Minbar Libya

   بقلم ولفرام لاشر و بيتر كول

تبحث هذه الورقة مسألة صعود وسقوط مؤسسات القطاع الأمني الهجينة في ليبيا والمصالح السياسية المختلفة على عملية إصلاح القطاع الأمني.

.

الجزء الرابع

ظهور المؤسسات المختلطة

النزاعات حول الشرعية، وتزايد الشكوك المتبادلة بين الثوار والمؤسسات القديمة، أثارت الخلافات السياسية بين الثوار تطورين .. فمن ناحية، شكلت بعض جماعات الثوار وحداتها العسكرية والأمنية والمخابراتية المستقلة. ومن ناحية أخرى ، انضم بعض الثوار إلى مؤسسات أمنية، بدعم من معارفهم في جهاز أمن الدولة.

حدثت هذه التطورات وسط الوضع الأمني المتغير بسرعة والذي يتطلب استجابة فورية من الثوار والحكومة معا، واندلع النزاع المسلح بين بعض المجموعات المسلحة، تاركًا مئات القتلى.

كان التهديد الذي كان مصدره الموالين للقذافي مثيرا للغاية. وعلى الرغم من أن قوات الأمن في الدولة استمرت في إدارة البوابات ونقاط العبور الحدودية، إلا أنها كانت تفتقر إلى القدرة على فرض السيطرة الفعلية على المناطق الحدودية.

عدم القدرة على تأمين الحدود من قبل القوات الرسمية، سهل تجارة المخدرات والتهريب وغيرها من الأنشطة غير القانونية، وخاصة تهريب السلاح والبشر مما سمح لبعض المجموعات أن تصبح من الكتائب القوية تسليحا.

عزز هذا السياق غير المستقر تشكيل مجموعات جديدة من المؤسسات المختلطة بما في ذلك ، اللجنة الأمنية العليا، وقوات درع ليبيا، وجهاز الأمن الوقائي، الذي أنشأه في البداية تحالف بنغازي في 17 فبراير وكان مقره بنغازي وذلك لتحجيم دول العناصر المعادية للثورة في شرق ليبيا وهو ما زال نشطاً في مدينة بنغازي على الرغم من الجهود المبذولة لتفكيكه؛

وأيضا قوات الحرس الوطني، وهو مظلة الكتائب الثورية التي أنشأها في أواخر عام 2011 السيد خالد الشريف، القائد السابق للجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية؛ وقد انضمت عناصرها منذ ذلك الحين إلى مؤسسات أخرى في الدولة.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت بعض مؤسسات الدولة التي نجت من ثورة 2011 مختلطة من خلال استيعاب مختلف الجماعات المسلحة وأصحاب المصالح السياسية. وتشمل هذه الجماعات المؤسسة العسكرية (القوات المسلحة)، ومؤسساتها الفرعية ، مثل حرس الحدود وحرس المنشآت النفطية والحيوية. وحرس المنشآت الحيوية.

التحدي الذي واجه جهود التكامل، وعدم التفكك منذ انتصار الثورة، استمر وزاد من الخلافات داخل أجهزة الأمن والدفاع الليبية مما أحبط إعادة بناء الجيش والشرطة وبقية المؤسسات الأمنية، وقد أصبح التشظي شائعا بين عناصر المؤسسات المنشأة حديثا، وتلك المؤسسات التي تطورت من الأجهزة الأمنية في النظام السابق.

كل من قوات درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا كان المقصود منها أن تكون مؤسسات مؤقتة، تم تصميمها كحلول مؤقتة استجابة لتحدي ما بعد الثورة المتمثل في دمج وحدات الثوار في معظم المؤسسات الحكومية المفككة.

بدلاً من ذلك ، استمر الثوار في العمل كعناصر بأعداد قليلة في الحكومة سواء كوحدات مساندة لوزارات في الحكومة وقد تم ضمهم من خلال علاقات شخصية وقبلية وجهوية.

وفي غياب مبدأ جامع وموحد، سمحت العلاقات الضعيفة بين أجهزة الأمن والدفاع بتنامي المصالح الخاصة المتنافسة بين الأطراف المختلفة.

