Minbar Libya

بقلم علي عبداللطيف اللافي

مما لا شك فيه أن الأنظار في ليبيا وان كانت تتجه تكتيكيا الى ساحات الحرب في محاور جنوب العاصمة طرابلس،

إلا أنها عمليا تتطلع الى ترتيبات عقد المؤتمر الدولي في برلين والمنتظر عقده خلال شهر نوفمبر المقبل والذي سيكون خلاصة لحوارات وترتيبات تُجرى حاليا في طرابلس وفندق الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية ومكاتب وزارات الخارجية في حوالي 10 عواصم دولية وإقليمية.

ذلك أن الألمان كانوا واضحين في شرط عقد مؤتمر بنتائج أو لا مؤتمر من الأصل، وقبل كل ذلك يطرح الراي العام في ليبيا سؤال على غاية من الأهمية وهو هل يمكن بناء حل سياسي يتضمن دورا ولو ثانويا للجنرال المتقاعد خليفة حفتر وسط مراهنة قوى دولية وإقليمية عليه وبناء استراتيجيتها القريبة ومتوسطة المدى عليه وصرف دول أموال طائلة وترتيبات عقود عليه.

وفي صورة تعذر وجوده في المشهد باعتباره أول الشخصيات الجدلية التي يستحيل تلاؤمها مع التطورات والمتغيرات وبعض الحلول المركبة، كيف يمكن فعليا إخراجه من المشهد وبأي آلية؟

معطيات مركبة ووهم الخصوم والمناصرين

يوجد اليوم في الساحة الليبية وفي مربعات الدول التي تتابع الملف الليبي نوعين من الواهمين:

وهم المناصرين: وهم أولئك الذين يعتقدون أن حفتر رقم رئيسي وأساسي في معادلات ليبيا المستقبل، وأنه يحب ان يكون طرفا في الحلول المرتقبة وأنه لابد من أن يكون على رأس المعادلة، وقد نسوا او بالأحرى يتناسون أن الرجل لم يترك لنفسه مساحات تجعله رجل وفاق أو طرف في حل سلمي مبني على الحوار.

ذلك أنه خصم للإسلاميين وكثير من الليبراليين وهو مرفوض من “أنصار ثورة فبراير” وأيضا من “أنصار الملكية” ومن “أنصار النظام السابق” أيضا.

وهو أي خليفة حفتر محل حقد غير معلن من طرف كثير من أنصار القذافي رغم تحالفهم التكتيكي معه منذ سنوات، فهم لم ينسوا له جزء من محطات غدره لزعيمهم “القذافي” أيام حكمه وأن حفتر كان طرفا في انقلاب ورفلة وقبل ذلك كان زعيما للجنة العسكرية لجبهة الإنقاذ المعارضة للقذافي.

والرجل مُعتَرَضٌ عليه من طرف مكونات في المناطق الثلاث أي شرقا وغربا وجنوبا وخصومه أكثر من أن يُحصوا، وبالتالي فوجوده ضمن حل سياسي مستقبلي أمر صعب القبول ان لم نقل مستحيلا إضافة الى رفضه الانصات لأي من المقربين منه فما بالك بخصومه ومناكفيه سياسيا وعسكريا.

وهم الخصوم: وهم أولئك الذين يعتقدون انه من السهل ابعاد حفتر وأن ذلك يسير سياسيا، كما يتوهمون أن اخراجه من المشهد في المتناول ذلك أن حفتر ليس فردا بل مشروع تَكلّف غاليا على مسانديه ومحتضنيه سابقا وحاليا، والرجل رهان استراتيجي لحلفائه المُعلنين وغير الظاهرين في الصورة من محافل وقوى وشركات عابرة للقارات والبلدان.

وحفتر شخص لا يستسلم بسهولة لأية حلول قد تقصيه أو تعطيه حجما لا يتلاءم مع أحلامه وطموحاته وهو يعرف الرهانات التي ركبها والمزالق التي سقط فيها سابقا، ذلك أنه لم يستسلم حتى في مرحلة ضعفه، حيث ركب جواد المعارضة بعد طلبه لمقابلة حسين حبري في التشاد وهو أسير (بعد سنة 1987).

السيناريوهات الثلاث الممكنة مستقبلا لصراع الفرقاء الليبيين

وفقا للتطورات الجارية في ليبيا حاليا من حيث سير المعارك سواء في محاور جنوب العاصمة او في الجنوب ومن خلال نقاشات وترتيبات مؤتمر برلين ومن خلال خطوات البعثة الأممية، فان الثابت اليوم ان هناك سيناريوهات ثلاث:

الأول: سيناريو تواصل الحرب والمعارك المتقطعة

وهو سيناريو وارد وتدفع له حالة توازن القوى محليا واقليميا ودوليا، وأيضا يدعنه مُعطى أن سنة 2020 هي سنة الانتخابات الأمريكية أي انكفاء الملف على منطق تنامي صراع القوى داخل الساحة الليبية في انتظار انتخاب الرئيس الأمريكي.

