Minbar Libya

نشرموقع «بيج ثينك» مقالا للكاتب ماثيو ديفز نقتطف منه بعض الفقرات التي توضح لنا إن أفعال ومعتقدات الطغاة غريبة الأطوار تدل على أنهم يعانون من مرض عقلي مزمن ما، وتتجلى حالاتهم الذهنية المضطربة بوضوح في عمليات القتل والإبادة الجماعية التي ارتكبوها، وفي جنون العظمة.

اختلال وظيفة الدماغ

ربما تكون الطريقة الأكثر مباشرة للتفكير في سلوك الطغاة هي القول إنهم من المرضى النفسيين، هذا وصف معقول، لكنه غير كامل، فهم يميلون إلى أن يكونوا جريئين، ومهينين لغيرهم.

يصف عالم الأعصاب جيمس فالون نتائج هذا الاختلال الوظيفي بقوله: «إن ما يرضي شخصًا عاديًّا – مثل قراءة كتاب جيد أو مشاهدة غروب الشمس– لا يؤثر في شخص يعاني من هذا الاختلال ، فالساديون يكونون مدمنون على التعذيب والقتل؛ والطغاة ينتشون بالسلطة، وهي نزعة شرهة تزداد سوءًا بمرور الوقت».

تقديس الذات

أن الافتقار إلى ضبط النفس، والقسوة تجاه الآخرين يبدو بالتأكيد مناسبًا للديكتاتور، لكن إحدى السمات المميزة للاعتلال النفسي تتمثل في عدم مراعاته للآخرين، في حين يبدو أن العديد من الطغاة يشعرون بقلق بالغ إزاء كيفية الاحتفاظ بالسلطة.

لننظر إلى القذافي مثلًا، الذي اعتقد أنه رمز للأناقة، فقال: «كل ما أرتديه يصبح بدعة. أرتدي قميصًا معينًا وفجأة يرتديه الجميع». ويتألف حراسه الشخصيون بالكامل من نساء جذابات. وظهرت الاقتباسات من الكتاب الأخضر، الذي وصف فيه فلسفته السياسية، في كل مكان. لقد أراد القذافي أن يعرفه الجميع ويحبه.

من المؤكد أن هذا يناسب الشخصيات النرجسية، التي تتسم بجنون العظمة، والحاجة إلى الإعجاب، وعدم وجود تعاطف مع الآخرين.

أبرز وسائل استخدمها الحُكام العرب للبقاء الأبدي في السلطة

سعى حُكام الدول العربية إلى ابتكار صيغ جديدة تضمن لهم البقاء الأبدي في السلطة متجاهلين مُحددات نُظم الحكم الحديثة، مثل الديمقراطية، وأصوات الناخبين، أو الدستور، الذي يُحدد ولايات مُحددة للحُكم.

إذ إن الشاغل الأكبر لهؤلاء كان بقاؤهم فى السلطة، وحماية عروشهم التي ظلوا قابعين عليها لعقود طويلة.

وهذه أهم الوسائل التي ابتكرها الطغاة العرب للبقاء الأبدي على السلطة:

1- تعديل الرئيس لمادة بقائه في الحكم بالدستور

يُعد تعديل الدستور، سواء من خلال زيادة عدد فترات تولى منصب الرئاسة، أو إلغاء تقييد عددها، وسيلة مستخدمة للالتفاف على بعض دساتير البلدان العربية، التي رهنت بقاء الرئيس في منصبه بعدم تجاوز فترات ولاية محددة.

وشهدت الدساتير العربية تعديلات سابقة لضمان بقاء الرئيس فترة أطول مثلما فعل السادات ومبارك الذين استفادا من تعديلات لمواد الدستور.

أما المجرم بشار الاسد فقد تولى مجلس الشعب السوري بعد وفاة الطاغية والده، jتعديل الدستور؛ لخفض سن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية.

وقبل اندلاع التظاهرات الحالية كانت السودان قد شهدت تحركات من أجل تعديل مادة تجيز إعادة انتخاب الرئيس بعد انتهاء فترة ولايته في الدستور.