هذه المصالح المتضاربة كانت من بين الدوافع الرئيسية للنزاعات المتصاعدة في ليبيا. وعلى الرغم من حل اللجنة الأمنية العليا رسميًا وتفكك قوات الردع جزئيًا، ظلت المصالح المتضاربة التي عملت من خلالها هذه المؤسسات قائمة وقوية.

صحيح أن العديد من تلك الوحدات الأمنية (الجديدة، والرسمية، والمختلطة) قد اختفت نسبيا، لكن بعض العناصر تحولت إلى مجموعات إجرامية أو متطرفة تعمل تحت الأرض في مجالات غير شرعية وقانونية.

وفي الوقت نفسه، وفي داخل القوات المسلحة، أصبحت جماعات المصالح المتضاربة مشاركة في التنافس ضد بعضها البعض وضد الوحدات التي شكلها الثوار. وكانت هذه الانقسامات في القوات المسلحة هي المنشأ التي أدى إلى حدوث تصدع داخلي في أعقاب إعلان خليفة حفتر عن مشروع الكرامةوبقيادته لما سمي بـ القيادة العامة للقوات المسلحةفي مايو 2014.

اتسع نطاق الخلاف بين الجيش والمكونات الأمنية والدفاعية المختلطة وأدى بالتالي إلى انقسام المؤسسات الحكومية وخاصة بعد أن قام تحالف من وحدات الثوار بقيادة قوات مصراتة (فجر ليبيا) بشن هجوم كبير للسيطرة على طرابلس في يوليو 2014.

في اجتماع في طبرق، أعلن مجلس النواب المنتخب، عن تعيين حليف وثيق لحفتر وهو عبدالرزاق الناضوري رئيسا للاركان العامة بدلا من عبدالسلام العبيدي، ولكن الأخير رفض التنحي معلنا أن الوحداث التي أطلق عليه اسم تحالف الثوارهي التي تقود الأعمال الهجومة الشرعية الموالية للحكومة الشرعية في طرابلس.

في حكومة عمر الحاسي، ظهرت في طرابلس حكومة مدعومة من تحالف الثوار وبقايا المؤتمر الوطني العام، متنافسة مع ذلك الحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله الثني التي عينت من قبل البرلمان في طبرق.

الخلافات بين المؤسسات الحكومية تعود في الأصل لطبيعة النظام السياسي الذي خلفه النظام السابق، وتلك الانقسامات داخل المؤسسات الحكومية تنعكس على تفتيت قطاع الأمن والدفاع.

على المستوى الهيكلي الأعلى، انعكست هذه الخلافات في العلاقة الغامضة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية للحكومة. وقد تولى الرئيسان المتعاقبان للمؤتمر الوطني العام محمد المقريف (من أغسطس 2012 إلى مايو 2013) ونوري أبو سهمين (من يونيو 2013 إلى أغسطس 2014) – لقب القائد الأعلى للقوات المسلحةعلى أساس قانوني ولكن كان مثيرا للجدل.

مع تقلبات الأغلبية داخل المؤتمر الوطني العام، مُنح أبو سهمين سلطات تنفيذية طارئة في أغسطس 2013 وتم تجريده منها بعد ثلاثة أشهر، فقط لاستعادتها في يناير 2014 .

وصعدت أعمال أبو سهمين على نطاق واسع من عدم الارتياح داخل المؤتمر الوطني العام، وخاصة تعيينه وزيرا للدفاع باعتباره القائد العامللجيش مما أدى إلى أن تقاسم السلطات أصبح غير مؤكد .

مع تصاعد الصراع على السلطة في المؤتمر الوطني العام خلال النصف الأول من عام 2014، كان لقب القائد الأعلىمحل خلاف علني، بما في ذلك من قبل .عز الدين العوامي نائب رئيس المؤتمر الوطني العام 

وفي الأزمة التي اندلعت في منتصف عام 2014، عاود أبو سهمين الظهور مجددًا، بحجة أن المؤتمر الوطني العام ظل في السلطة لأنه لم يستلم مجلس النواب رسميًا مقاليد السلطة في البلاد. وبصفته رئيس المؤتمر الوطني العام و القائد الأعلى للقوات المسلحة، أكد أبو سهمين على تكليف العبيدي كرئيس هيئة الأركان العامة بعد رفضه من قبل مجلس النواب.

