Minbar Libya

بقلم دافيد كيركباتريك

تغوص موسكو أكثر فأكثر في حرب أدواتها الطيارات المسيرة في نقطة استراتيجية ساخنة ثرية بالنفط وتعج بالمهاجرين ومبتلاة بالمتشددين.

.

الجزء الثاني

في الماضي كانت روسيا تقف من وراء الكواليس بينما كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر هما اللتان تقومان بدور رائد في دعم السيد حفتر عسكرياً. ولكن بحلول سبتمبر، بدا وكأن هجومه على طرابلس يتباطأ وهنا وجد الروس فرصتهم فيما يبدو للتدخل.

وبالنظر إلى تدني الحرفية في القتال على الأرض، يقول بعض الدبلوماسيين إن وصول مائتي مقاتل روسي محترف سيكون له أثر كبير على الصراع.

لم يستجب ناطق باسم قوات حفتر لطلب تقدمنا به إليه للتعليق على هذا التقرير.

منذ انهيارها بعد الإطاحة بالدكتاتور الذي هيمن عليها فطرة طويلة، معمر القذافي، في عام 2011، وتفتتها إلى دويلات صغيرة في كل واحدة من مدنها الكبيرة.

لم تعد ليبيا دولة بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما أصبحت كياناً صارفاً للرواتب، مواطنوها ومدنها لا يوحدهم سوى الاعتماد المشترك على موارد النفط التي تنساب عبر البنك الوطني في طرابلس إلى جيوب جهاز وظيفي حكومي متضخم جداً.

وما من شك في أن بعض هذه الموارد تصل في نهاية المطاف إلى جيوب المقاتلين بغض النظر عن الجهة التي يقاتلون من أجلها.

ولعل الرغبة الجامحة في السيطرة على البنك المركزي وعلى موارد النفط هو الذي جعل من طرابلس غنيمة كبرى في هذه الحرب.

يذكر أن السيد حفتر، الذي يبلغ من العمر خمسة وسبعين عاماً، كان ضابطاً في الجيش في عهد القذافي، ثم فر ليستقر في شمال فيرجينيا حيث أصبح عميلاً لوكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي إيه) لأكثر من عقد من الزمن.

عاد بعد ذلك إلى ليبيا في عام 2011، وسعى جاهداً لنيل موقع رائد في الانتفاضة الشعبية فيها ولكنه لم يوفق لذلك.

وقبل خمسة أعوام قطع على نفسه عهداً بأن يصبح حاكم ليبيا ورجلها القوي، إلا أن تقدمه في هذا الاتجاه كثيراً ما تعرض للإعاقة، وأي نجاح محدود حققه كان يعتمد بشكل أساسي على داعميه الإقليميين، وحتى الآن ظلت روسيا فيما يبدو متكتمة على رهاناتها.

حافظ الكريملين على الاتصال مع السلطات في طرابلس وكذلك مع المسؤولين السابقين في نظام القذافي، وذلك على الرغم من أن دعمه لحفتر لم يزل حيوياً وفي ازدياد.

قامت روسيا بطباعة ما قيمته عدة ملايين من الدولارات بالعملة الليبية وشحنت الأوراق النقدية إلى حفتر. وبحلول عام 2015 كانت روسيا قد أقامت لها قاعدة في غرب مصر لتقديم المساعدة وتوفير الدعم التقني وإصلاح المعدات، بحسب ما كشف عنه دبلوماسيون غربيون.

ولكن في العام الماضي، أرسلت روسيا أيضاً عدداً من المستشارين العسكريين إلى قوات حفتر في بنغازي.

في شهر نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، التقط فيلم للسيد حفتر وهو جالس إلى طاولة في موسكو بصحبة كل من وزير الدفاع الروسي ورئيس مجموعة واغنر يفغيني بريغوجين، الحليف المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وجهت للسيد بريغوجين اتهامات في الولايات المتحدة بالضلوع في مؤامرة السعي للتأثير عبر الإنترنيت في الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

وكما حدث في سوريا، أثار التصعيد الروسي حفيظة حلفاء سابقين لأمريكا تخلت عنهم.

فرغم أن الولايات المتحدة تؤيد رسمياً الحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة، إلا أنها نأت بنفسها إلى حد كبير عن الحكومة، بل بلغ الأمر بالرئيس ترامب أن اتصل بالسيد حفتر بعد أيام قليلة من بدء هجومه على طرابلس ليشيد به وبما قال إنه الدور الذي تقوم به في محاربة الإرهاب“.

والآن تشن قوات السيد حفتر ضربات جوية ضد المسلحين من غرب ليبيا والذين كانوا في السابق يعملون مع القوات العسكرية الأمريكية جنباً إلى جنب لطرد فرع تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة سرت التي كان قد اتخذها مقراً له.

