Minbar Libya

بقلم مختار غميض

انكشاف أمر المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب قوات الكرامة التابعة للّواء المتقاعد خليفة حفتر على تخوم العاصمة طرابلس أثار مخاوف جدية.

.الجزء الأول

ملخص:

كثُر الحديث الشهرين الأخيرين على تصعيد قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر عسكريا خاصة من حيث الاعتماد على الطيران المُسيّر، بعد تعثر تقدم قواته على الميدان، مستهدفا البنية التحتية والمصانع والأحياء السكنية،

وهذا التعثر يفسره البعض باستخدام قوات حفتر للمرتزقة الأجانب من الدول المجاورة، كالسودان ومصر وتشاد والنيجر أخيرا، وغير المجاورة من جنود إماراتيين وخاصة المرتزقة الروس من شركة فاغنر،

ما يثبت أنّ الوضع الليبي تحوّل منذ إعلان حفتر حربه على عاصمة بلاده، إلى ملف أكثر تعقيدا من ذي قبل، وتعكس جهود الأمم المتحدة من خلال مبعوثها الخاص إلى ليبيا غسان سلامة وجهود الدول الأخرى المتدخّلة في الشأن، مثل فرنسا والإمارات تشعبات النزاع.

وهكذا تختلط رغبات القوى الإقليمية بالدولية وتتقاطع مصالحها في صراع يتضح على الأرض وسرعان ما يختفي في لعبة التحالفات، المرتبطة بطبيعتها بأذرع محلية في الداخل الليبي، سواء كانت من الدولة العميقة أو من تيارات فبراير.

مقدمة:

بات انكشاف أمر المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب قوات الكرامة التابعة للّواء المتقاعد خليفة حفتر على تخوم العاصمة طرابلس، يثير مخاوف جدية تتعلق بخلفيّة استجلابهم وانعكاسات ذلك على الصراع برمته، بكونه صراع قوى أجنبية مرتبط بوكلاء محليين مختلفي الانتماء والولاء.

ومع إعلان قوات حفتر حظرا جويا على طرابلس وإن بدا صعب التحقيق، فإن ذلك يعد امتحانا فعليا للطرف المقابل سيزيد في إذكاء الصراع ويطرح على حكومة الوفاق حلولا بديلة.

فبراير في مواجهة الدولة العميقة

استغلت مبكّرا قوى إقليمية الملف الليبي للعب توازنات سياسية لصالحها، ثم بدأت في الانقلاب تماما في كل خياراتها الإستراتيجية وتسريع نسق ذلك الخيار من حيث التوقيت.

وقد تقدم المحور الإماراتي/المصري على المحور التركي/القطري الذي أخّر الشأن الليبي إلى المستوى الثالث بالمقارنة مع أوليات أخرى منها التوجه إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما حافظت مصر والإمارات على إيلاء ملف الليبي الدرجة الأولى، وهو ما يطرح تساؤلات عما إذا قضت ثورة فبراير على الدولة العميقة في ليبيا ومدى استفادتها منها.

بناء على ذلك استفادت مصر من موضوع اللجان الثورية من خلال تحريك الدولة الليبية العميقة المتوارثة من النظام الاستعماري ثم الملكي وصولا لجماهيرية القذافي التي دامت لعقود، والمتمركزة بأغلب رموزها وبإعلامها حاليا بمصر بدعم واضح من السلطات المصرية هنالك، ومن الإمارات ثم السعودية.

وهي مواقف معلنة وأعرب عنها عناصر من نظام القذافي وذلك بإعلان ترحيبهم بالتحالف مع قوات حفتر، وتبرير ذلك بالتقاء مصالحهم ضد ثوار 17 فبراير (تصريحات موسى إبراهيم القذافي ومصطفى الزايدي)، ناهيك عن مقولات أن التغيير في ليبيا يأتي من الشرق من برقة تحديدا.

وقد تعززت هذه الأرضية بأموال طائلة تم صرفها ومشاورات وتحشيدات ولقاءات بينهم وبين ما تقوم به سلطات الشرق الليبي في مصر، وليس آخرها دعوة رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني المهجّرين للعودة وتسهيل إجراءات ذلك، لدغدغة مشاعرهم وضمان ولائهم الاجتماعي والسياسي.

وهو ما تحقق إلى حد مّا وإن ظل التيار القديم يتسم بانقسام شديد فمنه أيضا من اختار الاصطفاف مع التيار الثوري الجديد ومن تلك الشخصيات من تولت حقائب وزارية سيادية في حكومة فائز السراج.

ولكن اختارت أخرى شن الحرب على طرابلس والتحريض عليها ورأت أن المعركة واحدة مع حفتر عدو الأمس، وطالبت بدعمه بقوة بل وبدعم كل من يدعمه، وهم الذين استنكروا بشدة ولا يزالون، تدخل حلف شمال الأطلسي في الإطاحة بنظام القذافي.

