Minbar Libya

انطلقت اليوم، الخميس 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، في العاصمة التونسية أعمال المؤتمر السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هذا العام بعنوان العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية“.

الجزء الثاني

دراسات مقارنة في العدالة الانتقالية: أميركا اللاتينية وأفريقيا

مثّلت قضية لجان الحقيقة والمصالحة في بلدان الموجة الثالثة للديمقراطية موضوعًا أساسيًا للدراسات المقارنة في موضوع العدالة الانتقالية، وضمّنها المؤتمر كمحور أساسي يربط هذه التجارب الدولية بموضوع الانتقال الديمقراطي، ويبيّن مؤثراتها في المساعي العربية فيما بعد 2011 في هذا المضمار، محاولًا استخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها عربيًا.

بهذا افتتح سلام الكواكبي، مدير المركز العربي فرع باريس، الجلسة الثانية.

وفي هذا السياق، قدّم الباحث محمد أحمد بنيس ورقته التي درست سياسات الذاكرة معتمدةً على تجارب لجان الحقيقة في أميركا اللاتينية. وأكد بنيس أن تأسيس لجان الحقيقة قد ارتبط بتحديات عرفتها هذه البلدان واعترضت مسعاها نحو تأسيس ديمقراطية تكون بديلًا من النظم العسكرية.

وأنه بقدر ما اختزلت هذه التحديات أزمة الشرعية التي عصفت بتلك الأنظمة ودفعتها إلى الانخراط في التحول الديمقراطي، أبرزت أيضًا الإمكانات التي وفّرتها هذه اللجان للفاعلين لإدارة هذا التحول وتجاوز عثراته.

أما الباحث سيدنا موسى حننه فقد أشار في ورقته التي درس فيها العدالة الانتقالية بعد الحروب الأهلية، إلى نموذج دولي آخر من القارة الأفريقية، مركّزًا على نحو لافت على حالتي رواندا وسيراليون، لما فيهما من نجاحات مهمة في إرساء دولة المواطنة وتجاوز أزمة الانقسام الإثني، وتحوّلها من دول على شفير الانهيار إلى دول تعرف معنى جودة الحكم.

بيّن حننه أن سيراليون استطاعت اجتياز مرحلة الصراع المسلح وعززت رسوخ السلام فيها مع انتقال السلطة سلميًا، وفتح المجال لتعددية سياسية معتبرة، كما أنها لم تكن لتمضي في استحقاقات انتخابية منتظمة منذ نهاية الحرب الأهلية، أو تنجح في فرض إصلاحات مؤسسية في قطاعات عدة لولا توافر الإرادة السياسية.

في حين تطرّق الباحث أحمد إدعلي إلى الحالة الأكثر شهرة على المستوى الدولي، وهي حالة جنوب أفريقيا، وقدم تقييمًا عموميًا لتلك التجربة، التي يراوح فيها الرأي بحدة بين من يرى أنها لم تكن تجربة حقيقية للعدالة الانتقالية بسبب فرض سياسات النسيان وطغيانها على سياسات الحقيقة والمعاقبة، وبين من يرى فيها نموذجًا جيدًا لكيفية تطويع العدالة الانتقالية لطي صفحة الماضي وتعزيز الوئام الوطني والتحول نحو مسار ديمقراطي يلغي أي إمكانية لعودة ممارسات الفصل العنصري.

مسارات العدالة الانتقالية بين تونس والمغرب: نجاحات وعثرات

في الجلسة الثالثة التي رأسها مصطفى عمر التير، أستاذ علم الاجتماع في جامعة بنغازي، تكثفت بؤرة النظر حول تجربة العدالة الانتقالية التونسية.

وحول سياقاتها وإكراهاتها، استعرض الباحث عدنان الإمام المسارَ الذي اتخذته العدالة الانتقالية التونسية منذ سقوط بن علي حتى صدور تقرير لجنة الحقيقة والكرامة التونسية.

وأوضح الإمام أن العدالة الانتقالية في تونس كانت مطلبًا ملحًّا منذ الأيام الأولى للثورة، إذ تبنّته أغلبية القوى السياسية والمدنية الفاعلة، ولم يبرز أي صوت، في بداية الأمر، قادر على معارضته بصفة علنيّة، بالخصوص من المرتبطين بالنظام السابق، وبقوا في السلطة.

في حين ركّز تحليل الباحث عدنان نويوة على موضوع الفساد، مبينًا أن الدستور التونسي الجديد أولى الدولةَ مهمة مكافحة الفساد، وأصدر البرلمان قانون إنشاء هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وقانون حماية المبلّغين، والقانون المتعلق بالتصريح بالمكاسب والمصالح، وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح في القطاع العام.

