Minbar Libya

بقلم محمد شعبان

تبدو من بعيد بمنظر ساحر جذاب، وتشكل بساتينها أجمل مشهد عام، ولكنك حين تقترب منها تبدو لك ما يشبه المدينة المنهارة، ولا ترى في شوارعها سوى الركام والأنقاض بسبب تدمير الأسوار وتداعي البيوت“… طرابلس الغرب بعيون رحالة أوروبيين.

الجزء الثاني

طرابلس الجديدة تماماً

ثمة تغيرات طرأت في القرن العشرين على حياة من عُتقوا رصدها الرحالة الألماني إفالد بانزه الذي زار طرابلس ثلاث مرات في 1906 و1909 و1914، ووضع كتاب طرابلس الجديدة تماماًالذي ترجمه للعربية عماد الدين غانم بعنوان طرابلس في مطلع القرن العشرين في وصف الجغرافي الألماني إفالد بانزه“.

بحسب بانزه يمثل الزنوج القاتمو السواد نسبة لا يستهان بها من سكان طرابلس، فأهلهم أو هم جاءوا من بلاد السودان كعبيد، ثم عُتقوا وتزوجوا وأنجبوا أولاداً.

إنهم يعيشون في أكواخ خارج المدينة على شكل قباب شيدت من القصب، وهم يؤمنون معيشتهم بصعوبة ويعيشون على الكفاف، ويقومون بالأعمال المجهدة والوضيعة لا سيما في بناء البيوت ومكابس الحلفاء وتفريغ أو شحن السفن“.

ولأن طرابلس كانت نقطة وصل طبيعية بين أوروبا وأفريقيا، فقد توقفت زوجة رئيس البعثة الأمريكية مابل تود التي عاشت في طرابلس بين 1900 و1905 أمام حركة القوافل.

فذكرت في كتابها أسرار طرابلسأن التجار الذين يرسلون السلع إلى أعماق الصحراء لا يسمعون شيئاً عنها طوال عدة أشهر، بل لا يعرفون أحياناً شيئاً عن مصيرها عدة سنوات.

وكانت الآمال في عودتها تُفقد مراراً وتكراراً. ولكن عندما تُشاهد القافلة عائدة بجمالها المنهكة، تخرج كل طرابلس من بواباتها وتقابلها بنوع من الترحاب البهيج“.

وبحسب تود كانت البضائع الأوروبية تُخزّن هنا حتى يحل وقت سفر القافلة، كما كانت البضائع الإفريقية تنتظر هنا لتنقل عبر البحر الأبيض المتوسط. وكان ريش النعام وأنياب الفيلة والجلود وحتى الذهب تأتي بواسطة القوافل بكميات من أفريقيا لتُقايض بأقمشة مانشستر وأواني فينسيا الزجاجية وبضائع من جنوب فرنسا“.

المسيحيون واليهود

نال اليهود والمسيحيون في طرابلس نصيباً من اهتمام الرحالة، فذكر بلاتو أن اليهود يتمتعون بوضع ممتاز، ويشكلون نسبة جيدة من سكان المدينة، بحسب ما نقل التليسي.

في المقابل، ندّد نختغال عام 1869 بضجيج الحي اليهودي وقذارته ورائحته النتنة وشوارعه الضيقة، وامتدح في الوقت نفسه الجالية المالطية التي تسكن الحي الإسلامي أو باب البحر، وذكر أن أغلب أفرادها يتاجرون في النبيذ والتبغ، ورغم ازدراء الأهالي المسلمين للعنصر المالطي هناك نظرة شائعة بينهم تشير إلى أن المالطيين عرب أفسدهم الدم المسيحي“.

وبحسب الرحالة الألماني، يفد المالطيون إلى بلدان الشمال الإفريقي فقراء، ولكنهم لا يلبثون إلا سنوات قليلة حتى يجمعوا ثروات طائلة بسبب نشاطهم وجديتهم وذكائهم وخبرتهم.

وبجانب التجارة يمارسون الزراعة والملاحة وتربية الماشية، ويشتهرون بكثرة إنجاب الأطفال، وهم يشكلون الطبقة الأوروبية الراقية.

وبين عامي 1901 و1902، زار الرحالة الإيطالي غوستانيو روسي طرابلس وكتب عن رحلته كتاباً بعنوان تونس وطرابلس اليوم، لافتاً فيه إلى وجود مسرح صغير يحمل اسم الكاتب الإيطالي الشهير غولدوني، ترقص فيه بعض المغنيات اليهوديات رقصة البطن أمام المشاهدين العرب.

وقارن روسي بين البيوت اليهودية والبيوت العربية، فذكر أن شوارع الحي العربي مكونة من بناءات غريبة ذات طابع فني، أبوابها مغلقة، وتمنح المشاهد شعوراً بالغموض والسر. العكس في المنازل اليهودية، لأن أبوابها مفتوحة تماماً ويمكن للسائح ألا يكتفي بالنظر إليها، بل يمكنه أن يدخلها دون اعتبار أو حذر“.

