Minbar Libya

بقلم جازية جبريل محمد

الهوية في مقام البحث، هي التعريف الجامع المانع الذي يميز المعرف عما سواه من المتشابهين معه، وهي بشأن الدول ما تعبر به الدول عن نفسها ليميزها عما سواها من الدول الأخرى.

.

الجزء الأول

عادة ما تقوم الدول بالتعريف بنفسها في الدستور وهي تختار للتعريف بنفسها مقومات بعينها محل افتخار واعتزاز لدى شعبها ويفترض أن يكون تعبيرها عن نفسها مساويا لمجموع تعبير أفرادها وجماعاتها.

وتاريخياً يمكن القول بأن الاهتمام العالمي بمسألة الهوية بدأ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعربياً مع بداية تسعينات القرن الماضي أي منذ بروز الاهتمام بمفهوم العولمة في نوع من المقاومة للعولمة عبر إبراز خصوصية الهوية.

أما في ليبيا فيمكن القول أن الاهتمام بالهوية الوطنية بدأ مع مشروع السيد عبد الحميد البكوش المعروف بالدعوة إلى بعث الشخصية الليبية، والذي دشنه ببيانه في 21 نوفمبر العام 1967.

وتبرز أهمية البحث العلمي عن الهوية الوطنية في الوقت الراهن الحساس من عمر الدولة الليبية حيث عبر المبعوث الحالي للأمم المتحدة في ليبيا السيد غسان سلامة بتصريح هام: “عدم وجود هوية وطنية قوية لأمر خطير على ليبيا“.

وبالرغم من أن المسوح البحثية تشير إلى أن أغلبية الليبيين يجدون في الهوية الدينية (95% الدين الإسلامي)، والهوية العرقية (88% اللغة العربية) الهوية الموحدة لهم، ويختلفون بعدها بشأن الهوية السياسية حد الاستقطاب.

إلا  إنه وخلال صياغة الإعلان الدستوري 2011 وتعديلاته المتعلقة بمكانة الشريعة، وخلال صياغة لجنة الستين لمسودات الدستور الليبي، رأينا تباينا حول الشريعة الإسلامية، مفهوماً ونطاقاً، ورأينا استقطابا حول فرض اللغة العربية لغة رسمية وحيدة لكل الشعب الليبي.

هذا الاستقطاب حول المقومات الرئيسة للهوية الفردية والوطنية بدا يتحول إلى نزاع ناشئ من منع التنوع الثقافي واللغوي وازدياد الإحساس بالإقصاء والحرمان والتمييز, وتؤكد دراسات عدة بأن العنف المتصل بنزاعات الهوية يتكرر حول العالم وأن الحل الأمثل لتفاديه هو الاعتراف بالهويات المنافسة.

وفي أحيان كثيرة، تلجأ الدولة إلى القانون الجنائي لتبسط حمايتها الجزائية على تلك المقومات التي وقع عليها الخيار باعتبارها مقومات هويتها تحصيناً لها من الاعتداء ومنعاً للنزاع حولها، وهي تتبع في ذلك منهاجا مباشرا وآخر غير مباشر.

فهي إما أن تصنف هذه المقومات ضمن المصالح العامة العليا في الدولة وبالتالي تجعل من الاعتداء عليها جريمة خطيرة تستوجب أشد العقوبات، أو أن تقوم بترسيخ تلك المقومات عبر حماية عديد من الحقوق المستندة على تلك المقومات أو عبر تجريم عديد السلوكات التي تتنافى مع منظومة القيم التي تعبر عنها مقومة من مقوماته.

إذا سلمنا جدلا أن الهوية سبب من أسباب النزاع في ليبيا حالياً فإن السؤال الرئيس في هذا البحث:

هل كانت سياسة المشرع الجنائي بشأن الهوية سياسة رشيدة وتعمل على تعزيز المصالحة الوطنية؟

أم أنها سياسة معيبة بحيث أنها تعرقل أو تقوض مساعي المصالحة الوطنية؟

يأتي هذا السؤال في محاولة لتقييم السياسة الجنائية للمشرع الليبي بشأن حماية الهوية الوطنية.

أولاً: الحماية الجنائية للهوية الدينية

نتبين الهوية الدينية للدولة الليبية من خلال نصوص الوثائق الدستورية المتعاقبة فيها. فالإسلام دين الدولة وفق للمادة 5 من دستور 1951 والمادة الأولى من الإعلان الدستوري المؤقت، والمادة السادسة من مسودة الدستور2017.

وسؤال البحث في هذا الفرع يتمحور حول مدى تدخّل المشرع الجنائي لحماية الدين الإسلامي من الإهانة.

وهذا ما نجده في نص المادة 291 عقوبات (كل من اعتدى علانية على الدين الإسلامي الذي هو دين الدولة الرسمي بموجب  دستور ليبيا أو فاه بألفاظ لا تليق بالذات الإلهية أو الرسول أو الأنبياء يعاقب بالحبس لمدة لا تتجاوز السنتين).

وهو ما استمر كنهج تشريعي إلى ما بعد فبراير 2011. ولكنه ازداد حدة حيث قرر المؤتمر الوطني العام في منتصف 2016 أن يعدل المادة بتشديد العقوبة مع التفرقة بين المسلم وغير المسلم.

فالإساءة متى صدرت من غير المسلم استوجبت الإعدام جزاء. أما إساءة المسلم التي لم تصل حد الردة فجزاؤها السجن، ما لم يقرر الارتداد عن الإسلام ولو بالقول فحينئذ سيكون جزاؤه الإعدام ما لم يعلن توبته عن تلك الردة.