ورأى نويوة أن مسار العدالة الانتقالية قد انتابه تعثّر على الجانب المتصل بمكافحة الفساد، حيث العجز عن طيّ ملف رجال الأعمال المتورطين في الفساد قد حمل انعكاسات سلبية على عملية الانتقال الديمقراطي.

هذا ونقلت الباحثة صوفية حنازلة الجدل إلى قضية الخطاب وصنع التصنيفات ضمن خطابات العدالة الانتقالية التونسية، مركّزة على عناصر الزمان والمكان والجسد والذاكرة، فبيّنت أن الخطاب حول العدالة الانتقالية أظهر قدرات الهيمنة التي تحويها مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة؛ فالعدالة الانتقالية اعتمدت التكثيف المسرحي لطقوس العبور أو ما أسمته طقوس التذكر الجماعية، التي ظلّت تراوح بين فعل التنظيم المحكم من طرف القائمين على خطاب العدالة الانتقالية، وبين أداءات لم تجاوز كونها مجرد تنويعات على شكل واحد من الخطاب.

ولم يوفر خطاب العدالة الانتقالية سوى غطاء أيديولوجي رقيق جدًا جرت من خلاله التعمية على عمليات نفي متواصلة لأجساد وأزمنة وأمكنة وذاكرات.

العدالة الانتقالية في المغرب: الذاكرة والتاريخ

أما الجلسة الرابعة التي اختُتمت بها أعمال اليوم الأول، فقد ركّزت على العدالة الانتقالية في المغرب، حيث جاء عرض الباحث محمد سعدي حول مسألة الاعتراف وموقعها في بناء الذاكرة ضمن سياق العدالة الانتقالية، متخذًا حراك الريف وشبابه حالةً للنظر والتقييم.

أوضح سعدي أن الذاكرة الجمعية الحارقة قد شكلت أبعاد هذه التجربة، مبتدئًا بتوكيد أن الذاكرة لها موضع مركزي في ثقافة أهل الريف، وأن حفظها يعلو ليكون بمنزلة الواجب.

هذه الذاكرة التي بدت كمصدر تطهير نفسي وجسدي وُظّفت في بناء هوية تعبوية، ما جعلها ذاكرة حية فائرة يصعب التئام جروحها، لكنها في الآن ذاته تفسر الأحداث التاريخية على نحو ذاتي، حيث يميل أهل الريف إلى تسييج مخيالهم التاريخي والرمزي على نحو يدفعهم إلى الانغلاق على مأساتهم الخاصة.

في حين نقل الباحث سعيد الحاجي الجدل العلمي إلى مسألة الكتابة التاريخية وتقييم سعي هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب لاتخاذ السرد التاريخي آليةً لجبر ضرر الضحايا، منوهًا بحالة عبد السلام الطود.

وعلى الرغم من أن هيئة الإنصاف والمصالحة لم يكن من مهماتها كتابة التاريخ، فإن سعيها للوصول إلى الحقيقة جعلها تمحص معطيات الماضي على نحو أشبه بالفحص التاريخي.

ويتأتى دور الكتابة التاريخية في كشف الحقيقة من اختلاف تصورات ورؤى أطراف الصراع، وأن التعامل معها يجب أن يُستحضر فيه جانب الذاتية.

أما شفيق عبد الغني فقدم تقييمًا عموميًا لعمل هيئة الإنصاف والمصالحة على هدف ترميم الذاكرة المغربية وإزالة أثر ما خلّفته سنوات الجمر والرصاصمن جراح عميقة فيها.

وكشف عبد الغني أن الرهان على المصالحة كان يروم تهيئة الضحايا للتعايش السلمي مع من ألحقوا الضرر بهم، الأمر الذي اقتضى من الدولة المغربية تحمّل مسؤولية أخطائها، من خلال الاعتراف بانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الضحايا.

وأظهرت التجربة مستوى عاليًا من البراغماتية السياسية، جعل الدولة تفتش عن بديل من العدالة العقابية، ملتزمة حدود سياق كان يتعذّر فيه معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

يذكر أنه في عقب كل جلسة كانت هناك مداخلات وتساؤلات ومناقشات، أظهرت ما لقضية العدالة الانتقالية من أهمية بالغة.

وجدير بالذكر أن بعض جلسات هذا اليوم قد جرى بثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمركز العربي على تويتر وفيسبوك، لتسمح لجمهور أوسع بمتابعة المؤتمر والتفاعل مع مجرياته.

_______________