يتشابه ذلك مع ما وقع في تونس خلال فترة بن علي؛ إذ اتجه نظام حُكمه لإدخال تعديلات جوهرية على الدستور من أجل التمديد لفترة حكمه.

وها هو السيسي الدكتاتور بدأ في تهيئة البلاد بمشروع تعديل عدد من مواد الدستور العام المقبل من أجل استمراره في منصبه لمدة أربع سنوات أخرى أو يزيد.

2- الاستمرارية من أجل استكمال الإنجازات

روّجت الأنظمة العربية للعديد من المخاوف غير الموجودة، والتي سعت لتهيئة شعوبها بحتمية بقاء رأس السلطة فى الحُكم، وذلك عبر بث خطاب إعلامي في وسائل الإعلام الموالية لها، عبر حديث يروج إلى أن نهاية ولاية الرئيس الحالي؛ تعني غياب الشخص القادر على إدارة شؤون البلاد.

ففي مصر روجت وسائل الإعلام لخطر وجود الإخوان المسلمين، وعلاقة ذلك باتساع رقعة العمليات الإرهابية، واحتمالية عودة الإخوان المسلمين إلى الحياة العامة، إذا ما جاء رئيس آخر غير الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وفي الجزائر أطلقت أحزاب سياسية موالية للسلطة مبادرة سياسية بعنوان: «الاستمرارية في إطار الاستقرار والإصلاح»، وذلك بهدف دعم برنامج رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ودعوته إلى الترشح لعهدة رئاسية جديدة. ولكن الشارع الجزائري أرغمه على التنحي بقوة التغيير السلمي للطغاة.

3- استخدام الخطاب الديني من أجل البقاء في الحُكم

استخدمت بعض الأسر الحاكمة وسائل إضافية لترسيخ شرعية الحُكم، مثل توظيف الدين؛ فعلى سبيل المثال استخدم آل سعود رجال الدين المداخلة والجامية الوهابيين في إضفاء الشرعية على حكمهم، وإصباغ صبغة القدسية على الملك باعتباره «خادم الحرمين الشريفين».

وكذلك فعل المَلِكَان في الأردن والمغرب، واللذان يعود نسبهما إلى النبي محمد، ويستخدمان ذلك لتكريس شرعيتهما.

إلى جانب استخدام الدين؛ فقد مثلت أنساب الحُكام والأوزان السياسية والمجتمعية للقبائل المنتمين لها في بعض المجتمعات العربية، وسائل رئيسة لاحتكار السلطة، قياسًا على الوزن النسبي للقبيلة الذي شكل المعيار الرئيس لتمركز السلطة في أسر بعينها مثل «آل سعود» في السعودية، و«آل نهيان» في الإمارات، و«آل ثاني» في قطر، و«آل بوسعيد» في عُمان، و«الهاشميين» في الأردن.

وعلى الجانب الآخر صاغت هذه الممالك الخليجية نظامًا دستوريًا يوضح كيفية انتقال السلطة بالوراثة داخل الأسرة الواحدة، ويعطي للملك سلطة مطلقة مدى الحياة، ويمنح هامشاً فى بعض الممالك للتنافس السياسي على مستوى مناصب وزارية أو برلمانية تحت بصر الملك، مثل ما فعلت المغرب التي نجحت في ذلك.

4- القائد الأعلى للثورة

أتاحت فكرة الانقلابات العسكرية ومنحها الشرعية وتبريرها تحت دواعي حماية الأمن القومي في بعض البلدان العربية دافعًا قويًا لاستمرار هذه الأنظمة فى الحُكم لسنوات طويلة، وذلك من خلال تنصيب الرئيس قائدًا أعلى لهذا الانقلاب الذي يتم تسويقه في الأوساط الإعلامية الموالية له بـ«الثورة».

تُعد الجزائر نموذجًا واضحًا لاستخدام الانقلاب العسكري على سلطة منتخبة من أجل السيطرة على السلطة، تحت دواعي حماية الأمن القومى، وإن لم تكن بالطبع تحت قيادة شخص واحد يعتبر نفسه القائد الأعلى للثورة.

