Minbar Libya

  بقلم ولفرام لاشر و بيتر كول

تبحث هذه الورقة مسألة صعود وسقوط مؤسسات القطاع الأمني الهجينة في ليبيا والمصالح السياسية المختلفة على عملية إصلاح القطاع الأمني.

.

الجزء الثاني

كتائب الثوار والمجموعات المسلحة بعد الثورة

ربما من غير المعتاد، ألا يسيطر الثوار المنتصرون على مؤسسات الدولة بعد نجاح الثورة، ومن الغريب أنهم لم يقوموا على الفور بعمليات تطهير للمؤسسات الأمنية (رغم أن العديد من كبار المسؤولين كانوا قد فروا خارج البلاد من تلقاء أنفسهم).

بدلاً من كل ذلك، ظل الثوار يتمتعون بالإستقلالية إلى حد كبير، وبالتالي تمسكت :كل مجموعة بأسلحتها وغنائمها. وكان ذلك لعدة أسباب

أولاً، الثورة استهدفت عائلة القذافي والأجهزة الأمنية التي قامت بحمايتها بدلاً من مؤسسات الدولة السيادية كالوزارات والمواقع الحيوية والقوات المسلحة وأجهزة الشرطة والأمن، والتي كان النظام السابق قد أهملها تحيّزا للكتائب الأمنية الخاصة به (كتائب القذافي الأمنية، واللجان الثورية، وهيئات الأمن والاستخبارات).

ثانياً، التفاف الثوار حول المجلس الوطني الانتقالي بصفته الممثل السياسي للثورة في غياب تام لأية ترتيبات سياسية بديلة. المجلس الوطني الانتقالي بقيادة مصطفى عبد الجليل والمكتب التنفيذي برئاسة محمود جبريل، بدورهما أعطيا الأولوية المطلقة لاستقرار النظام الجديد واستمرارية مواقعهما.

ثالثًا، كان عدد كبير من قادة الثوار الفاعلين من الذين انشقوا عن الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية للنظام السابق.

أثبت الثوار أنهم مجموعات متعددة قد اتحدوا فقط حول هدف الإطاحة بالقذافي. ولكن بعد انتصار الثورة تبخر الهدف المشترك الموحد لهم، ولم يستطع أي كيان أو تحالف مسلح أن يسيطر على كل الأراضي الليبية، أو يحتكر استخدام السلاح، أو أن تحمل المسؤولية الكاملة لتحقيق الأمن الوطني.

ضمت الغالبية العظمى من الكتائب الثورية والجماعات المسلحة بعد الثورة أقل من 1000 عضو. وقد استطاعت هذه الجماعات المسلحة السيطرة على مناطقها منفردة، إما عن طريق المجالس العسكرية” (في مدن المنطقة الغربية) أو عن طريق تحالفات الجماعات المقاتلة (في بنغازي ومصراتة). وبعض المجموعات فضلت الإقامة الدائمة في طرابلس نفسها. فمثلا:

ظهرت مجموعتان رئيسيتان من بين كتائب الثورة في الجزء الشرقي من البلد، وهما إئتلاف ثوار 17 فبراير وتجمع سرايا الثوار .

وبعد مقتل القذافي، ركزت هاتان المجموعتان اهتمامهما بالشؤون الأمنية في تلك المنطقة. ولذلك انقسم إئتلاف ثوار 17 فبراير إلى مجموعتين:

المجموعة الأولى تحولت إلى جهاز الأمن الوقائيوعملت كقوة مسلحة ضد أجهزة الاستخبارات المضادة، ولحماية الحدود من الأطراف الخارجية، وأيضا قوة جاهزة للتصدي للمخاطر في الداخل التي وصفها بعض الثوار بمؤامرات الطابور الخامسمن الموالين للقذافي.

المجموعة الثانية تحولت إلى – قوة درع ليبيا – وتكونت تلك القوة من عناصر من الكتائب الأصغر التي قاتلت على المحاور المتقدمة في البريقة ووجدت نفسها متمركزة في جميع أنحاء شرق ليبيا بعد الحرب.

في مصراتة ، ظهرت قدرة إدارية أكثر تنظيماً وتأثرت بضابط الجيش القائد الميداني (سالم جحا) الذي انشق عن النظام وانضم إلى جانب الثوار في وقت مبكر من الإنتفاضة مع بعض العسكريين من ذوي التفكير المماثل.

خلال مرحلة القتال الطويل في مصراتة وحولها، شكل المدنيون 236 كتيبة، ضمت أكبرها أكثر من 1000 مقاتل بينما كانت أصغرها مكونة من 10 إلى20 مقاتلا.

تميزت، بحكم الحاجة، بعض كتائب الثوار في أداء مهام وأدوار تخصصية، مثل إصلاح المعدات والعربات العسكرية أو صيانة المدفعية أو الدبابات والراجمات.

سجلت معظم الكتائب في كل من المجلس العسكري مصراتة واتحاد ثوار وأهالي مصراتة، وهو كيان إداري قام بتنسيق وتسجيل أعضاء الكتائب وآلياتهم وأسلحتهم.