وهي أيضا حالة يحبذها ويدفع نحوها حلفاء حفتر بناء على رؤية أن الحرب في طرابلس وبعد الفشل في تحقيق اهداف عملية 4 أبريل لابد من تحويلها الى سيناريو مماثل لحرب بنغازي سنتي 2016و2017 وان كانت المحاكاة مستحيلة وخاطئة تركيبيا ونسقيا، فإنها على مستوى استدامة معارك متقطعة وباردة وخاصة اذا ما واصل السراج بروده من حيث إبقاء وضع وزارتي الدفاع والخارجية على ما هي عليه.

إضافة لعدم الرغبة في الحسم، وهو سيناريو قد يدوم أشهرا أخرى في انتظار المتغيرات في تونس ومصر والجزائر والسودان وأثيوبيا وفي الخليج وسوريا، وأيضا وفقا لمن سيكون الرئيس القادم في أمريكا وهوية الإدارة الامريكية المقبلة اجمالا وتفصيلا.

ثانيا: سيناريو الحرب الاهلية المباشرة

 وهو سيناريو سيقوم طبعا على فشل ترتيبات أي حلول سياسية ممكنة ووضع فخ للقوى الإقليمية بالتورط المباشر في المعارك بين الجهتين الغربية والشرقية وأطرافها المتصارعة رغم ان الامارات وتركيا ومصر متورطة بشكل كلي وتام في المعارك وفي تزويد المتقاتلين بالسلاح.

إلا أن التورط هذه المرة سيكون فعليا وقويا بحثا عن الحسم، وهذا السيناريو وان كان مستبعدا لطبيعة ملفات تهم تلك القوى أولا (السعودية والامارات في اليمن، وتركيا في سوريا ومصر مع اثيوبيا وملفاتها الداخلية)، ومن ناحية أخرى لن تستطيع القوى الدولية المساندة للطرفين بشكل جزئي او مباشر التورط الكامل في حرب هي متورطة فيها بأشكال مختلفة ولكنها غير مباشرة.

ومن المعلوم أن الصراع في ليبيا هو عمليا ومن حيث التعريف الأصح ما هو إلا حرب بالوكالة بين وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي عبر دفع مباشر لهم من أذرع إقليمية مشتغلة بطبيعتها ومتداخلة في أهدافها مع قوى دولية دافعة لها للعب أدوار مرحلية في ليبيا وفي كل القارة الإفريقية.

ثالثا: سيناريو الحل السياسي

وهو سيناريو بدأ يلوح في الأفق ومسنود أمميا ومن المنظمات الإقليمية على غرار الاتحاد الإفريقي وخاصة بعد نقل الملف للألمان اثر مراحل ممتدة على سنوات من صراع محتدم ومعلن بين الفرنسيين والايطاليين والذي لم ينته رغم مقررات وقرارات مؤتمرات باريس وباليرمو وأبوظبي.

وينبني الأفق السياسي الممكن بناء على حزم الألمان الذين اشترطوا ورقات حلول على الأطراف المدعوة وإمكانية الوصول لحل نهائي مبني على اتفاق الصخيرات سنة 2015، وأيضا في ضرورة وضوح مسار تنزيل الحل السياسي لاحقا عبر حكومة وحدة وطنية متفق حتى على أشخاصها وأهم وجوهها.

وضع حفتر في السيناريوهات الثلاث سالفة الذكر

وضع حفتر وموقعه في السيناريو الأول

سيبقى حفتر رقما قائما ولن تخذله أي وضعية سوى عامل السن الذي يلعب ضده، ذلك أن وضعه الصحي مرتبط بأكثر متاعب ترتبط أغلبها بالدماغ والقلب والمجاري البولية، ولكن وضعية مقاتليه مقلقة أيضا وخاصة بعد فشل تحقيق أي تقدم بعد أكثر من سبع أشهر رغم مئات المرتزقة الروسي الذين استقدمهم في بداية سبتمبر الماضي.

إضافة الى يقين أنصار القذافي في سقوط حلمهم في استرجاع السلطة لوحدهم دون سواهم خاصة، ومعلوم أنهم يمثلون العمود الفقري لقواته في المنطقة الغربية، بل من الوارد أن تحدث معارك داخل صفوف قواته وانشقاق البعض وتعدد خسائره خلال الاسابيع والأشهر القادمة مثلما حدث ذلك اثر خسارته لمدينة غريان الاستراتيجية.

ويمكن أن تتصاعد ضد الرجل وقواته حركات الاحتجاج في المنطقة الشرقية إضافة الى بداية خسارة مدن وقرى في الجنوب بنفس السرعة التي ربح بها تلك المناطق الشاسعة في شهري يناير وفبراير الماضيين أثناء ذهاب قواته الى هناك ولعبها على التوازنات بناء على صفقات.