ولاحظ الرحالة الإيطالي التسامح الديني الكبير الذي يبديه العرب، مستغرباً صفة التعصب التي يلحقها بهم بعض الكُتاب والرحالة، لكنه ذكر أيضاً أن في طرابلس كنيسة واحدة في المدينة وأخرى في الريف، وأن قبة الكنيسة تعلو كل مآذن المدينة. وهذا ما يثير مشاعر الضيق والتبرم لدى الأهالي الذين لا يطيقون أن تكون الصومعة أعلى من مآذنهم.

ومع ذلك فهم متسامحون، إذ تجري ممارسة الطقوس الدينية المسيحية خارج الكنيسة سواء التعميد أو الزواج أو الجنائز من دون مضايقة.

وعلى النقيض، يذكر بانزه في كتابه أن اليهودي الطرابلسي بعيد تماماً عن التسامح إزاء أتباع الديانات الأخرى، فلا يظهر احتراماً للمسلم بل يعتبره في درجة أحط منه، إلا أنه يخشاه باعتباره يمثل العنصر الحاكم.

وبحسب بانزه، لا يتناول اليهودي مثلاً أي طعام لدى النصراني أو المسلم، لكنه قد يدعو ضيوفاً من غير اليهود ليأكلوا ويشربوا في بيته، على أن يكسر جميع الأواني التي يستخدمها أولئك الضيوف لأنها تصبح نجسة لشفاه اليهود“.

ويلفت إلى أن الوضع الاجتماعي لليهود شهد تحسناً وقت زيارته لطرابلس نتيجة للتغلغل الأوروبي ولنفوذ التحالف اليهودي، فلم يكن يحق لليهودي فيما مضى أن يركب جواداً. وذكر قبل الاحتلال الإيطالي 1911 لم يكن الغرور قد ركب اليهود بهذا الشكل“.

وبحسب بانزه، يتبع معظم يهود طرابلس الطقوس القديمة بعناية فائقة، لكن الأغنياء وحدهم لا يرغبون في أن يعتبروا يهوداً، لذا ارتدوا الزي الأوروبي تماماً وعاشوا على النمط الأوروبي، وحرروا أنفسهم من عادات الآباء، ولهذا احتقرهم اليهود المتعصبون الذين وصفوهم بأنهم يهود قورنيأي يهود بالاسم، وهي كلمة لم يكن اليهود يحبون سماعها.

مجاعات وأوبئة

استأثرت الأوبئة والطواعين وكيف تعامل الطرابلسيون معها باهتمام الرحالة أيضاً، لا سيما توللي التي قدمت وصفاً تفصيلياً للمجاعة والوباء اللذين ضربا المدينة بين عامي 1784- 1786، وهذا ما أدى لهلاك ربع سكان طرابلس. فذكرت أن بعض البيوت احتضنت جثثاً لم تجد من يدفنها أو يذرف عليها دمعة، فبقيت ودُفنت في مكانها.

في تلك الأثناء بدت المدينة مقفرة تماماً من السكان، فقبل هجوم الوباء هجر الكثيرون بيوتهم وهربوا إلى تونس حتى يتجنبوا الموت جوعاً أثناء المجاعة التي سبقت الطاعون.

ونتيجة كثرة أعداد الضحايا، باتت جثث الموتى تُربط بعضها ببعض وتحمل على حيوان يركض بها مسرعاً إلى المقبرة، وذلك بدلاً من مواكب التشييع. كما تم تعيين جنود يجوبون شوارع المدينة، ويزيلون منها الجثث، وينظفونها من الجثامين الملقاة حولها، وفق توللي.

وعندما ألغى حاخام اليهود الضريبة الإضافية على دفن الموتى في المقابر ليخفف العبء الثقيل عن عاتق الفقراء، تم دفن عدد كبير من الموتى في مقبرة اليهود حتى لا يتحملوا تلك الضريبة.

أكثر من ذلك أن الناس اضطروا لحفر قبور وسط منازلهم لدفن الموتى ليلاً خشية أن يُكشف أمرهم، فأصبحت روائح الجثث الكريهة لا تطاق من شدة نتانتها، وهذا ما أسهم في انتشار الوباء وموت المزيد من الناس.

حاول يهود من المدينة الاستفادة من هذه الأزمة، فانهمكوا بشحن السفن بمستلزمات ملابس الموتى بغرض تصديرها إلى أوروبا ومصر، لهذا كان من الضروري، بحسب توللي، اتخاذ تدابير الحيطة والوقاية في أوروبا لمنع وصول مثل تلك البضائع المُهلكة.

ويذكر التليسي أن آثار هذا الوباء ظلت باقية حتى عام 1805 عندما زار باديا لبليك المعروف بـعلي بك العباسيطرابلس، وقال: “أنقص الطاعون كثيراً من السكان، إذ قضى على أسر بكاملها، وما يزال المرء يشاهد حتى الآن بعض المنازل المهجورة أو المنهارة بسبب هذا الوباء“.

__________