Minbar Libya

بقلم نزار بولحية

يبحثون مستقبلها في برلين، ويناقشون مصيرها في واشنطن وباريس، ويضعون لها سيناريوهات في روما وموسكو ودبي.

لكنهم يكتفون بالمقابل في تونس والجزائر وحتى في المغرب وموريتانيا بتقديم عبارات المواساة لها، من دون أن يظهروا القدر الواضح من الحماس والاهتمام بما يحصل فيها، رغم أنهم قاموا قبل فترة، ربما من باب رفع العتب واللوم، بإدارة مفاوضات في الصخيرات، ثم عرض ما وصف بعدها بالمبادرة الثلاثية للحل.

ولعل ذلك يعكس في قدر كبير حالة اتحاد مغاربي متوقف ومشلول، فأمام سمع وبصر ذلك الهيكل الخاوي، تستمر ليبيا بالغرق في أزمة عميقة، جعلتها تقسّم فعليا وبشكل غير رسمي بين روسيا من جانب، وأمريكا من الآخر، وتوزع على أكثر من طرف إقليمي أقل ثقلا منهما.

لكن إن كتب للاتحاد المغاربي أن ينهض من موته السريري الطويل ولو بعد أمد فهل سيكون من المؤكد عندها أن تكون ليبيا، كما يقتضي الحال جزءا ثابتا منه؟.

وبينما تتقطع أوصال بلد عمر المختار وتتفاقم مأساته يكاد سكانه يشكّون في أنهم يتقاسمون بالفعل مع باقي المغاربيين خريطة الشمال الافريقي نفسه.

ومع انه من الصعب إن لم يكن من المستحيل على أي بلد أن يختار جيرانه، فإن الليبيين باتوا أزاء حالة انفصام نفسي وحضاري حادة.

ففيما تشدهم حقائق التاريخ والجغرافيا إلى أواصر القربى والجيرة، تخبرهم حصيلة التجارب على الميدان وفي أكثر من مناسبة، بأن الشقيق القريب هو من يخذلهم ويطعنهم في الظهر، ويتآمر بشكل من الأشكال ضدهم وقت الضيق.

ولعل كثيرين منهم استعادوا الآن ما فعله القذافي في الأعوام الأخيرة من حكمه، حين قلب الثوابت واستبدل جواره العربي بآخر افريقي، معدلا وجهة بوصلته مئة وثمانين درجة، ومتخليا عن كل الرموز والشعارات القومية العربية، التي ظل يرفعها على مدى ردح طويل من الزمن، ويشن باسمها كل مغامراته وحروبه الدونكيشوتية ويستبدلها باخرى ذات طعم افريقي.

أما هل نجح في ذلك أم لا؟ فتلك تظل وحدها قصة اخرى.

لكن ما يهم اليوم هو،

كيف سيكون عليه الحال في المستقبل، وأي ليبيا سيختار الليبيون إن هم استطاعوا أن يفعلوا ذلك بإرادة حرة ومستقلة؟

هل هي ليبيا العربية؟ أم المغاربية؟ أم الافريقية؟

أم البلد الليبرالي المفتوح على نهم شركات الشرق والغرب؟

أم العصي على أي اختراق أو تدخل خارجي والوفي لجذوره وروابطه المغاربية والعربية في الآن نفسه؟

سوف لن تظل طرابلس في كل الاحوال تلك العاصمة التي يراها الاخرون فقط بئرا يتدفق بالنفط ويعول في عيشه وغذائه ودوائه وأمنه واستقراره على ما يدفعه الآخرون نظيره من مقابل.

كما لن يكون من الممكن أن لا تترك سنوات الدمار والصراع المرير، التي تلت مقتل من خلع على نفسه لقب القائد الأممي، ثم ملك ملوك افريقيا، أثرها البين على سلوكهم وتصرفاتهم ونظرتهم ايضا للعلاقات المستقبلية مع محيطهم الخارجي.

فهم وعلى قدر ما يشعرون بالألم والحسرة لما آل اليه حالهم، فإنهم يحسون بالكثير من المرارة والغضب على من كانوا يعدونهم امتدادا طبيعيا لهم.

ولعل فيهم من بات مقتنعا بأن كل ما تعلّمه وعرفه عن قوة الروابط العرقية والدينية التي تجمع بلده بباقي البلدان الاخرى، سقط في الماء، ولم يعد ثابتا أو موجودا بمجرد أن تخلى أقرب الجيران عن واجبه،

ولم يبذل الحد المطلوب لوقف معاناتهم، أو قام بدور حاسم ومؤثر لإنهاء الصراع المحتدم بينهم بفعل تدخلات قوى إقليمية ودولية، كانت هي المحرض والدافع الأكبر لاقتتالهم وانقسامهم.

لقد رأوا جيدا كيف انهمك التونسيون والجزائريون في مشاكلهم وشؤونهم، وتعاملوا مع المأساة التي حلت بهم وكأنها تعني بلدا بعيدا ليس موجودا على أطراف حدودهم، ولا تجمعهم به أكثر من صلة ورابط.

وفيما ظلوا يسمعون باستمرار مقولات من قبيل أن أمن الجزائر من أمن ليبيا، وأمن تونس من أمنها أيضا، كانوا يرون بالمقابل أيضا كيف أن الدولتين لم تفعلا تقريبا شيئا لوقف القصف الهمجي على عاصمتهم، ولا كانت لهما الرغبة والإرادة في أن تدفعا الأطراف التي كانت حريصة على إجهاض أي تفاهمات أو توافقات ليبية.

لأن تراجع مواقفها وسياساتها، وتفهم أنهما ترفضان وتعارضان بشدة أي تدخل أو انخراط مباشر في الشؤون الداخلية لبلد شقيق، وإن ذلك يمس بالفعل وبشكل مباشر أمنهما القومي.

ولم يكن أحد يطالب لا تونس ولا الجزائر، بأن تحشد قواتها وتلوح بالتدخل العسكري لوقف المأساة الإنسانية التي كانت تدور على حدودهما.

لكن لم يكن بالمقابل بوسع أحد آخر أن يجد مبررا لمواقفهما، أو يفهم الاسباب التي جعلتهما تتصرفان على ذلك النحو، وتفضلان البقاء على الربوة لمتابعة مشاهد القتل والدمار والقصف العشوائي لواحدة من العواصم المغاربية العريقة.

فهل كان هناك بالفعل أمر قاهر دفعهم هم وباقي المغاربيين لأن يكونوا سلبيين مع الليبيين بالذات؟

أم أنهم كانوا ربما وبشكل غير مباشر ينتقمون من ليبيا، التي كانت في عهد القذافي تمثل لبعضهم كابوسا، وربما غريما ومنافسا على الزعامة، بفعل طموحات ومغامرات ذلك الرجل، ومواقفه المتقلبة من المغاربيين أنفسهم، بدءً بالتونسيين وانتهاء بالمغاربة والصحراويين؟

ثم هل سيكون من الممكن أن يلوموهم لاحقا، أي حين تضع الحرب أوزارها، ويستقر الوضع وتبدأ عملية إعادة الإعمار، إن لم يستعينوا بهم أو يطلبوا خبرات من تونس والجزائر والمغرب، واستعاضوا عنها بخبرات من دول اجنبية اخرى؟

قد يبدو للبعض أن هناك قدرا من التجني والقسوة في الحكم، وقد يرون أن الشعوب بريئة، مما فعل حكامها، وأنها تتألم لألم الليبيين، وتحس بمعاناتهم ولكن ما بيدها حيلة فهي مغلوبة على امرها، ولا تستطيع أن تغير أو تؤثر في سياسات دولها.

ولكن هل خرجت مثلا ولو مظاهرة واحدة في العواصم المغاربية للتضامن مع الشعب الليبي؟

وهل قامت هيئات المجتمع المدني التي تنشط بقوة في تونس، وحتى في المغرب على سبيل الذكر بأي بادرة ولو رمزية نحو ليبيا؟

إن المشكل في العمق هو أن معظم المغاربيين حتى أن تخيلوا اتحادهم، فإنهم لا يتصورونه خارج المغرب الفرنسي الذي يشمل تونس والجزائر والمغرب، وربما يضم ايضا موريتانيا، فيما يعجزون عن الاقتناع بانه قد يحتضن ايضا ليبيا، التي لا يراها المشارقة بدورهم دولة مشرقية تماثلهم.

وربما يكون الدرس الإيجابي الوحيد الذي قد يستخلصونه مما يحصل اليوم في ليبيا، انهم سيدركون بعد وقت بان المغرب الكبير لن يكون ممكنا أو مجديا من دونها.

لكنهم قد يعضّون اصابع الندم عندما يكتشفون في وقت متأخر مثلا، وبعد فوات الأوان أن الليبيين قد حولوا انظارهم بعيدا عما كان يفترض انه المغرب الكبير الذي يسعهم وصاروا ينظرون للعالم من زوايا بديلة اخرى!

***
نزار بولحية ـ كاتب وصحافي من تونس

__________