وضع حفتر وموقعه في السيناريو الثاني

من البديهي ان ذلك السيناريو وكما فصّلنا ذلك أعلاه، يقوم على تورط الحلفاء الإقليميين لطرفي الصراع في المعارك والدفع لحرب أهلية واضحة المعالم وعندئذ سيعمل حلفاء حفتر على محاولة ربح المعارك ودفع حفتر لحكم كل ليبيا وستكون هناك محددات إقليمية ودولية لنجاح تلك الفرضية او وقوع العكس تماما بما يعني نهاية حلمه في أن يكون حاكما بل قد يجد نفسه منفيا للخارج من جديد، ومعلوم أن حفتر هو صاحب كتاب وحيد وهو “طريقة التغيير بالقوة”.

وضع حفتر وموقعه في السيناريو الثالث

وهنا لابد من التأكيد أن ما يفعله حفتر وحلفائه وخاصة الاماراتيين هو أنهم في الخلاصة يبحثون ان يكون الرجل جزء من عملية التفاوض سياسيا وعسكريا بل والعمل أن يكون صاحب أوراق تفاوضية كبرى، وهو ما يفسر الإصرار على بقاء قواته قريبا من العاصمة وأيضا استعمال القصف على المناطق السكنية وتكثيف استعمال الطيران المسير وتدبير اغتيال فاعلين رئيسيين.

إلا أن ما قد يخذل حفتر من حيث وضعه في هذا السيناريو وموقعه فيه أن الشخصيات الجدلية قد تُوضع خارج الحسابات، وفعليا هناك حديث على ما يسمى بـ ”الخط الثالث(أي استبعاد كل الأطراف بما فيها فائز السراج وخليفة بلقاسم حفتر وإبراز وجوه جديدة غير جدلية في الجهتين الشرقية والغربية أو هي غير رئيسية بشكل مباشر على غرار عقيلة صالح وفتحي بشاغا أو أخرى هي متوارية حاليا ومقيمة في عواصم مغاربية وتنقلت أخيرا لتونس أو هي بصدد التردد على الفندق في الفترة الأخيرة على غرار شمام وشلقم وجبريل وآخرين).

هكذا قد يبقى حفتر في المشهد بغض النظر عن شكل الحضور

إن كان بقاء حفتر في المشهد لا يزال ضعيف نسبيا من حيث إمكانية تجسده نتاج سقوط الجزء المغاربي في صفقة القرن إضافة الى انتخاب قيس سعيّد رئيسا يوم 13 أكتوبر الماضي (باعتبار أن منافسه كان سيكون ورقة رابحة للمحور المصري الاماراتي)، وسقوط خطة “بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية”.

ورغم ذلك يبقى أمرا ممكنا ان يكون حفتر طرفا في الحل السياسي عبر تطورات دراماتيكية ممكنة خلال الاسابيع والأشهر القادمة أو نتاج فصل العسكري عن السياسي ضمن مسارات الحل السياسي، وحتى لو حدث ذلك فان حفتر ومحيطه وطبيعة تركيبة شخصية حفتر وطبيعة التكوين السياسي والولائي لمحيطه العائلي والاستشاري سيضعانه بعد أشهر قليلة خارج سياق ما التزم به وما بني عليه الحل الذي شمله كفاعل رئيسي في ذلك المشهد الضعيف الورود من الأصل.

فرضيات اخراج حفتر من المشهد تماما

خروج حفتر غير متصور حاليا في فرضيات حلفائه المصريين والاماراتيين والسعوديين، الا أن التطورات وواقع الوضع المغاربي والشمال افريقي والمتوسطي وتطورات مواقف الإدارة الامريكية ( دعم الوفاق واستقبال “المشري” و”باشاغا” و”سيالة” منذ أشهر في أمريكا ) ستجعل الرجل خارج مربعات الحل السياسي وفرضياته الممكنة في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

ويمكن الجزم أن مرحلة حفتر انتهت موضوعيا، وأن مهمته انتهت بغض النظر عن ولاءاته الحقيقية (المصريين – الاماراتيين – الروس – الإسرائيليين – المنظومة الليبية القديمة معقدة التكوين والولاءات…)، ومن يرفض هذه الفرضية عليه أن يتسائل موضوعيا اين هو “عبدالرشيد دوستم” الافغاني وأين هم “فرح عيديد الصومالي” وأين هو “جون قرنق السوداني”…

كيفية مغادرة حفتر للمشهد يمكن من خلالها بناء تصورات سيناريوهات عدة من بينها، كيفية شبيهة بكيفيات خروج الثالوث سالف الذكر، ثم هل من الصعب على أي من حلفاء حفتر ومشغليه ورجاله مزدوجي الولاء في ابعاده من المشهد.

كما من الوارد أن عملية الابعاد او الابتعاد يكون تنزيلها مرحليا سواء عبر منصب شكلي وبروتوكولي في الحكومة القادمة أو أحد أهم فاعليها في بادئ الامر ثم تغييره في مرحلة ثانية اضافة الى انه رجل ثمانيني (قريبا) ارتاد كازينوهات في مدينة “فريجينيا” الأمريكية وأيضا دخل حاناتها طوال حوالي عقدين من إقامته هناك وهي أمور لها انعكاسات في قدرة الرجل على العمل والقيادة وفي تولي مناصب حساسة في حكومة انتقالية.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

__________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية