Minbar Libya

بقلم علي عبد اللطيف اللافي

هل قررت روسيا فعلا تكثيف تدخُّلها على الأرض لصالح خليفة حفتر، وماذا يعني ذلك تحديدا؟ ثم هل أن ورقة الروس ما هي إلا بالون مزايدة من طرف حلفاء حفتر الإقليميين ومن طرف ما تبقى من أنصار النظام السابق والمنقسمين على أنفسهم بين فرقاء الصراع في ليبيا منذ فبراير 2014.

أم أن ورقة الروس في الأخير ما هي إلا ورقة ناعمة لإبقاء الجنرال المتقاعد طرفا في المعادلة بعد العجز عن تدويره من طرف حلفائه الإقليميين والدوليين ومن طرف بقية القوى العالمية الناعمة من محافل ولوبيات خاصة بعد فشله المتكرر طيلة 7 أشهر ونصف في دخول طرابلس والسيطرة عليها ولا حتى في تحويلها الى بنغازي ثانية وفقا لرغبة رجاله وحلفائه السبتمبريين؟

حول دلائل وصول المرتزقة الروس

نُقل عن مقاتلين ليبيين يحاربون ضد قوات حفتر خلال الأيام والأسابيع الماضية، أن بعض الإصابات التي لحقتهم غير اعتيادية وهي من عمل المرتزقة الروس المدربين باعتبارهم قناصة مُحترفين، بل أن وجود جرحٍ لخروج الرصاصة هو وفقا للفنيين والمختصين علامةٌ مُميِّزة للذخيرة التي يستخدمها المرتزقة الروس في أماكن أخرى.

ووفقا للمتابعين فان أولئك القناصة من بين 200 مُقاتلٍ روسي وصلوا إلى ليبيا نهاية سبتمبر الماضي على دفعات، بوصفهم جزءاً من حملةٍ موسَّعة أطلقها الكرملين لإعادة تأكِّيد نفوذه بطول الشرق الأوسط وإفريقيا.

وعمليا وبعد أكثر من ثلاث سنواتٍ من التمويل والدعم التكتيكي خلف الكواليس لزعيم ليبي مُحتمل، بدأت روسيا الآن الدفع بقوةٍ مُباشرةٍ أكثر، لتشكيل نتيجة الحرب الليبية إذ أدخلت فعليا طائرات “سوخوي” المُقاتلة، وضربات الصواريخ المُنسَّقة، والمدفعية الموجهة بدقة، إلى جانب القناصة، وهي الأدوات نفسها التي جعلت موسكو ما أطلق عليه المتابعون بأنها صانعة الملوك في الحرب السورية.

وعمليا يُعَدُّ التدخُّل الجديد للمرتزقة الروس، وثيقي الصلة بالكرملين، واحداً من أوجه الشبه مع الحرب السورية، إذ ينتمي القناصة الروس إلى مجموعة واغنر ، الشركة الخاصة المرتبطة بالكرملين والتي قادت التدخُّل الروسي في سوريا أيضاً.

وعمليا بدا واضحا ارتباك المحللين السياسيين الروس في نفي وتأكيد علاقة الرسميين الروس بأولئك القناصة وفي وجودهم من الأصل حتى أن أحد أولئك المحللين قطع مساء الجمعة 8 نوفمبر الحالي حضوره في قناة “فبراير” (قناة ليبية خاصة تبث من تركيا) بعد عجزه في المحاججة…

الحضور الروسي في ليبيا والمشهد على الأرض

ما لم يعيه الروس والإماراتيين والمصريين وكل حلفاء حفتر سواء كانوا محليين أو اقليميين أو دوليين، أن هناك تباين كبير بين الليبيين الذين يُقاتلون على الأرض، والتكنولوجيا المُتقدِّمة في الهواء من القوى الأجنبية الدخيلة، وكأنهم يأتون من عوالم مُختلفة.