الدور الأمريكي وسيناريو المواجهة مع الروس

لا يمكن بأي حال من الأحوال نكران وجود مرتزقة روس يقاتلون إلى جانب قوات حفتر على تخوم العاصمة كغيرهم من عناصر الحركة السودانية والتشادية والإمارات ومصر وحتى النيجر أخيرا وقد تم ضبطهم في إحدى جبهات القتال.

ورغم عدم اعتراف الخارجية الروسية بمرتزقتها، وهو الأمر الذي أكدته حكومة الوفاق في أكثر من مناسبة، ويعود اكتشاف أمرهم إلى شهر يوليو المنصرم، حيث تم إلقاء القبض على عنصرين اثنين روسيين مع مواطن ليبي في محيط مدينة غريان الإستراتيجية.

وراج حينها علاقتهم بسيف القذافي في علاقة بخلية استخباراتية، بينما في الحقيقة أنه لا وجود لمعلومات حينها تؤكد ارتباط مرتزقة فاغنربقوات حفتر، وهو ما تبين لاحقا.

ويمكن الإشارة إلى وسائل الإعلام الغربية وخاصة الفرنسية التي أكدّت تحوّل طرابلس إلى مسرح لعمليات فاغنر، فضلا عن الحديث عن مقرات في مصر لتدريب لقوات حفتر بإشراف روسي، إضافة إلى نقل طائرات بلا طيار وتركيبها في أماكن على تخوم العاصمة، لكن رغم ذلك فإن روسيا لم تعترف بتواجد عناصرها في ليبيا.

هذا الإنكار ليس مستغربا إذا علمنا طبيعة الشركات الأمنية مثل فاغنر، فطبيعة النظام الروسي أن يعتمد في سياساته ومخططاته على الفرق الأمنية غير الرسمية لاستعمالها في حروب غير رسمية كذلك أو معلنة.

وهي نتاج حرص منها على تنفيذ أجندات إعلامية وموضوعية لبلورة مصالح عليا للدولة والدفع بها قُدما، ضمن استراتيجيا اعتمدتها موسكو في 2014 بأوكرانيا بشبه جزيرة القرم عندما أرادت الانفصال، واعتمد حينها الروس على محاربين من المرتزقة لبسط الهيمنة على الجزيرة، لكن لابد من مراعاة فوارق الجغرافيا، فليبيا ليست أوكرانيا، ولا سوريا.

إنّ منطق التدافع ضدّ تواجد الروس في المنطقة العربية أو حدوث أي تدخل خشن ضدهم، سيكون أكثر قوّة مماّ يتصور البعض، ربّما يضاهي أو يفوق حادثة التدخل الأمريكية في دير الزور في 2018 دعما لقوات سوريا الديمقراطية.

وهو الخبر الذي أكدّه الإعلام الروسي وراح ضحيته أكثر من مائتي متعاقد روسي مع الشركة الأمنية فاغنروالتي تجندهم كمرتزقة للقتال إلى جانب القوات الروسية في سوريا، رغم نفي روسيا صلتها بهم، وهو نفس الإنكار الروسي اليوم في قضية ليبيا.

كما أنّ ذلك التدخل الأمريكي الدّموي في الشمال السوري عبر التحالف الغربي الذي تقوده واشنطن، لم يحدث منذ عقود، وهو أول مواجهة بين قوات شبه عسكرية روسية وعسكريين أمريكيين منذ الحرب الباردة.

وبالتالي قد تكون مسألة التدخل الأمريكي أكثر خشونة في المنطقة أي التحول إلى الساحة الليبية بعد اكتشاف نفس مرتزقة الروس مما ينبئ بإمكانية حدوث سيناريو مواجهة مباشرة، إذا علمنا بتواجد الطيران التابع للقيادة الأمريكية بشمال إفريقيا والذي يراقب نشاطات الإرهاب .

كذلك من الأكيد أنّ الملف الليبي سيكون مطروحا بقوّة كجزء من الحملة الرئاسية للجمهوريين ضد التمدد الروسي ليس في ليبيا فحسب، بل تحت عنوان أكبر وأشمل، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيعتمد  في حملته الانتخابية للدورة القادمة، على إزاحة النفوذ الروسي في المنطقة، أو منافسته على الأقل .

ومن الوارد أيضا وضمن مبرّرات المنافسة، أن يتوخى ترامب أيّ خطوة لإثبات عكس مقولة أنه مدعوم من الروس في علاقة بقضية التدخل الاستخباراتي في الانتخابات الأمريكية الماضية التي جاءت بدونالد ترامب مقابل تشويه صورة غريمته هيلاري كلينتون.

البقية في الجزء التالي

***

مختار غميض (صحفي تونسي)

_____________