يقول الجنرال محمد حداد، والذي يقود حالياً تشكيلاً من قوات طرابلس، إنه أخبر الأمريكان بما يلي: “لقد قاتلنا معكم في سرت وها نحن الآن نستهدف عشرات المرات في اليوم الواحد.”

عندما بدأ السيد حفتر هجومه على طرابلس في شهر إبريل / نيسان، كان مصدر تفوقه استخدامه للطائرات المسيرة المسلحة، فقد زودته الإمارات العربية المتحدة بطائرات مسيرة من طراز وينغ لونغ مصنوعة في الصين تكلفة الواحدة منها 2 مليون دولار.

اعتبر الجنرال الجويلي أن الهجمات بالطائرات المسيرة تتسبب في ثلثي الإصابات التي تقع في أوساط قوات الحكومة في طرابلس، ويقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن ما يزيد عن ألف ومائة لقوا حتفهم في القتال وإن كانوا يظنون بأن الأرقام الحقيقية قد تكون أكثر من ضعف ذلك الرقم.

يقول السيد الديلاوي، المسؤول في القوات المدعومة من طرابلس في عين زارة: “في البداية أصبنا بحالة من الرعب. فقد سمعنا صوتاً مخيفاً ولم نعرف ماذا نفعل.”

منذ ذلك الحين، كما يقول، تعلم المقاتلون الاستماع إلى صوت الزنين والاختفاء مع اقتراب الطائرات المسيرة. يقولون إن قوات السيد حفتر بإمكانها فقط تحليق ثلاث طائرات مسيرة في الوقت الواحد، وأن كل واحدة من هذه الطائرات تطلق ما لا يتجاوز ثمانية صواريخ كحد أقصى، وبعد ذلك تعود الطائرات أدراجها لتحمل بالصواريخ من جديد – بما يسمح للمقاتلين باستعادة الأراضي التي خسروها.

ومع إدراكهم أن الطائرات المسيرة تستهدف مصادر الحرارة، تعلم المقاتلون أيضاً الاختفاء منها بشكل أفضل، بما في ذلك الامتناع عن التدخين.

يقول السيد الديلاوي: “بإمكان الطائرة المسيرة رؤية المقاتل وهو يدخن السيجارة داخل السيارة.”

وفي شهر مايو / أيار بدأت حكومة طرابلس بشراء الطائرات المسيرة من تركيا، حيث تكلف الطائرة الواحدة من طراز بايراكتر تي بي2 خمسة ملايين دولار، ويتم تصنيعها من قبل مصلحة تجارية تملكها عائلة صهر الرئيس رجب طيب أردوغان سلجوق بايراكتر.

يقول السيد بشاغا، وزير الداخلية في حكومة طرابلس: “لقد أنقذنا الترك في الوقت المناسب.”

فقد مكنت الطائرات المسيرة التركية قوات طرابلس من استعادة مدينة غريان في شهر يونيو / حزيران، ومنذ ذلك الحين بالكاد تحركت خطوط التماس بين الطرفين.

إذا ما أخذنا بالاعتبار وضع طرابلس فإن حفتر بحاجة إلى دعم روسي أكبر بكثير من مجرد المائتي مرتزق، حيث أن حرب الشوارع ستكون دموية وشاقة جداً.

ولكن في كل الأحوال، يرى الدبلوماسيون الغربيون أن قرار موسكو التحرك بفعالية لدعم السيد حفتر مكنها من أن تكون صاحبة قرار في أي مفاوضات تجري بشأن ليبيا في المستقبل.

في مقابلة صحفية أجريت معه، قال المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامه إن الليبيين بإمكانهم حل الخلافات فيما بينهم لو أن القوى الأجنبية توقفت عن تسليح الفصائل المتنافسة.

وهو يعكف الآن على تنظيم مؤتمر سيعقد في برلين في وقت لاحق من هذا العام في محاولة لوقف مثل تلك التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي.

وأضاف غسان سلامه: “وإلا فإن هذا الصراع سيستمر إلى الأبد على، وسيظل على شكل صراع منخفض الشدة، تماماً كالنار تحت الرماد. بل وقد يتفاقم الوضع إذا ما ضاعفت القوى الدولية المتدخلة رهانها على أن بإمكانها بطريقة أو بأخرى إنهاء الصراع لصالحها.”

***

ديفيد دي كيركباتريك هو مراسل دولي مقره في مكتب لندن. وكان في السابق رئيس مكتب القاهرة ، ومراسل واشنطن ومراسل محلي مقره في نيويورك.

____________

نيويورك تايمز