Minbar Libya

بقلم عبد الرزاق بلحاج مسعود

ما يجري في ليبيا هو عنوان عطالة عربية تاريخية شاملة زرع بذورها استبداد جاهل وغياب طويل عن عقل العالم. نستطيع اختزال كلّ الأسئلة حول طبيعة ما يجري في ليبيا في سؤال هو ما هي ليبيا.. الآن؟.

.الجزء الثاني

ثالثا: طفرة استعمارية عسكرية عالمية جديدة على أرض العرب فقط

السلوك الفرنسي الاستعماري في ليبيا فجّ ومعلن ويؤشّر على مرحلة انفلات استعماري عالمي هو بصدد التواطؤ على مقدّرات العرب ومصير كياناتهم السياسية المفتقدة من أصلها لمقوّمات الحياة بسبب الاستبداد أساسا (الذي صار خاصية عربية ثابتة) وبسبب عاهات تاريخية ثقافية متراكمة عبر تاريخ تخلّف عربيّ طويل.

الانفلات الاستعماري الذي كان يديرهالقذافي بعدل، ولو كان عدلا مزاجيّا متقلّبا، بين مراكز النهب الطاقي، ويغنم منه هو وعائلته أرصدة مالية خرافية (نقول خرافية ونعرف أن تقديرها يتجاوز خيالنا الفقير) يودعها في بنوك الغرب، صار يفتقد منذ 2011 لإدارة موحّدة.

لذلك تتنافس إيطاليا وفرنسا أساسا على إدارة التسوية السياسية الممنوعةلا المتعثّرة كما يشاع، قبل أن تلتحق بهما دول كثيرة تسعها كلها أرض/ وثروات ليبيا الواسعة.

التحقت تركيا كقوة اقتصادية صاعدة عبر/ ومع الحليف القطري الذي يطمع هو بدوره في دور سياسي اقليمي يصبّ في الأخير في حساب السيّد الأمريكي الذي يشكّل حضوره العسكري في البحر المتوسط وفي الخليج مصدر كلّ جوازات العبور إلى المنطقة،

ومن ذلك عبور الإمارات العربية عبر مصر التي يبدو أنها أسلمت قرارها السياسي لهذه الدويلة الغامضة، والتي (الإمارات) تشبه غرفة عمليات سياسية مالية استخباراتية دولية لا دولة بالمعنى المعروف.

وهاهي ألمانيا التي تتسلّل إلى المشهد الدولي بدفع من اقتصادها الصاعد والذكيّ” ( استثماراتها في مجال تكنولوجيا الطاقة تسجّل تقدّما يفسّر سلوكها السياسي الجديد) تلتحق بالجميع وتعمل على تجميعهم في مؤتمر دولي حول ليبيا.

مؤتمر تحكيميبين فرنسا وإيطاليا المندفعتين في الخصومة حول ليبيا، تحاول فيه ألمانيا لعب دور الحكيمالأوروبي الذي يدرك تداعيات انفلات جنوب أوروبا وتحوّله إلى بؤرة صراع دولي تنعكس تداعياته على أوروبا أساسا.

لكنّ هذا الدور الألماني الإيجابي” (بالمقارنة) رغم خلفيته التي تحكمها مصلحة اقتصادية/ سياسية ألمانية أكيدة ( والذي نشهد صداه الخافت هنا في تونس)، يصطدم بدور روسي جديد في العالم وفي المجال العربي تحديدا.

يبدو أن روسيا تحتفي بالاختراق السياسي النوعي الذي حققته في سوريا حيث عادت إلى الساحة الدولية لأوّل مرة بعد سقوط سلفها الامبريالي (الاتحاد السوفياتي)، ونجحت في افتكاكدور شرطيّ عالمي شريكللقوّة الأمريكية التي يبدو أنها لم تنسجم مع دور القطب العسكري الأوحد في العالم، بما دفعها إلى استدراج ما لبوتين القوميّ الـ سوفياتيّ النشأة والتفكيرليحضر في سوريا.

وها هي روسيا منذ 2015 يصير لها في قلب منطقة النزاع العالمي المستمرّ منذ قرن حضور عسكري ميداني كاسح نجح في منع بشار الأسد من السقوط أمام ثورة شعبه على نظامه الاستبدادي المخابراتي الدموي.

تحضر روسيا في سوريا بجوار اسرائيل وتركيا والعراق، بتنسيق ميداني معلن يشبه المناولةأو التفويض الجزئي والوقتي من أمريكا.

أمريكا التي ارتبكت سياستها الخارجية في نهاية ولاية أوباما الذي سلّم ملف المنطقة برمتها إلى ترامب الروسي“.

والحصيلة هناك أنّ الوجود الروسي/ الأمريكي في سوريا يكاد يكون درسا في نوعالاستعمار العالمي الجديد من حيث قيامه على المواجهة الإعلامية المضلّلة والتعايش والتنسيق الميداني الدقيق بين قوّتين عالميّتين متنافستين/ حليفتين (تنسيق يشمل اسرائيل حليفهما المشترك، ويشمل إيران وأداتها حزب الله حليفة النظام وحليفة راعيه الروسي بالتبعية ).

