Minbar Libya

بقلم رامي القليوبي

يتوقع الخبير الروسي في شؤون الشركات العسكرية الخاصة، يفغيني بيرسينيف، أن تتجه روسيا للبحث عن حصتها في سوق الخدمات الأمنية في أفريقيا.

 تزامن ذلك التوجه مع انتشار الأنباء حول أنشطة المرتزقة الروس وسقوط عشرات الضحايا في صفوفهم في ليبيا بعد سورية ووجودهم في مختلف أنحاء القارة السمراء.

وهو ما تؤكده إفادة الخبير بالمجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيميونوف، الذي قال لـ”العربي الجديد”: “هناك عدد من الشركات العسكرية الخاصة الروسية في ليبيا، والأمر لا يقتصر على (فاغنر)، وعلى سبيل المثال تولت (آر إس بي قروب) أعمال إزالة الألغام في بنغازي.

لم يتم الكشف عن نشاط الشركات العسكرية الخاصة في ليبيا بشكل علني، ولكن يبدو أنها اعتيادية، مثل حراسة كبار المسؤولين، بمن فيهم قيادات بالجيش الوطني الليبي (مليشيات حفتر)، وتأمين بعض المنشآت مثل حقول النفط، وتدريب أفراد بعض الهيئات الأمنية، مثل حرس المنشآت النفطية في شرقي ليبيا، على عكس سورية، حيث شاركت مجموعة (فاغنر) ذائعة الصيت في أعمال القتال إلى جانب قوات النظام وفق ما أوضحه كيريل سيميونوف.

ولم تعد تحركات المرتزقة الروس في أفريقيا تقتصر على ليبيا، إذ كشفت صحيفة كارتا دو موزمبيق في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن سقوط خمسة قتلى روس من عناصر “فاغنر” في موزمبيق جراء إطلاق نار من متمردين.

بالإضافة إلى تسريبات عن وجود مستمر لـ”فاغنر” في جمهورية أفريقيا الوسطى خاصة بعد مقتل 3 صحافيين روس فيها، في يوليو/ تموز 2018، بينما كانوا يعدّون فيلماً وثائقياً عن الشركة.

أهم الشركات العسكرية وآلية التوظيف

على عكس شركة “فاغنر” التي لا كيان رسميا لها، فإن الشركات مثل “آر إس بي قروب” وغيرها لها مواقع رسمية بعدة لغات، بما فيها العربية، تتضمن نبذة عن خدماتها الأمنية البحرية والبرية ومواقع عملها.

ويكشف موقع “آر إس بي قروب” أن الشركة لديها خبرة عمل في عدد من البلدان العربية، بما فيها إزالة الألغام في العراق، وحماية السفن من القراصنة الصوماليين، بالإضافة إلى حصول الشركة على ترخيص الأمم المتحدة كـ”مورّد محتمل” لـ”حماية ومساعدة اللاجئين” الفلسطينيين والسوريين والعراقيين، وفق موقع الشركة بنسخته العربية.

كما أن “آر إس بي قروب” لها صفحة على النسخة الروسية على موقع (هِد هَنتر) لإعلانات الوظائف لا تتضمن أي وظائف شاغرة في الوقت الحالي، ولكنها تعرّف الزائرين بمزايا العمل فيها، مثل الالتزام بمواعيد صرف الرواتب وقانون العمل الروسي وفرص الترقية وغيرها، محذرة في الوقت نفسه من أن أداء المهام سيكون في مناطق أعمال القتال، ومؤكدة على الاحترام الكامل لقوانين روسيا والبلد الذي تدافع عن مصالح الشركات الروسية فيه.

أما موقع شركة “موران سيكيوريتي قروب”، فيتضمن أيضا قسما خاصا بالوظائف الشاغرة والتي يشترط في المتقدمين إليها استيفاء بعض الشروط، مثل خبرة أداء الخدمة في وحدات المهام الخاصة بوزارتي الدفاع أو الداخلية، وخبرة قتالية، وإجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، والعمر من 25 إلى 45 عاما.

وعلى الرغم من عدم الكشف عن رواتب أفراد “فاغنر” وغيرها من الشركات العسكرية، إلا أن موقع حماية حقوق المستهلك (مستقل)، يذكر أرقاما تبدأ من 2300 دولار شهريا مقابل حراسة مواقع استراتيجية، وصولا إلى ما يقارب 5 آلاف دولار مقابل المشاركة في العمليات في سورية.

وفي الوقت الذي لا تعلن “فاغنر” عن وظائف شاغرة، أظهر مسح أجراه معد التحقيق على شبكة “فكونتاكتي” الروسية للتواصل الاجتماعي وجود مجموعات مفتوحة وأخرى مغلقة يناقش المشاركون فيها كيفية الالتحاق بها، مستخدمين مصطلح “متطوع” بدلا من المرتزقة لعدم وقوعهم تحت طائلة القانون الجنائي.

تسجيل في الخارج

تحظر المادة 359 من القانون الجنائي الروسي تجنيد المرتزقة ومشاركتهم في أعمال القتال، لذا فإن الشركات الرسمية مثل “آر إس بي قروب” لا سبيل أمامها سوى تسجيل كياناتها في دول مثل قبرص ومالطا وجزر البهاما، وفق ما يوضحه بيرسينيف، قائلا في حديث لـ العربي الجديد:

من وجهة النظر الإجرائية، لا شركات عسكرية في روسيا. لكن هناك مقولة شعبية إن (القوانين وُضعت لكي تتم مخالفتها)، ويجري تسجيل الشركات العسكرية الخاصة في الملاذات الضريبية (أُف شور)، وفي حال حدوث مشكلة، يمكن إعادة تسجيلها.

كما يمكن إنشاء نوع من الشركات العسكرية الخاصة تحت غطاء الوحدات الأمنية بالشركات المدنية، وهو ما قامت به، في الواقع، شركة (لوك أويل) النفطية الكبرى”.

وتعرف وكالة “لوكومأ” التابعة لأكبر شركة نفط روسية خاصة “لوك أويل” نفسها في نبذة على موقعها، بأنها “واحدة من أكبر شركات الحراسة الروسية، وتقدم خدمات التأمين الشامل لسلامة المنشآت والمصافي النفطية ونقل وتوزيع منتجات النفط، وتعمل بفاعلية في 65 منطقة في بلادنا وبالخارج منذ أكثر من ربع قرن”.

أما شركة “فاغنر” التي نالت شهرة عالمية بعد مشاركة أفرادها في أعنف المعارك البرية في سورية في عام 2016، فيؤكد بيرسينيف أن هذه المجموعة ليست شركة عسكرية تقليدية تقدم كل المعلومات عن نفسها، بل تواجه مشكلة بسبب انعدام شخصية اعتبارية تتيح لها إبرام عقود وإجراء معاملات مالية رسمية.

وفي يوليو/ تموز الماضي، كشفت صحيفة “نوفايا غازيتا” الليبرالية المعارضة عن مقتل ثلاثة عناصر روس في سورية كانوا يتبعون لشركة “شيت” (الدرع) غير المسجلة رسميا، شأنها في ذلك شأن “فاغنر”.

ويقع مقر الشركة في منطقة ثكنة الفرقة الخاصة الـ45 لقوات الإنزال الجوي في ضواحي موسكو.

ورغم عدم الكشف عن أسماء القائمين على الشركة، إلا أن مصادر رجحت أنهم محاربون قدماء أو جنرالات رفيعون سابقون أو حاليون بوزارة الدفاع الروسية، كما أن مهامها محدودة جدا، وتكاد تقتصر على حراسة خمسة مواقع لشركة “ستروي ترانس غاز” الروسية المعنية بمد خطوط أنابيب الغاز في سورية.

عقود مشكوك في أمرها

يشير بيرسينيف إلى مجموعة من الصعوبات التي تواجهها الشركات العسكرية الروسية في ليبيا مقارنة بسورية، قائلا: “تكمن صعوبة العمل في ليبيا في التركيبة القبائلية للبلاد التي تسببت في حرب أهلية متكاملة، لتصبح العقود المبرمة مشكوكا في أمرها من وجهة النظر القانونية. على عكس سورية التي لها سلطة واحدة ممثلة لدى الأمم المتحدة، وفي حالة ليبيا، فإن القسم الأكبر من المجتمع الدولي معترف بالحكومة في طرابلس، بينما تدعم أغلب الدول العربية خليفة حفتر”.

أما سيميونوف، فيلخص الفارق الرئيسي بين نشاط الشركات العسكرية الروسية في سورية وليبيا، مضيفا: “ليس من المقرر أن تشارك الشركات العسكرية الخاصة الروسية في عمليات القتال في صفوف حفتر باستثناء العمليات ضد تنظيم (داعش).

هذا هو الاختلاف الرئيسي عن سورية، حيث أدت مثل هذه الشركات دور (العنصر البري) للمجموعة العسكرية الروسية لدعم أعمال القوات الخاصة والمدفعية الروسية”.

وفي هذا السياق، يتابع: “لا مجموعة عسكرية روسية في ليبيا، ولذلك لا جدوى من مشاركة الشركات العسكرية الخاصة في العمليات البرية، ولا أدلة على ذلك سوى أقوال شهود عيان مجهولي الهوية”.

ويوضح سيميونوف أنه “رغم تقديم موسكو نوعا من الدعم لحفتر، عن طريق السماح بدخول الشركات العسكرية الخاصة إلى ليبيا، إلا أنها لن تقبل على الأرجح بالمشاركة المباشرة في أعمال القتال، ولو بواسطة المرتزقة الروس، كما أن روسيا لا تزال معنية بالحفاظ على اتصالاتها مع طرابلس وتأمل في أداء دور الوسيط في الشؤون الليبية”.

لكن مصادر ليبية مطلعة في حكومة الوفاق ترفض ما قاله سيميونوف مؤكدة أن مرتزقة شركة “فاغنر” بدأوا بالمشاركة في أعمال القتال على الخطوط الأمامية في صفوف حفتر وتم رصدهم منذ سبتمبر/ أيلول الماضي والحصول على متعلقات 7 قتلى منهم من جنسيات روسية وأوكرانية.

أهداف تجارية

يوضح الأستاذ بقسم العلوم السياسية في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، غريغوري لوكيانوف، أن الهدف الرئيسي لأي شركة عسكرية خاصة هو تحقيق ربح دون إعلاء أهداف سياسية.

ويلخص مهام الشركات العسكرية الروسية في صفوف قوات حفتر، مضيفا: “قياسا بالشركات الإماراتية التي تشارك في العمليات الهجينة في القرن الأفريقي والساحل والصحراء، فإن الشركات الروسية تؤدي دورا ثانويا يكاد يقتصر على الحراسة وتدريب الأفراد وصيانة المعدات سوفييتية الصنع التي يتم توريدها إلى ليبيا عبر الوسطاء الأجانب وتدخل إلى ليبيا عبر الأراضي المصرية أو ميناءي بنغازي وطبرق”.

ومع سعي روسيا لتعزيز وجودها السياسي والاقتصادي والأمني بالقارة الأفريقية التي تزخر بالموارد الطبيعية، يتوقع بيرسينيف أن تواصل الشركات العسكرية الخاصة الروسية توسعها في أفريقيا بدعم من الدولة الروسية.

ويقول الخبير الروسي في هذا السياق إن “الشركات العسكرية الروسية ليست كبيرة إلى حد أن تنفذ عقودا ضخمة، ولكنها ستدخل تدريجيا إلى أسواق الدول الأفريقية بالشراكة مع الدولة”، مستشهدا في ذلك بالتجربة الصينية في توسيع نشاط الشركات الأمنية بالتوازي مع تنامي نفوذ بكين.

ويخلص إلى أنه وسط عجز الشركات الغربية عن استيعاب السوق الأفريقية كاملة، قد تعتمد روسيا التجربة الصينية في زيادة حصتها بهذه السوق، مع استمرار تسجيل شركاتها العسكرية بالخارج في ظل انسداد آفاق تقنينها بموجب القانون الروسي.

***

الدكتور رامي القليوبي ـ أستاذ الاقتصاد في جامعة موسكو

___________