الأوسط لأنظمة الاستبدادية منذ فترة طويلة. وعلاوة على ذلك، فقد استخدمت هذه الأنظمة أدوات الديمقراطية شكلياً للحفاظ على استقرار أنظمتهم.

وتاريخياً، كان الشرق الأوسط أقل المناطق حرية في العالم. والسؤال هو:

لماذا تقاوم دول الشرق الأوسط الديمقراطية؟

أو لماذا تتجذر الأنظمة الاستبدادية في هذه المنطقة؟

ومن المستحيل إعطاء إجابة بسيطة على هذا السؤال المعقد.

حيث اتضح في العرض المختصر الذي قدمه هذا البح أن الكثير من الباحثين في هذا المجال يحاولون الوصول إلى إجابة لهذا السؤال.

ولهؤلاء العلماء توجهات مختلفة في ذلك. حيث تحدد مارشا بريبشتاين بوسني نهجين رئيسيين في الأدبيات العلمية السياسية حول الاستبداد وإرساء الديمقراطية:

مدرسة “الشروط المسبقة”، التي تفرض جدلياتُها الضرورات الاقتصادية أو الثقافية أو المؤسسية لبدء التحول من الاستبداد؛

مدرسة “التحول”، التي ترى أن التحول الديموقراطي هو خيار محتمل للنظام والجهات الفاعلة المعارضة يمكن أن يحدث في ظل مجموعة متنوعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية”.

وتتمتع حجج المدرستين بوجاهة معينة، لكنها محدودة أيضاً في شرح البنية المعقدة للاستبداد في الشرق الأوسط.

فالتاريخ، على سبيل المثال، يعطي نظرة ثاقبة لإقامة حكم استبدادي، ولكن لا يمكن فهم حاضر الشرق الأوسط من خلال النظر إلى الأسباب التاريخية فقط. وكما في أي مكان آخر في العالم، لا يمكن أن يكون مصير المنطقة مرهوناً بالتاريخ.

ن تاريخ أوروبا مليء أيضاً بأمثلة للأنظمة الاستبدادية والملكية والديكتاتوريات. فمنذ وقت ليس ببعيد، في ثلاثينيات القرن العشرين، هيمن الصراع بين رؤى الاستبداد والديمقراطية في المجتمع على النضال السياسي في معظم الدول الأوروبية.

لكن التحول الديمقراطي تحقق في النهاية.

وشهد العقدان الأخيران تغيرات دورية وهيكلية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية هامة والتي تقلل من أهمية التاريخ في تأثيره على الحاضر.

ويلقي الربيع العربي، على الرغم من المشاكل المستمرة التي صحبته، شكوكاً على الادعاءات بأن التاريخ أو الإسلام أو الثقافة العربية تشكل عقبة أمام الديمقراطية.

وتعطينا هذه الحجج على الأكثر فكرة حول كيفية قيام الاستبداد بتأسيس نفسه أو إيجاد أرضية له في المنطقة، لكنها لا تشرح كيف حافظت هذه الأنظمة على بقائها.

إن للظروف الحالية تأثير أكبر في تعزيز الأنظمة الاستبدادية على حساب التحول الديمقراطي.

وكما تم عرضه هنا بشكل مختصر، تعمل هندسة الانتخابات وسياسة “فرق تسد” على تثبيط المعارضة وجعل الحفاظ على الحكم الاستبدادي ممكناً.

أما في الحالات التي توجد فيها معارضة، فإنه يتم قمعها بواسطة جهاز قسري قوي، والذي يعززه الدخل الريعي (من الثروات) والدعم الغربي للأنظمة.

وقد شهد الشرق الأوسط العديد من المظاهرات التي تطالب بالحقوق والمساواة الاقتصادية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ لكن في كل مرة كان يتم إسكات الناس وقمعهم بعنف من قبل قوات الأمن.

لذلك، فإن إلقاء اللوم على الثقافة والدين في انتشار الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء المنطقة أمر شديد التبسيط.

ومما لا شك فيه أنه يجمع دول المنطقة روابط تاريخية ودينية وثقافية، وأن لديهم هياكل اجتماعية ومشاكل اقتصادية متشابهة.

إلا أنه رغم ذلك، يؤثر كل عامل من هذه العوامل تأثيراً مختلفاً على كل دولة على حدة. وبسبب ذلك، فمن الأفضل دراسة كل دولة على حدة لفهم أسباب عجز الديمقراطية.

 إن المثل العليا الديمقراطية ليست أهدافاً سهلة الوصول إليها. فقد تم تصنيف 45% فقط من دول العالم على أنها ديمقراطيات كاملة، مما يشير إلى أن غالبية الدول تم تصنيفها على أنها أكثر أو أقل في درجة الاستبداد.