ذلك أنه ورغم أن وصول القناصة الروس بدأ في تحويل رحى الحرب بالفعل وخاصة على مستوى مرحلي (الأيام الأولى)، نتاج طريقة الإصابات التي تلحق بمُقاتلي فبراير أي قوات الوفاق المعروفة بقوات بركان الغضب، بناء على أنها شبيهة بالإصابات التي خلَّفها القناصة الروس في شرق أوكرانيا.

بل أن اللواء أسامة الجويلي (القائد الأعلى للقوات المتحالفة مع حكومة طرابلس) قد أكد أنَ “روسيا وبإرسالها للقناصة الروس وتوابعهم من مقاتلين أجانب تتدخَّل بثقلها بالكامل في الصراع، بالتوازي وأن الغرب لا يفعل شيئاً لحماية الحكومة الشرعية من القوى الأجنبية العازمة على الدفع بحفتر إلى السلطة…”.

وكل ذلك معناه ان تدخل الروس قد يقلب معادلات المعارك في اتجاهات التوازن ضمن حرب المحاور وتحويلها الى كر وفر وتقدم وتأخر بالنسبة للطرفين.

ولكن ما لم يعيه الروس وحفتر ومن يقف في صفه، ان ذلك التدخل لن يُغير النتائج نحو الحسم لصالح حفتر في كل الحالات رغم أنه من الممكن أن يمكنه من تحقيق هدف في ابقائه طرفا على طاولة المفاوضات حتى بداية تفعيل “برلين” كمؤتمر او تنفيذ اتفاقاته على الأرض.

ولكن ذلك يتطلب أيضا وصول دفعات روس آخرين مضافة الى بعض السوريين الذين يتحدث بعضهم انهم جاؤوا أيضا مع الدفعات الروسية الأخيرة آخر أكتوبر الماضي.

وفي الخلاصة

ستيرنح دور الروس مثلما ترنح دور مليشيات سودانية جاءت على دفعات بعضها أرسلها “حميدتي” (حليف الإماراتيين والسعوديين في السودان) أضافة لمن جاؤوا كمرتزقة طوال السنوات الثلاث الماضية مثلهم مثل التشاديين…

في تقلب وتطور المواقف الروسية من الملف الليبي

في قراءات مختلف المتابعين لتطورات الحضور الروسي في ليبيا ما بعد 2014، يمكن التأكيد أن الكرملين قد حافظ على اتصالاته بجميع الفرقاء بما في ذلك مع سلطات طرابلس.

كما حافظ على علاقاته مع المسؤولين السابقين في حكومة القذافي بل هو على تواصل مستمر مع مقربين من سيف القذافي (تم عمليا تبادل الرسائل).

ولكن تزايد دعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر مع بداية سنة 2015 بشكل غير مسبوق حيث طبعت روسيا عملاتٍ ليبية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، ثم شحنتها إلى حفتر، وتم استقباله على بارجة روسية.

ثم أقامت روسيا قاعدةً عسكرية غرب مصر في نفس السنة أي 2015 للمساعدة في توفير الدعم الفني وإصلاح المُعدَّات، وبحسب دبلوماسيين غربيين أرسلت روسيا السنة الماضية مجموعة من المستشارين العسكريين إلى قوات حفتر في بنغازي.

أما في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، فقد التُقِطَت صورٌ لحفتر على طاولةٍ في موسكو مع وزير الدفاع الروسي و”يفغيني بريغوجين” (رئيس مجموعة واغنر والحليف المُقرَّب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين).

ومعلوم أن “بريغوجين” مُتَّهمٌ داخل الولايات المتحدة بمشاركته في «مزرعة مُتصيِّدي» الإنترنت، التي سعت للتأثير على الانتخابات الرئاسية عام 2016.

ثم بعد ذلك توزعت الجهود الروسية الدبلوماسية بين استقبال النائب وعضو الرئاسي “أحمد معيتيق” ورئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري” وشخصيات أخرى ممثلة لكلا الحكومتين المتصارعتين رغم أنها رسميا ومن خلال التصريحات لا زالت تدعم فقط حكومة الوفاق والتي تم إعطائها الأولوية خلال قمة روسيا – افريقيا بينما تم التعامل مع الحكومة المؤقتة وغير الشرعية دوليا في أنشطة هامشية لتلك القمة.