روسيا المنتشية إذن بنجاحها الاستعماري في سوريا تصل إلى ليبيا، أمام أعين القوة الأمريكية طبعا، عبر شركات أمنية خاصّة تتبع المخابرات وتشغّل مرتزقة من كل أنحاء العالم ممّا سيعقّد المهمة الألمانية المنتظرة، ويطيل أمد الحرب المفتوحة في ليبيا.

رابعا: ليبيا … أرض العرب اليباب

المشهد في ليبيا ليس بعيدا جدّا عن الحرب الكونيّة الاستعمارية في سوريا، وهو حرب امبريالية شاملة تتواجه فيها مصالح جيوستراتيجية على الأرض اليباب” ( عنوان أشهر قصيدة كتبها ت.س. اليوت خلّد فيها حزن الحياة كلّها بعد الحرب الكبرى الأولى) العربية التي حوّلها الاستبداد والاستعمار أرضا صالحةللموت اليومي المجاني.

ليبيا اليوم تعيش ما قبل السياسة، أو السياسة العارية من المساحيق التي تخفي التوحّش البشري قبل ظهور فكرة القانون.

لم تنشأ فكرة السياسة بالمعيار الحديث على أرض ليبيا. فبعد خروج الاستعمار الإيطالي في سياق هزيمة الفاشية بعد الحرب الثانية (1951) وقيام نظام ملكي ضعيف، جاء القذافي بنظام هجين/ عجيب أخضع به الليبيين بالقمع الدموي ثمّ بالمال الوفير الذي أتاحته له ثروة نفطية ضخمة فصنع به ولاء قبليّا واشترى به تنازل الليبيين عن حقّهم (حقّ لم يشغل حيزا من تفكيرهم طبعا لانشغالهم بالرفاه النفطي العميم) في دولةقانون تزرع في مخيال مواطنيها فكرة الدولة“.

مخيال لا يمكن ان ينشأ خارج التعليم الحديث الذي يُملّك المتعلّم مفاتيح الانتماء للعالم الحديث. وحين ذهب القذافي خلّف وراءه حالة تيه سياسي وتاريخي قلّ نظيره في العالم.

حين عادت بعض النخب الليبية المهاجرة من الغرب، وحاول جزء منها (الذين صدّقوا أن الديمقراطية متاحة غربيّا لمن يريد) بناء نواة دولة القانون والمؤسسات على قاعدة ما يعرف عند الليبيين من نسيج أخلاقي/ ديني وعرفي/ قبلي متين.

لكنها، فضلا عن أنها هي نفسها مخترقة وفيها من يعمل لصالح قوى أجنبية، اصطدمت بوحشية الأجندات الاستعمارية التي انقضّت على الكنزالطاقي الليبي وفرضت علية وصاية عسكرية مباشرة في مشهد غريب عن الزمن العالمي الحديث.

وبعد تسع سنوات من الحرب المفتوحة، ها هي ليبيا رهينة في أيدي شركات النفط والسلاح العالمية.

فالنفط لم يتوقّف يوما عن الضخّ في اتجاه آلة الإنتاج الرأسمالية العالمية، والسلاح لا يتوقف عن التدفّق بسخاء إلى أرض ليبيا بحرا وبرّا وجوّا، ليصل إلى أيدي الميليشيات المخدّرة (بعضها مخدّر بالمال وحبوب الهلوسة فعلا، وبعضها الآخر مخدّر بالإيديولوجيا السلفية الجهادية الجاهلة).

وكل ذلك، رغم كلّ قرارات الحظر الأممي على بيع الأسلحة لأطراف الحرب الليبية (سلاح تتكفّل بدفع أثمانه الخيالية دول عربية عابثة يسكنها وهم القدرة على لعب دور سياسي إقليمي).

خاتمة:

ما يجري في ليبيا مأساة تاريخية لا يستوعبها التوصيف السياسي البسيط.

هي ليست حربا أهلية كما يروّج لها في الصحافة العالمية، وليست أزمة سياسية بين متنافسَيْن على الحكم يختزلهما المحلّلون في حكومة الوفاق الوطني في طرابلس المعترف بها دوليا (شكليّا) والمدعومة فعليّا من تركيا وقطر، وحكومة شرق ليبيا أو قوات حفتر المدعومة من فرنسا والإمارات ومصر وروسيا أخيرا، والمدعومَيْن كليهما بطرق مختلفة وبأقدار متغيّرة من أمريكا (!).

ما يجري في ليبيا هو عنوان عطالة عربية تاريخية شاملة زرع بذورها استبداد جاهل وغياب طويل عن عقل العالم،

وهو أيضا بنفس القدر عنوان جريمة استعمارية دولية متعدّدة الأطراف تستهدف ثروات ليبيا وسيادتها في ارتداد كوني فجّ إلى همجية النهب الاستعماري العاري من كل القيم التي صاغت الإنسانية في شأنها عهودا ومواثيق كثيرة.

***

عبد الرزاق بلحاج مسعودـ باحث تونسي

______________