Minbar Libya

بقلم محمد شعبان

تبدو من بعيد بمنظر ساحر جذاب، وتشكل بساتينها أجمل مشهد عام، ولكنك حين تقترب منها تبدو لك ما يشبه المدينة المنهارة، ولا ترى في شوارعها سوى الركام والأنقاض بسبب تدمير الأسوار وتداعي البيوت“… طرابلس الغرب بعيون رحالة أوروبيين.

الجزء الأول

في 30 نوفمبر عام 1777، كتب قنصل البندقية في طرابلس آغسطينو بلاتو رسالة إلى إخوته يصف فيها المدينة،

فذكر أنها تبدو من بعيد بمنظر ساحر جذاب، وتشكل بساتينها أجمل مشهد عام، ولكنك حين تقترب منها تبدو لك ما يشبه المدينة المنهارة، ولا ترى في شوارعها سوى الركام والأنقاض بسبب تدمير الأسوار وتداعي البيوت“.

لكن أكثر ما لفت نظر بلاتو في المدينة كان انهيار الوضع الاقتصادي نتيجة عدم استقرار العملة، عازياً ذلك إلى الحكام والعناصر المحيطة بهمممن وصفهم بـالمستجدين في الإسلام“.

وكتب بلاتو لا يمكن للمرء أن يتوقع المشاعر الشريفة من فئة دنيئة نذلة تهجر أوطانها بسبب ما اقترفته من آثام وجرائم، لتبحث هنا عن ملجأ يحميها بعد أن تتحول عن دينها.

تلك هي الفئة التي تحتل في طرابلس أعلى المناصب وتقبل ضمانة قرابة الباشا بمصاهرته من خلال بناته وأخواته“.

رسالة بلاتو التي أوردها جورجيو كابوفين في كتابه طرابلس والبندقية في القرن الثامن عشرتُعدّ واحدة من الوثائق المهمة، التي كتبها مبعوثون وقناصل وجواسيس ورحالة وغيرهم ممن أتيحت لهم الإقامة في المدينة خلال فترات تاريخية مختلفة ولغايات متباينة.

مدينة بيضاء وحمّامات النساء

الغريب أن الانطباع الأولي الذي ذكره بلاتو عن طرابلس أفصح عن مثله الرحالة الألماني هاينريش بارث بعد حوالي 66 سنة أثناء مروره بالمدينة عام 1843، ضمن رحلته الكبرى من المغرب حتى مصر بالتزامن مع بداية بسط السيطرة العثمانية على ليبيا.

يقول بارث: “إقامة بضع ساعات فيها (أي طرابلس) بددت ذلك الانطباع الذي كونته في نفسي من بعيد للمدينة البيضاء بأسوارها العالية التي تحميها الأبراج والمآذن التي تتخلل جذوع النخل الباسقة النحيفة وجريدها المائل فوقها، حسب ما ذكر خليفة محمد التليسي في كتابه حكاية مدينة: طرابلس لدى الرحالة العرب والأجانب“.

لم يختلف رأي الرحالة الألماني غوستاف نختغال عمن سبقه حول المدينة التي زارها عام 1869 ضمن رحلته المعروفة بـالصحراء وبلاد السودان، فذكر أن النظافة التي تبدو عليها طرابلس من بعيد والبريق الذي يغمرها يغيبان في الداخل ليحل محلهما دمار وبؤس وقذارة.

بيد أن ثمة ملامح أخرى للمدينة البيضاء كانت جديرة بالرصد، وقد فعلت ذلك (الأنسة توللي) التي ارتبطت بصلة قرابة بالقنصل الإنكليزي في طرابلس ريتشارد توللي، وهذا ما أتاح لها الإقامة في المدينة عشر سنوات في عصر علي باشا القره مانلي (1754 – 1793)، آخر حكام الأسرة القرمانلية.

ضمّنت ميس توللي مشاهداتها في كتاب عشر سنوات في بلاط طرابلس 1783- 1793″، وترجمه للعربية عبد الجليل الطاهر.

ومما أورده الكتاب تصميم المنازل الذي كان أكثر ما لفت نظر الكاتبة، فذكرت أن من ضمن حجرات البيت حجرة مفردة فخمة يسمونها الغرفةأو العليةيقتصر استعمالها على رب العائلة، ويحتفظ فيها بخزنته، ويصرف فيها شؤون عمله، ويتمتع بعقد مجالس لهوه وسمره، ولا يجرؤ أي من أفراد الأسرة على دخولها من دون إذنه.

وجدت قريبة القنصل الإنكليزي أن السيدة الطرابلسية مساوية لرب عائلتها في هذا الخصوص، فهو بدوره لا يستطيع أن يدخل حجرتها الخاصة إذا وجد زوجاً من البابوجخارج عتبة الباب، وهذا ما يعني وجود سيدات لديها، وإنما يكون عليه الانتظار حتى يُزاح الحذاء.

ولم يفت توللي وصف الحمامات التي تظل ملأى بالسيدات اللواتي يذهبن للتزين طوال ساعات النهار، ويصطحبن جواريهن معهن. جارية تغسل شعرها بماء زهر البرتقال، وثانية تقوم بتجفيفه.

والسيدات يصففن شعرهن على هيئة ضفائر صغيرة وهي عملية مضنية تستغرق وقتاً طويلاً، ويزيد من إزعاجها نتف الشعر النابت على نحو غير سوي، ثم صبغ الرموش، وتزجية الحواجب، والتكحل بمسحوق أسود على مرواد من الفضة أو الذهب.

أسواق ورقيق

وإذا كانت أسواق المدينة قد استوقفت الكثير من الرحالة، فإن بازار (سوق) البن استرعى انتباه السيدة الإنكليزية.

وفق الكتاب كان يقصده الأتراك ليتحدثوا عن الأخبار اليومية والشؤون العامة ويرتشفون القهوة أثناء ذلك، وهذا البازار مليء بالمقاهي التي لا يدخلها أي مغربي وجيه، وإنما يرسلون خدمهم ليحضروا لهم القهوة من الداخل بينما يقفون عند أبوابها حيث مقاعد رخامية تظللها عرائش خضراء“.

وتضيف توللي: “حين يكون أكابر المغاربة في المقاهي يخدمهم عبيدهم الذين يظلون واقفين قريباً من أسيادهم، واحدهم بغليون السيد، وآخر بفنجانه، وثالث بمنديل، بينما السيد يتكلم، ذلك لأن يديه ضروريتان حتماً للاستعمال أثناء حديثه“.

لكن شيئاً آخر توقفت توللي أمامه تمثل في السفن التي تصل طرابلس مشحونة بالعبيد، الذين يُباعون إلى التجار الذين يعيدون شحنهم إلى بقاع أخرى من العالم.

وأثناء زيارته للمدينة عام 1869، لاحظ نختغال أن العنصر الأسودظاهر بشكل واضح في المدينة وفسّر ذلك باستمرار تجارة الرقيق في الخفاء على نحو ضيق رغم المنع الصارم لها.

ونقل التليسي عنه أن العبيد كانوا يحضرون ضمن القوافل إلى منطقة المنشية بدلاً من المدينة ليباعوا واحداً إثر الآخر. فإذا تمت عملية البيع هذه وضعت نهاية لآلام هذه الفئة التعسة، لأنهم يعاملون بأقصى الإنسانية ويعتقون.

البقية في الجزء الثاني

___________