لم تقتصر المشكلة على الخطوط غير الواضحة في التنافس بين السلطتين التنفيذية والتشريعية للحكومة، بل أن الخلاف نفسه ظهر بين وزير الدفاع ورئيس الأركان العامة – وكانت وزارة الدفاع تحت قيادة أسامة جويلي، وهيئة الأركان العامة تحت قيادة يوسف المنقوش في حكومة عبد الرحيم الكيب (نوفمبر 2011 – نوفمبر 2012).

استمر النزاع في عهد حكومة علي زيدان (من نوفمبر 2012 إلى مارس 2014 ) ضد الحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله الثني. كما أن التنافس برز بين العبيدي الذي عين مكان سالم القنيدي (هيئة الأركان العامة). وفقًا لزيدان، رفض العبيدي تلقي أوامر من الحكومة وفشل في التعاون مع وزارة الدفاع. وردّ العبيدي أن أوامره جاءت من المؤتمر الوطني العام الذي عينه رئيسه .

اتهم كل من العبيدي والقنيدي زيدان بمنع إعادة بناء الجيش من خلال وقف الدعم بالأموال والتمويل على هياكل القيادة .

وفي إشارة مستترة إلى تحالف القوات الوطنية، زعم القنيدي كذلك أن كتلة في المؤتمر الوطني العام كانت تعقد اجتماعات مع ضباط الجيش لإقناعهم بأخذ مواقف متشددة في الخلافات السياسية، قبل ظهور حكومتين متنافستين، كانت هذه النزاعات موجودة أيضًا داخل وزارتي الدفاع والداخلية ، بين الوزراء ووكلاء الوزارتين وبين نواب يمثلون الفصائل المحلية والسياسية المتنافسة.

وفي المقابل، أحبط هذا التنافس محاولات صياغة وتنفيذ السياسات. وقد تحولت هذه الصراعات السياسية إلى طريق مسدود نحو الإصلاح المؤسسي.

لقد منعت تلك الصراعات الحكومة من التحرك ضد الميليشيات التي تسيطر بعض محطات النفط في ليبيا وتسببت في خلافات مستمرة حول مسألة شرعية القوات المكلفة من قبل كيان حكومي أو آخر بالتدخل في النزاعات.

كما انعكست أيضا في المواقع التي اكتسبتها الفصائل المتنافسة في الوزارات حول أنماط شراء الأسلحة والمعدات. حيث تمكن العديد من المسؤولين داخل الوزارات من إعداد وتوقيع صفقات أسلحة، ومن ثم توجيه تلك الشحنات إلى حلفائهم أو عملائهم.

وكان بعض الضباط العسكريين السابقين من الثوار قد تم تعيينهم ملحقين عسكريين بالسفارات الليبية في البلدان المصدرة للأسلحة وبالتالي لعبوا أيضًا دورًا في تسهيل المشتريات لدوائرهم الانتخابية في البلاد.

مع تشعب المؤسسات في منتصف عام 2014 ، تحولت هذه المنافسات إلى صراعات حول من يمكنه قانونيا وشرعيا لشغل المناصب السيادية؛ ليس فقط لوجود قائدين متنافسين للأركان العامة بعد تعيين الناظوري فحسب، بل أن نائب وزير الدفاع خالد الشريف اعترض على إقالته من قبل الثني وأكد أنه باق في مكتبه.

البقية في الجزء الخامس

***

فولفرام لاشر ـ باحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين. يركز بحثه على ليبيا والقضايا الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.

بيتر كول ـ خبير مستقل غير حكومي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وله خبرة في ديناميات الصراع وما بعد الصراع ، والمخاطر السياسية ، والعلاقات بين الدولة والمجتمع.

___________