كما يمكننا رصد التغيير الشامل الذي طرأ على المنظومة الجنائية في بداية السبعينيات من القرن المنصرم باعتماد تشريعات الحدود (الزنا، وشرب الخمر، والقذف، والسرقة والحرابة).

وقد تم التأكيد في المذكرات الإيضاحية لتلك القوانين على أهمية ترجمة تعاليم الدين الإسلامي إلى قواعد قانونية.

يلحظ المتتبع للوثائق الدستورية الليبية إجماعها على حظر التمييز بسبب الدين أو المذهب ولكنها تتباين في مقدار ما تمنحه من حرية للتعبير عن الهوية الدينية.

فدستور 1951 كان الأكثر منحاً والأعظم حرية حيث تضمن نصاً بديعاً يقرر أن حرية الاعتقاد مطلقة وتحترم الدولة جميع الأديان والمذاهب وتكفل لليبيين وللأجانب المقيمين في أرضها حرية المعتقد والقيام بشعائر الأديان على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب (المادة 21 منه).

بالمقابل، اكتفى الإعلان الدستوري 1969 بإلزام الدولة بحماية القيام بالشعائر الدينية طبقاً للعادات المرعية. وذهب إعلان 2011 إلى إلزام الدولة بأن تكفل لغير المسلمين حرية القيام بشعائرهم الدينية، في حين أن مشروع الدستور 2017 أغفل الإشارة إلى تلك الحرية نهائياً.

ونتساءل عن مدى بسط الحماية الجنائية لحقوق الأفراد في أن ينتموا لهوية دينية بعينها وحريتهم في أن يمارسوا شعائرها بكل حرية.

فنجد أن القانون الجنائي الليبي ذهب بعيداً في بسط حمايته بشأن هذه الحقوق، ولكنه لم يدرجها في قائمة الحقوق المكفولة للأشخاص بل في قائمة المصالح المكفولة حماية للشعائر الدينية، وذلك حسب ما صرح به عنوان الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات الليبي.

وهذا من الأمور التي ترتب لا محالة اختلافا في الإجراءات الجنائية المتبعة لحماية هذه الشعائر حيث تصبح النيابة في حل من شراكة الشخص العادي الضحيةفي الدعوى أمام القضاء بوصفه متضررا، وتصبح حرة طليقة في تقدير الضرر الواقع على المصلحة العامة.

حيث نصت المادة 289 منه على أن:

(يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز خمسين دينارا ليبيا كل من شوش على إقامة شعائر دينية تؤدى علانية أو على احتفال ديني خاص بها أو عطلها بالعنف أو التهديد.

ويعاقب بالعقوبات ذاتها كل من خرب أو كسر أو أتلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دينية او أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من السكان).

كذلك نصت المادة 290 منه على أن:

(يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز خمسين د.ل كل من اعتدى بإحدى طرق العلانية على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علناً ويقع تحت حكم هذه المادة :

أولاً: طبع أو نشر كتاب مقدس في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً بغير معناه.

 ثانياً: تقليد احتفال ديني أو شعيرة دينية في مجتمع عام بقصد السخرية أو لتسلية الجمهور.)

كما يمكننا أن نلمح احتراما للهوية الدينية للأفراد في نص المادة 14 من القانون الجنائي لأنها تقرر حكماً عاماً مقتضاه: (لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء).

ويمكننا أن نقيم هذه السياسة بأنها محمودة من جهة لأنه من غير المنطقي أن يكون السلوك مباحا ويعد حقا من الحقوق الشخصية في الشريعة الدينية التي ينتمي لها الفرد، ثم يجرم السلوك ذاته بحجة أنه مخالف للقانون الجنائي.

ومن جهة أخرى نرصد احتراماً للهوية الدينية لغير المسلمين أثناء المعاملة الجنائية لمرتكب جرائم الحدود. فقانون رقم 4 لسنة 1993 في شأن تحريم الخمر، خصص معاملة جنائية لغير المسلمين باشتراطه أن يكون شرب الخمر في مكان عام أو مفتوحا أو يوجد غير المسلم في ذلك المحل أو المكان في حالة سكر ظاهر.

كما أنه ميزه بعقوبة غرامة مختلفة تعدّ أقل في القيمة المالية من عقوبة شارب الخمر المسلم إضافة إلى الحبس مدة لا تقل عن شهرين ولا تزيد على ستة أشهر، وجعل له عقوبة تكميلية جوازية متمثلة في الأمر بإبعاده عن أرض الدولة الليبية بعد تنفيذ العقوبة المحكوم بها.

يلحظ بالمقابل أن المشرع الليبي لم يخصص سياسة جنائية مختلفة مع غير المسلم في جرائم الحدود الأخرى، الزنا والسرقة والقذف.

واللافت أن المشترع يشترط في قانون القذف أن يكون المقذوف مسلماً ولا يشترط إسلام القاذف. ومن هنا وكأن المشرع يشترط الإسلام لصلاحية المحل للحماية ولم يشترطه لصلاحية الجاني للمساءلة وللعقاب الإسلامي المتمثل في الجلد حدا ثمانين جلدة، و هو ما يخالف ما نصت عليه الشريعة الإسلامية واتفق عليه الفقه الإسلامي.

….

يتبع في الجزء الثاني (ثانيا: الحماية الجنائية للهوية العرقية)

***

جازية جبريل محمد ـ أستاذة قانون في جامعة بنغازي

______________