في نوفمبر 2011 ، قام اتحاد ثوار وأهالي مصراتة بتوثيق 40 ألف مقاتل مسجل في مدينة مصراتة.

انضم أعضاء كلتا المجموعتين (المجلس العسكري واتحاد ثوار وأهالي مصراتة) إلى مشروع (قوة درع ليبيا) حيث اكتسب زخما سياسيا في منتصف عام 2012.

في الجزء الغربي من البلاد – في جبل نفوسة والمناطق الساحلية ظهرت مجالس عسكرية كثيرة. وقد كانت المدن في هذه المنطقة أصغر عددا من أن تتولى كتائبها المسلحة حمايتها وكانت تنوعها وتعدديتها السياسية أوسع من تتمكن بمفردها الهيمنة على مدينتها.

المدينة التي كانت تضم أكبر عدد من المقاتلين هي الزنتان، وقد وصل عدد مقاتليها منذ البداية إلى 6000 مقاتل موزعة على ثمانية كتائب، تليها نالوت بعدد 5000 مقاتل وستة كتائب. كما كانت هناك قوات مهمة أخرى في مدن جادو والزاوية وزوارة.

انضمت هذه القوات بشكل أساسي إلى قوات حماية الحدود والمنشآت النفطية وإلى قوات الحرس الوطني وقوات درع ليبيا، بالإظافة إلى مؤسسات أمنية أخرى.

في طرابلس، وبعد السيطرة على العاصمة، تشكلت المجالس العسكرية المحلية وانضم إليها عدد كبير من المتطوعين من أحياء المدينة (طرابلس الكبرى).

بالإضافة إلى كل ذلك ، أنشأ شباب طرا بلس الذين تدربوا في جبال نفوسة تحت إمرة كتيبة ثوار طرابلس كيانات أخرى، كما فعلت المجموعات المسلحة من مصراتة، والزنتان، وشرق ليبيا.

هذه المجموعات المتنوعة جهويا وسياسياً، والتي توسعت بسرعة كبيرة عبر تجنيد عدد لامحدود من الشبان في الأحياء، وإدخالهم ضمن قوات اللجنة الأمنية العليا، في حين انطوت بعض المجموعات من الزنتان تحت وزارة الدفاع.

لم تكن أي من هذه المجموعات قوية بما يكفي لتحقيق سيطرتها على بعضها البعض، ولا على أكثر من 16 ألف مجرم تم إطلاق سراحهم من سجون العاصمة بتدبير من القذافي في أيامه الأخيرة قبل مغادرته العاصمة.

تشكلت عدد كبير من الجماعات المسلحة بعد الثورة في مناطق أخرى لكنهاظلت تحت سيطرة النظام السابق حتى آخر مراحل الثورة. بعض هذه المناطق كانت معاقل للمجموعات التي اعتبرها الثوار من أعمدة النظام السابق، بما في ذلك الجزء الأكبر في الجنوب، وبني وليد، وترهونة، وورشفانة.

معظم الجماعات المسلحة في هذه المناطق كانت تحاكي القوى الثورية بأسمائها وشرعيتها الثورية فقط، ولكن دون أن تشارك في القتال أثناء الثورة.

في بعض الحالات كما هو الحال في قبائل ترهونة وقبيلة أولاد سليمان، كانت الكتائب خليطا من الثوار ومن كتائب القذافي الأمنية ومن نفس القبيلة.

في الجنوب، سرعان ما بدأت هذه الكتائب في التقاتل حول المناطق الحدودية وطرقها التجارية. وقد انضم الكثير منهم لاحقًا إلى حرس حماية الحدود والمنشآت النفطية.

باختصار، فإن تضاعف عدد الجماعات المسلحة أدى إلى المزيد من الفوضى التي برزت بعد سقوط القذافي ونظامه. وتكرر ذلك في جميع أنحاء البلاد.

لقد حفّزت إمكانية الحصول على الامتيازات المادية من الحكومات الإنتقالية المتعاقبة على تشكيل المجالس العسكرية المحلية في جميع أنحاء البلاد.

خلال أواخر عام 2011 وأوائل عام 2012، قامت الحكومة الانتقالية بإعطاء الأموال للثوار والكتائب المسلحة عبر المجالس العسكرية المحلية مما أدى إلى زيادة انتشار الكتائب المسلحة في البلاد.

قامت هذه الكتائب المسلحة في الغالب بتجنيد الشباب من المحلات والقبائل فتوسعت عدديا بشكل كبير جدا مما أدى إلى المزيد من التجنيد من بين المدنيين.

أما بالنسبة لبعض الكتائب الأخرى، فقد أصبح وصفها بالثورية هي أكثر قليلاً من مجرد تكوين واجهة للأنشطة الإجرامية.

البقية في الجزء الثالث

***

فولفرام لاشر ـ باحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين. يركز بحثه على ليبيا والقضايا الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.

بيتر كول ـ خبير مستقل غير حكومي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وله خبرة في ديناميات الصراع وما بعد الصراع ، والمخاطر السياسية ، والعلاقات بين الدولة والمجتمع.

___________