مما لاشك فيه ان الدور الروسي في كل المنطقة يبقى غامضا ومتضاربا من حيث الخطوات ويختلف من بلد مغاربي لآخر رغم بصمات مخابراتية واضحة في جميعها (خلية الحالة المدنية في تونس سنة 2017 – إيقاف عناصر في تونس وليبيا منذ أشهر… ).

، الا انه من الواضح أن هناك استراتيجيا تُنزل بهدوء وصمت وعلى مراحل بالتوازي مع التركيز على بلدان أوروبا الشرقية بينما الحضور في افريقيا لا يزال ضعيفا ومرحليا ويتسم بالخبث السياسي والدبلوماسي وهو مسار مواري بخطوات بعيدة عن الأضواء وهو الامر الجلي في ليبيا تحديدا.

ومعلوم ان انصار القذافي قد دعوا منذ سنتين في نص صريح لنسج المثال السوري في ليبيا وتجسد يومها عبر خطوات في دفع حفتر لتبني المقترح والذي اعلن عنه المساري يومها في أحد ندواته الصحفية.

واشنطن والحضور الروسي في ليبيا

على غرار ما حدث بسوريا، أثار التصعيد الروسي في ليبيا شكاوى الحلفاء الأمريكيين من أنَّ واشنطن تخلَّت عنهم، ورغم أنَّ الولايات المتحدة تدعم الحكومة المُعترف بها من قِبَل الأمم المتحدة رسمياً؛ فإن أمريكا انسحبت من الصراع إلى حدٍّ كبير وخاصة بين سنتي 2012 و2018.

وبدا في مراحل بعينها كأنَّ الرئيس ترامب يُؤيِّد حفتر في بعض محطات خاصة وأنه اتصل به بعد أيامٍ قليلة من بدء هجومه على طرابلس في أبريل الماضي، الا أن فشل حفتر في فرص اعطيت له للحسم (6 ابريل – 21 ابريل – منتصف رمضان – 18 يونيو – 9 أغسطس…).

كل ذلك جعل واشنطن تغير من خططها وتغلّب مواقف التعامل البراغماتي المبنية على التفاعل مع الطرف المنتصر وفي تكريس حل سياسي وإخراج الملف من مربعات الايطاليين والفرنسيين وتسليمه منذ أشهر للألمان.

وفعليا بدأت أطروحة ثانوية الملف الليبي لدى الأمريكيين متهاوية بناء على خطوات عملية ومتابعة مستمرة لترتيبات جولتي برلين المنتظرتين في 21 نوفمبر الحالي و15 ديسمبر القادم.

وأيضا توفير حل سياسي بديل لو ترنح مؤتمر برلين وتعذر الحسم ميدانيا خلال الأيام السابقة للجولة الأولى لبرلين والتي قد تكون على مستوى الخبراء بدلا من وزراء الخارجية.

أما الجولة الثانية فستكون على مستوى الرؤساء، وكل ذلك يعني ان الأمريكيين لن يبقوا صامتين على الحضور الروسي وعمليا لن يصمتوا على درجة ذلك الحضور الذي لاح قويا خلال الأسبوعين الماضيين وهو الامر الذي كرسته حادثة الطائرة الامريكية التي نزلت في الرجمة (وهي ردود تبينت من خلال تغريدات الناشط والباحث “نعمان بن عثمان”).

ولعل حيثيات وتفاصيل لقاءات السفير الأمريكي المتعددة مع ناشطين ومسؤولين ليبينن من كل الأطراف المتنازعة في تونس ولندن وابوظبي تؤكد أن الملف أولوي لديهم ولن يسمحوا بمساحات أكثر للروس.

ومع ذلك لابد من طرح استفهام

أين تتقاطع المصالح الامريكية والروسية؟

أين تلتقي لا في ليبيا فقط بل في كل العالم العربي؟

وهو أمر مهم لفهم السلوكين الروسي والامريكي في ليبيا ومستقبل الأوضاع فيها في أفق سبتمبر 2020 (تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية).