ففي 12 يناير 1992، قررت المؤسسة العسكرية رفض نتائج تقدم الجبهة الإسلامية في الانتخابات، وأعلنت استحالة استمرار المسار الانتخابي وإلغاء نتائج الدور الأول للانتخابات وعدم إجراء الدور الثاني، وذلك بسبب ما اعتبرته تهديدًا للديمقراطية والنظام الجمهوري وأعمال العنف من قبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

نتج عن هذا المسار استمرار المؤسسة العسكرية فى السلطة، والقفز على نتائج الديمقراطية، متجاهلة سقوط ما بين 120 إلى 200 ألف قتيل، و7400 مفقود، وربع مليون جريح ومتأثر من الحرب، وأكثر من 20 ألف معتقل في محتشدات الصحراء لعناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة، فضلًا عن فقدان ما يُقرب من نحو نصف مليون عامل وموظف وظائفهم، إلى جانب الخسائر المادية التى تم تقديرها بنحو 50 مليار دولار.

تتقاطع هذه الوقائع مع ما حدث في كثير من البلدان العربية،  ومن بينها السودان، حيث انقلب ضابط مغمور فى الجيش السوداني آنذاك يدعى عُمر البشير في يونيو (حزيران) 1989 على أول حكومة منتخبة؛ ليقفز البشير بعد ذلك على رأس السلطة؛ لاعتبار يتعلق بأنه «قائد الثورة» ويصير أطول حاكم فى تاريخ السودان.

وفى العراق أيضًا، أطاح ضباط فى الجيش بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين بنظام حكم الرئيس عبدالرحمن عارف في العراق، في يوليو (تموز) 1968؛ ما فتح الطريق أمام صدام حسين للسيطرة على السلطة بعد استقالة البكر فى عام 1979؛ وذلك على خلفية إحكام صدام سيطرته على الأجهزة الأمنية في العراق، بوصفه أيضًا «قائدًا للثورة».

الحال نفسه في سوريا؛ حيث روج وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد في عام 1970 لما أسماها بـ«الحركة التصحيحية»، إلى جانب رئيس الأركان مصطفى طلاس، ليتم الانقلاب على السلطة الموجودة، ويظل حافظ الأسد بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية السورية عام 1971 في سدة الحكم إلى أن توفي عام 2000؛ ليرث من بعده ابنه الحكم.

5- الرئيس في حزب «الأغلبية»

شكلت وسيلة انضمام الرئيس إلى حزب سياسي أو تأسيسه، صيغة مُبتكرة لتعزيز بقاء الحاكم في منصبه؛ إذ سرعان ما يتحوّل هذا الكيان السياسي إلي حزب الأغلبية في كافة الانتخابات على اختلاف مستوياتها، باعتباره هدفًا لاستمرار حُكام الدول العربية لعقود طويلة.

وقد لعبت هذه الأحزاب أدوارًا متعددة؛ فالأغلبية البرلمانية أداة فى يد رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة، وكذلك استصدار أي تشريع يسمح لها بالبقاء لمدد طويلة، أو تسهيل مهام غير شرعية في صورة قانونية؛ عبر منحها غطاء قانونيًا باستصدار تشريع.

إمتدت أدوار هذه الأحزاب في الدول العربية، إلى الترويج لإنجازات رئيس الجمهورية داخل المحافظات والمدن الرئيسة، وذلك عبر هياكل قيادات الحزب، ودفع بعض القطاعات الموالية لها في التظاهرات المؤيدة لها، أو التضييق على المعارضيين للرئيس، عبر الاعتداءات المباشرة عليهم، أو إفساد بعض الفعاليات السياسية المناهضة للسلطة.

وظهر نموذج الحزب السياسى المُهيمن على مناصب الحكومة باعتباره داعمًا لبقاء الرئيس في السلطة مدى الحياة في أكثر من بلد عربي.

ففي مصر، شكل الحزب الوطني المنحل بقرار قضائي بعد «ثورة 25 يناير» نموذجًا واضحًا للأدوار غير الشرعية للحزب الحاكم خلال ولاية الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وكذلك حزب البعث العربي الاشتراكي المنتمي له صدام حسين، وحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم فى الجزائر، وحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، وحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم أيضًا في سوريا.

___________