وحتى “الديمقراطيات الكاملة” مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، فإنها تواجه مشكلات.

وفي القرن الحادي والعشرين، لا يزال من المستحيل تقريباً العثور على دولة لديها مؤسسات ديمقراطية تلبي جميع متطلبات الديمقراطية.

وهذا بالطبع لا يعني أنه يجب أن نقبل بالحكم الاستبدادي. ومع ذلك، فإذا كان لا يزال من الصعب على الغرب أن يطبق المثل الديمقراطية التي نشأت كنتيجة لتجربته التاريخية، فكيف يتأتى أن نتوقع من بقية العالم أن يُطبقوا الديمقراطية دون مواجهة أي مشكلة؟

لا تزال هناك أسباب تدعو للتفاؤل بمستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط إذا قبلنا أن تتابع هذه الدول طريقها نحو الديمقراطية.

وتُظهر التصنيفات أن نوعية الديمقراطية تقدمت في المنطقة كلها بعد الربيع العربي. صحيح أن تصنيفات الدول بما فيها مصر وسوريا والبحرين ولبنان انخفضت في مؤشرات 2014؛

ومع ذلك، فلا تزال اتجاهات الحرية أعلى مما كانت عليه قبل الانتفاضات . إن التغيير الديمقراطي المستمر ليس مستحيلاً في المنطقة، لكنه يعتمد في الغالب على الظروف التي لا يشكلها الشعب بل التحالفات الإقليمية والدولية.

ملاحظات

 1- في كتابه، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين ، جادل صمويل هنتنجتون (1991 أ) بأن عملية التحول الديمقراطي في العالم المعاصر تحدث في ثلاث موجات بدأت في أوائل القرن التاسع عشر وتستمر حتى يومنا هذا.

بدأت الموجة الأولى من الدمقرطة في عشرينيات القرن التاسع عشر مع اتساع نطاق الانتخابات لتشمل نسبة كبيرة من السكان الذكور في الولايات المتحدة واستمرت قرابة قرن من الزمان حتى عام 1926، وبذلك تشكلت نحو 29 ديمقراطية.

ومع ذلك، فإنه مع صعود موسوليني إلى السلطة في عام 1922، بدأت موجة عكسية استمرت حتى عام 1942، وانخفض عدد الدول الديمقراطية في العالم إلى 12 دولة.

وبدأت الموجة الثانية بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ووصلت إلى ذروتها في عام 1962 مع قيام 36 دولة ديمقراطية معترف بها في العالم.

وأعقب ذلك موجة عكسية ثانية بين عامي 1960 و 1975 أدت إلى تراجع عدد الديمقراطيات إلى 30 فقط.

ثم بدأت الموجة الثالثة في عام 1974 مع ثورة القرنفل في البرتغال، والتي استمرت خلال الثمانينات في دول أمريكا اللاتينية وآسيا والمحيط الهادي واستمرت في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

2- ترتبط الأدبيات التي كتبت عن الأبوية / الأبوية الجديدة ارتباطاً وثيقاً بالدراسات التي قام بها ماكس ويبر، وخاصة “الاقتصاد والمجتمع”. وتشير الأبوية إلى الهيمنة التقليدية.

ويمكن وصفها بأناه شكل من أشكال الهيمنة السياسية التي تعتمد فيها السلطة على السلطة الشخصية والبيروقراطية التي تمارسها الأسرة المالكة، حيث تكون السلطة تعسفية بشكل رسمي وتحت السيطرة المباشرة للحاكم.

ومن أجل المحافظة على سلطته، يعتمد الحاكم على الموظفين الذين يعتمدون عليه تماماً في الوظيفة والرعاية. كان صموئيل إيزنشتات أول من استخدم مصطلح “الأبوية الحديثة” وذلك للتفريق بينها وبين “الأبوية التقليدية”.

3- يشير مصطلح “البريتوريانية” إلى وضع / نظام تمارس فيه القوة العسكرية سلطة سياسية مستقلة عن طريق التهديد باستخدام القوة. ويكون للجيش القدرة على السيطرة على الهيكل السياسي وتغيير الحكومة.

***

*هذا المقال هو ترجمة لفصل في كتاب باكيس قاراقوش وجولدا قاراقوش ” الاستبداد في الشرق الأوسط قبل وبعد الربيع العربي” بالجراف ماكميلان، المملكة المتحدة، 2015.

***

سيلين م. بولمي ـ أستاذة العلاقات الدولية بجامعة مرمرة، تركيا

________________________