لهذه الأسباب لن يكون الحل في ليبيا راهنا بيد الروس

على فرضية السماح الغربي بدور لروسيا في ليبيا أو حتى على فرضية تسليمها الملف الليبي بالكامل، فان السيطرة على طرابلس تتطلب عمليا دعماً روسيّاً يتجاوز مُجرَّد بضع مئاتٍ من المرتزقة؛ نظراً إلى طبيعة القتال الحضري الدموية بين المباني السكنية.

ومع ذلك ستكون روسيا طرفا مهما سياسيا في مؤتمر برلين أو أي حل مستقبلي وهو ربما الهدف الرئيسي من خلال حضورها ودعمها القوي لحفتر باستقباله قبل مؤتمر “بالبيومو” بيومين او الدعم السخي له خلال الأسابيع الماضية له (المرتزقة كمثال بين لا يحتاج للجدل).

من الخطأ تغييب أن كل ذلك (أي تضخيم الحضور الروسي في ليبيا) قد يكون هامش مناورة من الاماراتيين والمصريين للإدارة الأمريكية بإسقاط بند معاقبة الدول المتورطة في قرارات برلين المفترضة ورد موضوعي على تقرير الأمم المتحدة الذي يحمّل الاماراتيين ودول أخرى جزء مما يجري ي ليبيا.

بدا التصريح الأخير لغسان سلامة مهما وعلى علاقة بالحضور الروسي وتناميه، وهو الذي أكد أن الليبيين يستطيعون رأب خلافاتهم، في حال توقَّفت القوى الأجنبية عن تسليح الفصائل المتحاربة.

وهو الذي أضاف أيضا “إذا لم يحدث ذلك؛ فقد يستمر الصراع إلى الأبد بوصفه صراعاً منخفض الحدة، مثل جذوة النار التي لم تنطفئ.

أو ربما تتصاعد حدَّته، مع تضاعف القوات الدولية الدخيلة، في حال اعتقدوا أنَّ بإمكانهم إنهاء الصراع لمصلحتهم بطريقةٍ أو بأخرى.

ومعلوم أن سلامة قد قال لناشطين ليبيين أنهم ليس مهما ان تتفقوا وان اتفاقكم ليس كافيا وان الحل لن يأتي الا بعد ان تتفق القوى الدولية.

لم يستطع الاتحاد السوفياتي ان يكّون له موقع معتبر سنة 1951 وهو في عز قوته، فكيف ستستطيع روسيا التي تهمها خاصرتها في اوكرانيا والقُرُم وغيرهما أن يكون لها موقع خاص وان ساستها تتجه أنظارهم الى استعادة نفوذهم في أوروبا الشرقية.

ومع ذلك فان التقارب الروسي الفرنسي قد يقلب المعادلات بناء على حرص فرنسي في استعادة ما فقد في الجزائر خلال الأشهر الأخيرة إضافة الى ما قاله ماكرون من كلام خطير وغير مسبوق في تصريحه لمجلة “الايكونومست”، وهو توجه قد يقلب المعادلات لا في ليبيا فقط بل في كل المنطقة.

في الخلاصة

لا شك أن الروس طرف دولي مهم في ليبيا منذ سنوات بل منذ عقود، وهو دور لا يمكن الغاؤه مهما كانت المتغيرات خاصة وانهم منفذين لمشروع السكة الحديد من شرق ليبيا الى غربها.

ولكن السؤال هل ستكون الأدوار المستقبلية رئيسية، أو ثانوية وماهي استراتيجيتهم، وماهي كبرى ملامحها، خاصة وانهم يَعُون ان ليبيا ليست سوريا لكن لأي درجة يتكرس ذلك الوعي في مواقفهم وسياساتهم وتنزيل تلك السياسات؟

***

علي عبد اللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الأفريقية

___________

المصدر: صحيفة الرأي العام